بسم الله الرحمن الرحيم. (رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين). اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا ومن عذاب الآخرة.

موتى هم أكثر من في الأرض، على رَشْحَةٍ من حياة هو المسلم الغارق في لُجَّةِ الدنيا، على رجاء في الحياة الآخرة هو المومن الذي تاب وعمل صالحا. الأحياء عند ربهم هم الشهداء قتلوا في سبيل الله. وللأولياء حياة مثلها معجَّلةٌ قبل مفارقة الروح الجسد. لهم ميلاد قلبيٌّ ووجود جديد. على هذا شُدَّ يَدَكَ. واعلم أن الشيخ الكامل أبٌ لروحك إن عثرت عليه وأحبَبْته وصحبته وكان لك عنده من الله وديعةٌ سبقت إليك بها الحسنى من المنعم المتفضل الوهاب سبحانه. كل ما سمعته من أن الشيخ كإمام الصلاة أو بمثابة طبيب مرشد يمكن أن يطابق حال طالب الاستقامة، يتمسح بشيخ على مَسْحَةٍ من صلاح، يتمسح قبرٌ بقبرٍ، يسيرُ ميِّتٌ في جنازة ميت.

على هذا شُدَّ يَدَكَ، ودعهم يرمونك عن قوس واحدة ويَسْلِقُونَكَ بألسنة حدادٍ : ما هذا الهراء ! اقرأ لنفسك قول الله تعالى: (أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثَلُه في الظلمات ليس بخارج منها) (سورة الأنعام، الآية: 122) واقرأ عليهم قوله عز من قائل: (إنك لا تُسمع الموتى ولا تُسمع الصمَّ الدعاءَ إذا ولَّوْا مدبرين)(سورة النمل، الآية: 80) (قل الله، ثم ذرهم في خوضهم يلعبون) (سورة الأنعام، الآية: 92).

ويا حسرتا على من يستخفّ بكلام الرجال، يفنون عمرهم في تحقيق الطريق ليُدْلوا لك بشهادتهم ويقدموا لك النصح الخالص على طبق! يا حسرتا على من لم يسمع! ويا حسرتا على من لم يذق! ويا حسرتا على من لم يشمَّ حتى الرائحة لأنه استغشى ثيابه لمّا جاءته كلمة النصح، وجدها مرة. أزُفُّ لغير هذا الميت، فما لجُرْحٍ بميِّت إيلامٌ، كلمةَ أسَفٍ من ابن القيم ناصحك ووامقك. قال: “فوا أسفاه! وا حسرتاه! كيف ينقضي الزمان، وينفد العمر والقلب محجوب، ما شمَّ لهذا رائحة. وخرج من الدنيا كما دخل إليها وما ذاق أطيب ما فيها، بل عاش فيها عيشة البهائم، وانتقل منها انتقال المفاليس. فكانت حياته عجزاً، وموته كمداً، ومعاده حسرةً. وا أسفا! اللهم فلك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، وبك المستغاث، وعليك التُكْلان، ولا حول ولا قوة إلاّ بك”.

ذبح القوم نفوسَهم، ووطئوا بالأقدام شهواتهم وأنانيَّتَهم، وصلّوْا على الدنيا صلاة الجنازة، وجاءوا حبواً على الركب ليلْقَوا رجلا يعطف، ويؤوي، ويتعهد الزرع، ويسقي الريحان القلبي إذا تفتح، ويمشط العروس ويطيب ويبخر، ويستقبل المولود ويرضع ويفطم ويغذو.

هل بوسعك أن تذبح نفسك وهواك وأنانيتك هذه الذبحة لتجد رَوْحَ الشهادة في سبيل الله إن فاتتك الشهادة في صف القتال؟ “تميتها فلا يبقى لها عندك من القدر شيءٌ، فلا تغضَب لها، ولا ترضى عنها، ولا تنتصر لها، ولا تنتقم لها. قد سَبَّلْتَ عِرْضَها ليوم فاقتها وفقرها، فهي أهون عليك من أن تنتصر لها”. وإنما تنتصر لله، وتغضب لله ثم يقول صاحب هذا الكلام، ابن القيم رحمه الله: “وهذا وإن كان ذبحا لها وإماتة عن طباعها وأخلاقها، فهو عين حياتها وصحتها، ولا حياة لها بدون هذا البتَّةَ. وهذه العقبة هي آخر عقبة يُشرف منها على منازل المقرَّبين، وينحدر منها إلى وادي البقاء ويشرب من عين الحياة، ويخلِّصُ رُوحه من سجون المحن والبلاء، وأسر الشهوات، وتتعلق بمعبودها وربِّها ومولاها الحقِّ. فيا قرة عينها به ! ويا نَعيمَها وسرورها بقربه ! ويا بهجتَها بالخلاص من عدوها!(…) وهذا الزهد (في النفس) هو أول مهر الحب، فيا مُفلسُ تَاجِرْ!”.

