1. أمـا قـبـل:

بطاقة الكتاب:

صدر الكتاب في طبعته الأولى في سنة 2005 عن مطبوعات الهلال بوجدة، وهو من الحجم المتوسط، يقع في ثلاثمائة وأربعة وثلاثين صفحة موزعة على مقدمة وخاتمة وأربعة فصول جاءت تباعا: القاسية قلوبهم، روح الجاهلية، الصحوة الإسلامية، من الشكوى العاجزة إلى الوعود الناجزة.

تم تـأليف الكتاب منذ أكثر من عشرين سنة، فادخره الله تعالى توفيقا منه وتسديدا إلى هذه الحقبة من الزمان الذي بلغ فيها علو اليهود أوجه: إفسادا في الأرض وهيمنة على الشعوب والأمم رغبا أو رهبا؛ ادخر الكتاب إلى هذا الأوان ليسمع المسلمون والعالم شهادة الله تعالى في بني إسرائيل، ويعرفوا إذا جهلوا أو تجاهلوا أو خدعوا حقيقة من لعنوا على لسان أنبيائهم ورسلهم، وحقيقة خـبثهم وما يشكلونه من خطر على البشرية جمعاء.

دلالـة العنوان:

“سنة اللــه” تفيد فيما تفيد قانون الله تعالى وناموسه في الكون الذي لا يتغير، وقد وردت في القرآن بهذا المعنى من قبيل قوله تعالى: “ولن تجد لسنة الله تحويلا ” أو “ولن تجد لسنة تبديلا”، إنها إذن سنة الله في الكون ومسيرة العباد أفرادا وأمما تسير وفق ما قدره الله ووضع من نواميس إلى قيام الساعة. وقد كتب عنوان الكتاب بالرسم العثماني أحد الخطوط التي دون بها القرآن الكريم ووحيه الذي حفظه الله تعالى من كل تغييرأو تبديل مثلما لا تتغير ولا تتبدل سنته والله أعلم.

موضوع الكتاب:

الكتاب قراءة في تاريخ المسلمين ماضيا وحاضرا ومستقبلا، من خلال حديث البشارة الذي يوضح مراحل تاريخ المسلمين: نبوة وخلافة راشدة وعـضا وجبرا ثم خلافة منهاجية تعم الأرض تمهد لقيام الساعة بنزول سيدنا عيسى عليه وعلى رسل الله أزكى السلام.

قراءة تاريخ المسلمين ضرورية وواجبة باعتبار النقد الذاتي اليقظ والمتحرر لازما لانبعاث الأمة. والقراءة التاريخية أساس كل مشروع تغييري، إذ بواسطتها يتم تشخيص واقع الأمة ومعرفة مؤهلاتها الذاتية لاستثمارها في عملية البناء.

خاصية القراءة الإيمانية للتاريخ أنها تنطلق من الغيب – وهو ما غاب في الواقع وغاب على العقل إدراكـه – الذي أخبر بـه الوحي قرآنا أو حديثا ثم تنطلق تحلل معطيات الواقع بأدوات قرآنية وعيون نبوية، عين على الوحي تهتدي بـه لأنه حق، وعين على الواقع تفحصه، فإذا المستقبل وهو غيب ينجلي أمام بصيرة القلب كأنه رأي العين.

الغاية المنشودة من الكتاب:

تسعى القراءة إلى اكتشاف المنهاج النبوي الواضح لانبعاث الأمة، وإخراجها من غثائيتها، فالغاية “أن نعثر في كتاب ربنا وسنة نبينا على المفاتيح التي تفسر لنا غثائيتنا، وتشرح لنا المنهاج الواضح لسلوك بــه نستحق الخلافة في الأرض، وهي وعد الله الحق المنجز لنا متى أذن الله وآن الأوان واتخذنا الأسباب..” (1)

على ضوء المنهاج النبوي وبه تنقذ الذات المسلمة وتشخص حالتها لتحديد أمراضها ووسائل علاجها، وهذه هي الخطوة الأولى التي بها تضع الأمة القدم في الاتجاه الصحيح: “إذا عرفنا من نحن وقبلنا الحكم الصادق على أنفسنا بما فيها من بقايا جاهلية يجب قلعها، وبما فيها من عوامل فتنوية يجب إقصاؤها، وبما فيها من أسباب غثائية لا يغيرها الله حتى نغير ما بأنفسنا، فقد اقتربنا من الهدف..”(2)

