من ركب الهوى هوى به، والنفس إذا استعملت التقوى تقوى به.

إن كنت يا صاح لبيبا حازما *** فكن لأسباب الهوى مراغما

لا تهـو دنيـاك فـإن حبها *** رأس الخطايا تُكسِب المآثما

غـدّارة فكـل من حلت له *** لا بـد أن تذيقـه العـلاقما

وأنهـا تخدم من أهـانهـا *** كمـا تهين من أتـاها خادما

فكن بها مثل غريب مصلح *** أزواده عـلى الرحيل عازما

وبـادر الأيـام قبل فوتهـا *** مخـاصِما للنفس أو مُسالما

فإنما عمـر الفتى سوق له *** يروح عنها خاسرا أو غانما

يا من يخطي على نفسه ويقترف! متى تندمُ وتعترف؟ يا من بحب العاجل قد كَلِفَ (= أحب وعلق)، ستعلم غدا جفن من يَكِف (= يسيل)، يا محبوسا في سجن الهوى لو ارعوى أنِف، يا مترددا في التوبة سارع ولا تقف.

إلى متى أعمالك كلها قِباح؟ إلى كم فساد؟ متى يكون الصلاحُ؟ ستفارق هذه الأجساد الأرواح، إما في غدو وإما في رَوَاح، سيفنى هذا المساء والصباح، وسيخلو البلى بالوجوه الصِّباح، أفي هذا شط؟ والأمر صُراح؟ أين شارب الراح (=الخمر)؟ راح إلى القبر تسفي عليه الرياح، حل للبلى وللدود مُباح، لهما اغتباق به ثم اصطباح، عليه نطاق من التراب ووِشاح، عنوانه لا يزوال مفهومه لا بَراح، مشغول عمن بكى عليه وناح، أما هذا لنا عن قليل؟ إنا لَوَقاح ( من الوقاحة)، كأنك بملك الموت قد صوّت بالروح وراح، فنهضت للنُّقلة على غفلة، إما في المساء أو في الصباح.

لم أدر بالبين حتى أزمَعُوا ظَعَناً *** كلُّ الجِمال قُبيل الصبح مزموم

هذا حادي الرحيل قد استعجلكم، فالبِدَارَ البدار، خلّوا كسلَكم، ودعوا التواني، فالتواني قد قتلكم، وا أسفي! سبق الصالحون، فماذا شغَلَكم فستذكرون ما أقول لكم 1 .

ما على حادي المطايا لو تَرَفَّقْ *** ريثما أسكب دمعي ثم أَعْنَقْ

يـا فـؤادا كلمـا قـلتُ خبت *** نـاره ألهبه الوجـد فأحرق

ذلك العـيش الذي فـات بـه *** سائق الدهر فولى أين يُلحق

زال إلا خَطْـرةً من ذكــره *** كاد إنسانيْ لها بالدمع يَشْرَقْ

يـلذع القـلب إذا غـنّى على *** فَنَـنٍ أو ناح قمريٌّ مُطوَّقْ

(أعنق = ضرب سريع من السير // إنسانيْ = بؤبؤ العين // يشرق = يغص // فنن = غصن // قمري = ضرب من الحمام).

يا معدودا مع الشيب في الصبيان! يا محبوسا مع البُصراء في العُميان! يا واقفا في الماء وهو ظمآن! يا عارفا بالطريق وهو حيران! أما وعظت بآي القرآن؟ أما زُجرت بنأي (البعد وهو كناية عن الموت) الأقران؟ أما تعتبر بصروف الزمان؟ أتعمِّرُ المنزل وعلى الرحيل السكان؟ أما يكفي وعظ كل من عليها فان 2 .

تسافر ببضائع الأمانة وما تنزل إلا في خان (= النزل والفندق) من خان (= من الخيانة)، أفعالك كلها مكتوبة، فيا ليت ما كان ما كان، تدفن الميت، ولا وعظ كالعِيان، ثم تعود غافلا يا قرب ذا النسيان، ويحك! أما تدري أن الهوى هوان ألم أعهد إليكم يا بني ءادم أن لا تعبدوا الشيطان 3 .

نُـراعُ إذا الجنائز قابلتنا *** ونسكن حين تخفى ذاهبات

كروعة ثلة لظهور ذئب *** فلمـا غاب عادت راتعات

يا مستأنسا بظل متقلص! يا حريصا علىالهوى، والموت عليه يحرص! يا من إن كال فمطفِّفُ، وإن وزن فمتلصص، ما يتخلص من معامل إلا من هو عند الله مخلص، تفكر فيمن أصبح مسرورا فأمسى وهو متنغص، ومتى ازددت لذة فاذكر قبلها المنغِّص، حاسب نفسك وخذ على يدها لا ترخّص، حائط الباطن خراب فلماذا تُجَصِّص؟

يا ابن آدم! أنت بين ذنب لا تدري أغُفر، وحسنة لا تعلم أقبلت؟ فأين الانزعاج؟ لما سُترت عن الصالحين العواقب، استراحوا إلى الأحزان، وفزعوا إلى البكاء، كانوا يتزاورون فلا تجري في خلوة الزيارة إلا دموع الحذر، كان أشعثُ الحراني يزور حبيبا العَجَمِيّ فيبكيان طول النهار.