هذا هو المَهْرُ، تتقدم به إلى والدك الرّوحي ليتاجِرَ لك في قضيتك، ويخطب لك، ويَجْلُوَ لك العروس، ويشرِف على الميلاد السعيد.

لا تظنَّ أخي أنّ القوم يُنَمِّقون العبارات، ويتجاوزون حدود الاستعارة والمجاز ليحلِّقوا في سماء الخيال معبِّرين عن مواجيد غامضةٍ. أولئك أصحاب الشّطحْ حين تجمح بهم الحقائق. أما مسألة الميلاد القلبي والوجود الجديد والفناءِ بعدَه البقاءُ ورضاع الوليد وفطامه وتربيته فهي مراحل للنشأة الآخرة التي ينشئها الله عباده بعد مفارقة الروح الجسد، يعجلها سبحانه لأوليائه تعجيل تشريف وتكريم ليكونوا على بصيرة يستبشر بعضهم بما آتاهم الله من فضله في خاصة نفسه، ويتصدّى فحول الكُمَّل للإشراف على تربية جنين من جاء بالمَهر وأخلص لوجه الله الطلب والإرادة والهمة.

قال: الإمام أبو النجيب السهروردي في كتاب “عوارف المعارف”، وهو من أئمة القوم رضي الله عنهم، غير السهروردي المقتول الفيلسوف الزنديق. قال: “وبما هيأ الله تعالى من حسن التأليف بين الصاحب والمصحوب، يصير المريد جُزْءَ الشيخ كما أن الولد جُزْءَ الوالد في الولادة الطبيعية. وتصير هذه الولادة آنفا ولادة معنوية”.

بهذا الميلاد المعنوي يُدخِل المريدَ عالم الملكوت مع رفاقه وَلِدَاتِه وإخوتِه في الشيخ، إخوته في الله. قال: “والمشايخ منهم من يكثر أولاده ويأخذون عنه العلوم والأحوال ويُودِعُونَها غَيْرَهم كما وصلت إليهم من النبي صلى الله عليه وسلم بواسطة الصحبة. ومنهم من تقل أولاده. ومنهم من ينقطع نسله”.

قال قدس الله سره: “الولادة الظاهرة يَطرُق إليها الفناء، والولادة المعنوية مَحْميَّة من الفناء(…). فتبين أن الشيخ هو الأب معنى”. وكان الشيخ أبو النجيب يقول: “ولدي من سلك طريقي واهتدى بهديي”.

ويفصل الإمام بعد هذا مراتب الشيوخ: أولها: “السالك المجرَّدُ الذي لا يؤهل للمشيخة ولا يبلغها لبقاء صفات نفسه عليه. فيقف عند حظه من رحمة الله تعالى في مقام المعاملة”. هذا رجل صالح لم يذبح نفسه ولم تُجْلَ عروسه، ولم يولد جنينُه. المرتبة الثانية مرتبة المجذوب الذي تَخْطَفُه يد القدرة عن وجوده. وقد يسيح في الأرض ويقول الناس: مجنون! هذا، “يُبادئه الحق بآيات اليقين، ويرفع عن قلبه شيئا من الحجاب، ولا يؤاخذ في طريق المعاملة”. هذا مُوَلَّه في ربِّه لا حاجة له بشيخ، وهو من”صبيان الحضرة”، من الأطفال الأبديين. المرتبة الثالثة مرتبة “السالك الذي تُدُورِكَ بالجَذْبة”. ثم المرتبة الرابعة مرتبة “المجذوب المتدارك بالسلوك”، “يرتوي من بحر الحال ويتخلَّص من الأغلال والأعلال”.

وأعلى المراتب مرتبة المراد المحبوب المقرَّب “الذي أهل للمشيخة، سلم قلبُه، وانشرح صدره، ولان جلدُه فصار قلبه بطبع الروح، ونفسه بطبع القلب. ولانت النفس بعد أن كانت أمارة بالسوء مستعصية. ولان الجلد للين النفس”. ويقبله الحق عز وجل حتى يتحرر “ويصير حرّا من كل وجه”.