خصوصيات الأمة الإسلامية:

خص الله تعالى الأمة الإسلامية بميزتين:

أولاهما أنها وعدت بالنصر وتوفيق الله المسبق متى حققت شروط ذلك “قبول إيماني يصل دنيانا بآخرتنا ويربط مصيرنا في الآخرة بأعمالنا هنا. واحترام عملي يثبت أقدامنا على الأرض، ويضع بين أيدينا وسائل القوة التي أمرنا بإعدادها، ويعطينا مواصفات المؤمنين المجاهدين الذين يستخلفهم في الأرض ويمكنهم فيها.” (3)

ثـانيهما أنها أخبرت الأمة سلفا بمراحل تاريخها وعقبات مسيرتها التاريخية ومآلها في آخر المطاف؛ وكان لهذا الإخبار الأثر الكبير في توجيه المسلمين وتحديد متطلبات كل مرحلة على حدة.

من هنا يطرح السؤال: “هـل ننــضوي تحت ظل سنة الله لنستحق رعاية الله وموعود الله ؟ هل ننتهج سنة رسول الله لنأمن العثرات في سيرنا في الميدان ؟ هل نسير على منهاج النبوة لنهيء الخلافة الثانية متأكدين من أن الأمر ليس تاريخا أهوج صراعيا لا معنى له، بل الأمر سنة الله، تعطينا معنى وجود الإنسان ومعنى دفع الله الناس بعضهم بعضا في مسار مقدر من لدن حكيم خبير؟”(4)

2- زيــغ وهــلاك:

من ضمن ما أخبرت به الأمة وحذرت منه فتن كقطع الليل المظلم أصابت الأمة تباعا بحسب ابتعادهم عن المحجة البيضاء، وبحسب اتباعهم للأمم قبلهم. هكذا بدأ الهدم يطال صرح الأمة، وراحت عرى الإسلام تنتقض عروة بعد أخرى بدئت بالحكم الذي غدا ملكا عـاضـا خرب قاعدة الشورى وانتهت بترك الصلاة.

الفتنة بلاء أخبر به الصحابة نزل بالأمة وفتك بإيمانها وذهب بأخيارها ورجالها الذين مثلوا مناعتها وقوتها المعنوية فـقــد “وقعت الفتنة الأولى فلم يبق من أصحاب بدر أحد. ثم وقعت الفتنة الثانية فلم يبق من أصحاب الحديبية أحد. ثم وقعت الفتنة الثالثة فلم تــرتـفــع وبالناس طباخ”. المراد لم يبق من الصحابة أحد يذكر. والطباخ لغة القوة والسمن. (5) “من قتل عمر وفناء الصحابة بدأ انسياب تاريخنا من قمم الإحسان إلى بطاح سنن الله الجارية على الأمم”. (6)

الفتنة داء عضال عصارته داء الأمم وأساسه البغي ومبعثه الانحراف عن الجادة. فعلى قدر ما يحدث الناس والمسلمون خاصة من منكرات يكون البـلاء. وعلى قــدر الزيغ يضعف الإيمان ويبلى، وتنحط الأمة أخلاقيا وسياسيا واقتصاديا وعسكريا فتتداعى عليها الأمـم ويسلمها الأغيلمة إلى أعدائها، وسرعان ما تنسلخ عن هويتها فتخضع وتخنع لما “اتبعنا سنن الأمم من قبلنا فأصابنا ما أصابها من داء. ثم استفحل فينا المرض، وخطر وقعه لأننا حملة الرسالة النهائية..”(7)

أمرت الأمة أن تدور مع القرآن وأن تـخالف السلطان وأعوانه، ولما لم تـفعل دارت عليها رحا سنة الله فسحقت منها الإيمان وانحطت وانقادت للجاهلية ظنا وحكما وتبرجا وحمية.