بـاحت بسري في الهوى أدمعي *** ودلـت الـواشي عـلى موضعي

يـا قـوم إن كنتم عـلى مذهبي *** في الوجـد والحـزن فنوحوا معي

يحـقُّ لي أبكـي عـلى زلتـي *** فلا تلـومـوني عـلى أدمـعـي

إخواني! أتدرون ما أقلق هذا التائب؟ أعلمتم ما أقدم هذا الغائب؟

سرى نسيم الصبا من حاجر فَصَبا *** فبـات يشكـو إلى أنفاسه الوصبا

مـا يبرح البـارقُ والنجديُّ يُذَكِّرُهُ *** نجـدا ويُلهبـه وجـدا إذا التهبا

يحقُّ لمن رأى الراحلين إلى الحبيب وهو قاعد أن يبكي، ولمن سمع بأخبار الواصلين وهو متباعد أن يقلق.

أبصـرَ الرَّكبُ على الجزع ضُحى *** فـتـوالى دمعـه مُنْسَفِحـــا

يـا خــليليَّ بجرعــاء الحِمى *** سـائـلا من حل ذاك الأبطحـا

وخـذا عـنـي أحـاديث الغَضا *** بَخِـل الــراوي بـها أو سمحا

واستَمِلاَّهـا بـدمعـي واكتبــا *** عن أخـي الشـوق إذا ما شرحا

وإذا هـب الصبـا قــولا لـه: *** عُـد فـقـد هيجت قلبا ما صحا

يـا أُهَيْـلَ الحي من كــاظمـة *** عـاد مستـور الهوى مفتَضحـا

إذا رأيتم قلِقا فارحموه، وإذا شاهدتم باكيا فوافقوه، وإذا عاينتم واجدا فاتركوه.

خـلِّـنــي مــن العـــذل *** مــا الفــؤاد مــن قـبـلي

لا تــســل فـفـي كـبـدي *** شـعـلــة مـن الشـعـــل

يا أطفال الهوى أين أنتم والرجال؟

كـم من حثَّ وما أرى غير بطا *** لو حرَّكتَ العزم نحونا فضل خطا

تعـصي قصدا وتدعيـه غلطا *** تصـمي عمـدا وتزعم القتل خطا

يا هذا! إذا هممت بخير فبادر لئلا تُغلب، وإذا هممت بشر فسوِّف هواك لعلك تَغْلِب، ثقف (= هذب وقوّم) نفسك بالآداب قبل صحبة الملوك، فإن سياسة الأخلاق مراقي المعالي.

قال بُزْرَجَمْهَر 4 : أخذت من كل شيء أحسن ما فيه، حتى من الكلب والهر والغراب.

قيل: ما أخذت من الكلب؟

قال: ذبُّه عن حريمه وإِلْفُه لأهله.

قيل: ما أخذت من الهر:

قال: رفقها عند المسألة، ولينُ صياحها.

قيل: ومن الغراب؟ قال: شدة حذَرِه.

لولا سخط نفسِ أبي بكر لمُفارقة هواها، ما نال مرتبة أنا عنك راض) 5 .

لولا عُرْيُ أُويسٍ ما لبس حلّة يشفع مثل ربيعة ومضر) 6 .

يا كثير الذنوب متى تقضي؟ يا مقيما وهو في المعنى يمضي، اترك الهوى محمودا قبل أن يتركك مذموما، إن فاتك قصبات السبق في الزهد، فلا تفوتنك ساعات الندم في التوبة، يا من كلما حرِّك إلى الجدِّ سوَّف، يا من شدد عليه الوعيد وما تخوف، يا مريض الهوى بل يا مدنف (الدنف = المريض الملازم) إن كنت لا تعرف الدواء فالطبيب قد عرف، هذا ممكن النصائح ثم أنت بنفسك أعرف.


[1] غافر، 44\
[2] الرحمان، 26\
[3] يس، 60\
[4] بزرجمهر: وزير كسرى أنوشروان، كان حكيما، ومن أقواله: كن شديدا بعد رفق، لا رفيقا بعد شدة، لأن الشدة بعد الرفق عز، والرفق بعد الشدة ذل. انظر: فيض التقدير رقم (4569 و191).\
[5] رواه ابن حبان والعُقيلي في كتاب (الضعفاء)، وقال الذهبي في (الميزان): هو كذب، وذكره العراقي في تخريج أحاديث الإحياء باب فضل الأُلفة والأخوة.\
[6] عن أبي بزرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن من أمتي لمن يشفع لأكثر من ربيعة ومضر” رواه الإمام أحمد في (المسند)؛ وانظر (صفة الصفوة) 3/49؛ وذكره الحافظ في (ميزان الاعتدال) في ترجمة أويس عن عمر: “يدخل الجنة بشفاعته  أي أويس- مثل ربيعة ومضر”.\