خلاصنا إذن يكون بالتداوي من الداء العضال داء الأمم “ويلزمنا أن نتعلم أن بداية مجد الإسلام تكون بقطع حبال الجاهلية وحسمها، ووصل نسبنا إلى الإسلام بدعم جهود أولي البقية من صالحينا وإشاعة جو العافية من داء الأمم في حياتنا.” (8)

“عندما نعلم ورثة من نحن، وورثة ماذا، وخلفاء موعودون بماذا تنجلي أمامنا الطريق. وبداية الطريق معرفة أن داء الأمم يعالج، وأن له علاجا واحدا، وحيدا، موحدا. علاج داء الأمم الإيمان، والتربية على الإيمان، والتشوف للإحسان، وإخلاص الوجه للملك الديان.” (9)

دواء علتنا من داء الأمم تجديد ما بلي من إيمان إحياء لقلوب قتلتها الغفلة وصيرتها قاسية بطول الأمد ومخالطة القاسية قلوبهم المتحجرة مشاعرهم. لا يغير الله ما بنا إلا بتغيير ما بأنفسنا، وتغيير ما بالنفوس مثلما حدد له طبيب الأمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفة العلاج حدد له كيفية العلاج ومتطلباته، فحث على الحكمة والصبر والرفق والرحمة والتدرج بالنفوس لتعود إلى الحق وكنف الإيمان وتـنخرط في حزب الله وتندمج فيه عاطــفـيا وسلـوكيا وفكريا لتتحمل المسؤولية في أعباء البناء “إن مناط نجاح القومة الإسلامية اقتناص قلوب العباد، والفوز بمودتها، وإمالتها إلينا حتى تتشرب الإيمان وتخلص من شوائب الفتنة، وتصفو من دخنها، وتعرف الرب جلا وعلا، وتتقرب إليه بالعمل الصالح وتبتغي رضاه.”(10)

والتربية تقتضي أن يخاطب النفوس من حيث هي، والتعليم يكون بصغار العلم، وهذا يعني – مع الثقة في الله تعالى وتوفيقه – التحلي بالصبر وطول النفس وعدم التسرع، فما فسد في قرون لا يصلح في شهور “فسنة الله ترتيب النتائج على المقدمات، وترتيب المرحلة على المرحلة، والمعلولات على العلة، وتغيير ما بالقوم على تغيير ما بأنفسهم، والفوز في المعركة على إعداد القوة”.(11)

3- عـتــو وفــســاد:

“إن القرآن الكريم ما خصص لذكر اليهود والنصارى ذلك الحيز الضخم قصا لتاريخ مضى وانقضى، ولا لمجرد العبرة بالغابرين، وإنما فعل لهدايتنا إلى المسار الذي يجب أن نتبعه أفرادا للفوز بالنجاة في الآخرة، وأمة لنفوز بالاستخلاف الموعود، وإقامة دين الله في الأرض على منهاج النبوة..” (12)

أجل، إن المتأمل في القرآن الكريم يقف على شساعة المساحة التي يغطيها اليهود، لا يوازيها إلا عمق الفساد والإفساد اللذين يمارسانه في الكون، تضليلا للشعوب وإشعالا للحروب ونهبا للأموال بالباطل ونشرا للرذيلة التي بها يتم غزو قيم الشعوب فتنحل وتتلاشى، وإذا بالبشرية قطيع يسوقه لفيف من اليهود. فلا عجب – وهذا حالهم – أن يلعنوا لما حرفوا كلام الله تعالى وقتلوا الأنبياء والرسل.

إن الوقوف على حقيقة اليهود مطلب من مطالب فقه سنة الله في الكون إعدادا للعدة وتأهبا “لوعد الآخرة” التي ستكون إن شاء الله تعالى حدا فاصلا بين الحق والباطل، تكون قضية تحرير أرض الإسراء مقدمة لها ومفتاحـا. “فمن كان يحسب أن قضية فلسطين وقضية الصهيونية قضية آنية مقطوعة الوصل، قاصرة الدلالة عن مجمل سير التاريخ البشري، وتاريخ الإسلام، ونظام الكون، فما عرف سنة الله، وما قرأ القرآن القراءة الفقيهة.” (13)

اليهود بؤرة الفساد والإفساد وقطع دابرهم يوم يبعث الله تعالى ويصطنع عبادا له مطلوب لاجتثاث جرثومتهم واستئصالها لأنهم”مناط داء الأمم ومحطته وجرثومته ووباؤه المنتشر” (14).

واجـتـثاثهم مطلوب لاعتبار دعوي يتمثل في حيلولتهم دون سماع الإنسانية كلمة الحق ورسالة الإسلام لما لهم من نفوذ على الشعوب لا سيما الأوروبية منها والأمريكية؛ فاليهود ذوو قدرة عالية على الهيمنة النفسية والوجدانية على الشعوب والأمم، “إن التحدي اليهودي للإسلام يتمثل في قدرة اليهود على تقمص الأجسام الجماعية للأمم … فالتحـدي أمامنا ليـوم الفصال يـوم “وعد الآخرة” ليس أن نحارب العالم بعد أن تكون الروح اليهودية قد استولت عليه، لكن التحدي في أن نقاتل اليهود وراء كل شجر وحجر قتال البأس، بينما نستخلص من الروح اليهودية هذه الجسوم الجاهلية، ندفع شرها بخير الإسلام، ونذهب ظلمتها بنور الإسلام، ونسكت نباحها لتسمع دعوة الإسلام. وربك سبحانه جل سلطانه قادر أن تسلم أمريكا ويسمع من هنالك زئير أسد إسلامي، “وعد الآخرة” مقترن بوعد ظهور دين الله على الدين كله ولو كره الكافرون. والحمد لله رب العالمين.” (15)

4- حياة بعد موات وشباب نشأ في طاعة الله:

“آتى أمر فلا تستعجلوه”، بعد قرون الرقاد ساق الله الكريم المنان ورتب الأسباب لتمسح الأمة عن عيونها غشاوة الوهن الذي أصابها لما تنافس المسلمون الدنيا كما تنافسها من كان قبلهم فدارت عليهم رحا سنة الله كما دارت على من قبلهم، بعدها يسر الله تعالى للأمة من خلال جهاد فلسطين – ولا يزال – وجهاد أفغانستان وجهاد جنوب لبنان وبسالة شباب إيران لما واجهوا دبابات الشاه بصدور عارية مفعمة بالإيمان وحب الشهادة في سبيل الله.

وكم كان الجهاد الأفغاني حافلا بالدروس والعبر التي أفاقت المسلمين من سبات القرون خاصة في الجمهوريات السوفياتية سابقا، ليقفوا على حقيقة قوتهم، قوة الإيمان التي بها لن يقهروا، وبتركها ذلـوا وذلت الأمة جميعا.

هيأ الله تعالى فرصة الجهاد الأفغاني مثلما هيأ ويهييء فرصا لتحيى الأمة، وهيأ سبحانه رجـالا ساروا في الأمة والشباب خاصة برحمة ورفق الدعوة، وسرعان ما انتشر نور الحق والإيمان وراح المسلمون يتوافدون على محاضن التربية والإيمان.. إنها سنة الله الجارية بين يدي الخلافة المنهاجية الموعودة.

للإسلام اليوم قواعد وقواعد مباركة من الوافدين الطالبين المتعطشين لنور الهداية، وهي آخذة في التكاثر الذي يؤرق أعداء الإسلام. قواعد مباركة في أوروبا كما في أمريكا وفي كل مكان؛ ويشاء ربك الوهاب أن يزداد الإقبال على دينه اعتناقا وتوبة وتحزبا كلما اشتدت الحرب على الإسلام، “ويمكرون ويمكر الله”.

أفواج وأفواج تسوقهم العناية الإلهية إلى الهداية واعتناق الإسلام، لكنها لم تستكمل بعد مقتضيات الإيمان، ولم تـتـطهر كليا من رواسب الجاهلية أو الغفلة التي تهدد بانتكاسة – لا قدر الله – ولم تتأهل للبناء وأعبائه، ولم تتلق الحظ الوافر من التربية وتـزكية النفس، “فالتحدي الآفاقي الذي يواجهنا على المدى الطويل لا يقوم له إلا تغيير أنفسي يزيل ما تراكم على فطرتنا من ركام، ويـجدد ما بلي في قلوبنا من إيمان، ويقوم ما اعوج من توجهات، ويحيي ما فني من مروآت، ويستصلح ما في أيدينا من كفاءات، ويصطنع ما نحتاجه منها، ويجمع القوة، ويقيم العدل، وينصف المظلوم..” (16)

للبناء أعباء وتبعات لا سبيل لتحملها إلا بتحرير الإرادات والعقول، لتنفض الأمة عليها غبار القعود والخمول بعد أن قتل العض والجبر فيها عادة التفكير المستقل وأباد فيها روح المبادرة والابتكار لما أقفل باب الاجتهاد .

مطلبان لا استخلاف إلا بهما، ولا تمكين تعرضا “لوعد الآخرة” على يد عباد الله أولي الـبأس الشديد: “فالعبودية معنى قلبي روحاني، والبأس الشديد له وسائله الأسبابية الأرضية الكونية..” (17)

عاملان متلازمان يشترطهما النصر والتمكين: عامل قلبي إيماني، وعامل عملي ميداني، بهما تتأهل هذه الأفواج لتنخرط فعلا وعملا في مسيرة البناء الحق للخلافة المنهاجية الموعودة، والله جل سلطانه الحافظ المسدد الهادي لأقوم سبيل.

5- تمكين لإقامة الصلاة والأمر بالمعروف:

ها هي ذي يــد العناية الإلهية تسوق أفواجا وأفواجا وأفواجا من كل جنس ولغة ولون إلى دين الله تعالى، وها هو الإسلام يسير – رغم كيد الكائدين وحملات التنصير – ليعم كل مدر وبور كما في الحديث، لكن هذه الأفواج لن تعدو أن تكون كما غثائيا ينضاف إلى الكم الغثائي الراقد القاعد من المسلمين إذا لم تحظ هذه الأفواج بعناية الدعوة واهتمام الدعاة ومحاضن الإيمان ومدارس الصحوة الإسلامية المباركة.

التحدي اليوم وغدا بين يدي “وعد الآخرة” هو في إعداد هذه الأفواج لتكون في مستوى عال من التربية الإيمانية يخلصها من رواسب الفتنة وعوامل الفرقة والطائفية البغيضة القاتلة. هذا أساسا، ثم لتكون في مستوى ما تتطلبه المرحلة ومن تأهيل عملي يكسب الكفاءة والخبرة، وينمي القدرة الإنتاجية تؤهل لتنافسية عالمية ذات طبيعة مفترسة وضارية.

الرهان -بـعد توفيق المولى الكريم- على العاملين للإسلام ورجالات الدعوة، فعلى قدر رسوخ الأقدام في الإيمان وتنور البصائر بنور القرآن، وتشبع القلوب بهدي خير الأنام يستوي البناء القلبي لأجيال الصحوة، ويكون السير حثيثا نحو القومة الإسلامية تأسيا وتأسيسا على الهدي النبوي “إن مهمتنا – رجال الدعوة – الأولى أيها الأحباب، اليوم وغدا وبعد غد، أن نكون روحا سارية في المجتمع موصولة بأجيال بعدنا إلى يوم القيامة تتحـسن نوعية إيمانها وترتفع همتها الإحسانية جيلا بعد جيل، وتنشر، وتعم..” (18)

لقد أوتيت الأمة لما غاب فيها الرجال ذوو الحظ الوافر من التربية النبوية، وسهل انتشار الفتن فيها لما انقرض الصحابة فعمها البغي وساد المنكر الذي ذهب بهيبتها فتداعت عليها الأمم المتربصة.

من هنا وجب الإلحاح والتأكيد دون ملل على محورية الدعوة وفعالية رجالها بل ونورانيتهم التي يجب استمرار سـريانها في الأمة. التربية ابتداء، والتربية وسطا، والتربية ختاما، فهي صمام الأمان وحزام سلامة الأمة في سفرها ومسيرتها نحو العزة والتمكين: “فإذا كان بيــت دين المسلمين واحدا واحدا قائما على غير الأساس المتين من نية التزكي وإخلاص الاتباع، فدولتك – الإسلام – إنما هي قرية نمل.”(19)، لذلك “فمهمة الدعاة والشباب الصاحي أن يحفظوا ما بقي من فطرة متوارثة، وأن يجـددوا في مسلسل توريث الإيمان ما بلي، وأن يلقحوا بالبذور الإيمانية ما عـقــم. مهمتهم الدعوة لصلاح النشء وإعادته إلى الفطرة والاستقامة لله. والدولة إصلاحها لن يكون إلا انتفاضة عابرة إن تفرغ جند الله بعد أخذ مقاليد الأمر لتدبير الأشياء بدل هداية الخلق..” (20)

خلاصة القول: إنه على قدر عمق التربية الإيمانية التي تبثها الدعوة في الأمة، وعلى قدر عمق تنزيل السيرة النبوية في واقع الأمة تربية وتدافعا، وعلى قدر فعالية التعبئة وتجددها يبارك الحنان المنان في الجهود ويسدد الخطوات ويقيل العثرات، “ويومئذ يفرح المومنون بنصر الله”.

6- ديـــن يبلغ كل مــدر ووبـــر:

لله درك سيدي، كيف تستنبط من أحاديث علامات الساعة الكبرى التي تعني عند الخاص قبل العام من المسلمين نهاية العالم، تـتـزلزل منها القلوب، وتذهل النفوس، وترتجف الآيادي فلا تقوى على فعل، كيف تستنبط منها برنامجا عمليا مستقبليا، وهل بعد العلامات الكبرى للساعة عمل؟

أجل، برنامج عمل مستقبلي متكامل أساسه تجديد الإيمان وإعداد العدة المطلوبة شرعا لتعز الأمة عزتها كاملة تكون لها بها صولة في كل ميدان لتخاطب البشرية المتعطشة للحق والهداية بلغات تعرفها، لغة الاقتصاد ولغة السياسة ولغة القيم ولغة حقوق الإنسان “نخاطب الإنسان والعالم بكل لغة يفهمها لندخل إلى فطرته المطموسة المخمورة المخدرة توصل إليها رسالة الإسلام، وخبر الآخرة، وخبر الجزاء، وخبر الخلود، في الجنة أو النار، وخبر النبوءة..” (21)

ظهور وتمكين لدين الله وعباده مطلوب لا لسيادة العالم والانتقام من الاستكبار والمستكبرين، وإنما طمعا في هداية من شاء من البشرية بعد أن تنقشع غشاوة الغواية اليهودية، ولكي تسمع الإنسانية خطابنا يجب أن نقدم لها نموذجا ناجحا في الاستقامة والقيم كما في الاقتصاد ونظام الحكم “لا شيء أفصح خطابا للإنسانية جمعاء من نجاحنا حيث يخفق الناس.” (22) “وتـكون نموذجيتنا إشهارا للإسلام ورحـمة صارخـة”. (23)

رحمة صارخة وإشهار للإسلام في العالم ليصل كل مدر ووبر بين يدي نزول المسيح عيسى عليه وعلى رسل الله أفضل الصلاة وأزكى التسليم لتصل البشرية والكون نقطة النهاية في المسيرة التاريخية، تقوم بعده الساعة على شرار الخلق الرافضين للحق المعرضين عن الاستجابة لدعوة الله ودينه.

هـذا هو مسار تاريخ الإنسان والكون المسخر لـه ليبتليـه ربه وخالقه في حظه من صالح الأعمال وسيئها، تاريخ له بداية أزلية ونهاية معلومة حدد ملامحها الوحي، وحذر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته وحضها على التزود لها بالتقوى والقلب السليم استعدادا للوقوف بين يدي الملك الديان.

هكذا تـدرج الكتاب موافقا سنة الله في الكون والبشرية منذ عهد النبوة إلى الخلافة الراشدة إلى الملك العاض والجبري وصولا إلى الخلافة الثانية على منهاج النبوة تعم الأرض بين يدي الساعة.

نسأل الله الحفظ والسداد والتوفيق لخير الأقوال وصالح الأعمال. آمين والحمد لله رب العالمين.

الهوامش:

المرجع: “سنة الله” للأستاذ المرشد: عبد السلام ياسين.

(1) ص. 230.

(2) ص. 186.

(3) ص. 8.

(4) ص. 243.

(5) ص. 37.

(6) ص. 40.

(7) ص. 43.

(8) ص. 45.

(9) ص. 46.

(10) ص. 52.

(11) ص. 21.

(12) ص. 238.

(13) ص. 175.

(14) ص. 216.

(15) ص. 124.

(16) ص. 242.

(17) ص. 174.

(18) ص. 265.

(20) ص. 274.

(21) ص. 238.

(22) ص. 317.

(23) ص. 318.

(19) “محنة العقل المسلم” للأستاذ المرشد عبد السلام ياسين / ص: 44.