قال رحمه الله: “واعلم أن مع الشيوخ أوان ارتضاع وأوان فطامٍ، وقد سبق شرح الولادة المعنوية. فأوان الارتضاع أوان لزوم الصحبة. والشيخ يعلم وقت ذلك (…). فلا يأذن الشيخ للمريد في المفارقة إلا بعد علمه بأن آن له أوان الفطام(…) ومتى فارق قبل أوان الفطام يناله من الأعلال في الطريق بالرجوع إلى الدنيا ومتابعة الهوى ما ينال المفطوم لغير أوانه في الولادة الطبيعية”.

قال: “الطالب الصادق إذا دخل في صحبة الشيخ، وسلَّم نفسه، وصار كالولد الصغير مع الوالد، يربيه الشيخ بالعلم المستمَدِّ من الله تعالى بصدق الافتقار”. وعندئذ يصبح له وجود جديد. قال رحمه الله: “وهذا الوجود موهوب مُنَشَّأٌ إنشاءً ثانيا للمتمكن في مقام الصحو. وهو غير الوجود الذي يتلاشى عند لمعان نور المشاهدة، لمن جاز على ممر الفناء إلى مَقَارِّ البقاء”.

عن هذا الوجود يقول ابن القيم المتحسِّر عليك يا من تُسَمَّعُ ولا تَسمع: “فإن اللفظ لملوم، والعبارة فتانة(…). يذهب العبد عن إدراكه بحالِه لما قهره من هذه الأمور. فيبقى بوجود آخر غيرِ وجودِه الطبيعيِّ. ولا أظنك تصدق بهذا. وأنه يصير له وجود آخر! وتقول هذا خيال ووهم! فلا تعجل إنكار مالم تحط بعلمه، فضلا عن ذوقِ حاله، وأعط القوس بارِيَها، وخل المطايا وحاديَها”.

ويسأل المنكر: ما الدليل؟ فيجيب العالم العامل الجهبذ ولي الله تعالى: “إن طالب الدليل إنما يطلبه ليصل به إلى معرفة المدلول. فإذا كان مشاهداً للمدلول، فما له ولطلب الدليل.

وليس يصح في الأذهان شيء *** إذا احتاج النّهار إلى الدليل

فكيف يحتاج إلى إقامة الدليل على من النهار بعض آياته الدّالة عليه؟”.

القوم لا يقرّرون للعقل أدلّة المنطق لأنهم لا يضعون أنفسهم معك في موضع الجدال. إنما ينبسطون إليك مشافهة وكتابة ليخبروك بواقع، ويشهدوا لديك، ويبشِّروك، ويستنهضوك ومن آلاف آلاف الشاكِّين والمشككين واللاهين الغافلين الغرقى واحد يجد الوديعة، ويُسْهِر لياليَه الخَبَرُ، ويؤرقه وقع الشهادة، ويقبل البشرى، وينهض يبحث عن أبوّة روحيّة.

هل عند المعترضين تحت لافتات السلفية المقلدين ما يفسرون به تصريح عظماء الرجال في شأن الولادة والأبوة الروحية؟ هذا نص آخر نقدمه إليهم عسى الله أن يعفو عنا وعنهم. قال ابن القيم رحمه الله: “سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يذكر ذلك (أي مرتبة الوجود الثاني التي هي أعلى مراتب الإحسان) ويفسره بأن الولادة نوعان: إحداهما هذه المعروفةُ، والثانية ولادة القلب والروح وخروجهما من مَشِيمَةِ النفس وظلمة الطبع. قال ابن تيمية: وهذه الولادة لما كانت بسبب الرسول كان كالأب للمومنين(…) قال: فالشيخ والمعلم والمؤدب أب الروح. والوالد أب الجسم”.

قلت: وهذا توسيع وتعويم للمعنى الدقيق الرقيق الذي يعرفه القوم، ويطل عليه العلماء العاملون أولياء الله على “قدرهم المشترك”.

الشيخ الكامل الوالد المربي مراد أهل الله، وغايةُ مناهم. قال السهروردي رحمه الله: “الشيخ المطلَق، والعارف المحقِّق، والمحبوب المعتَّق نظره دواءٌ، وكلامه شفاء. بالله ينطق. وبالله يسكت. كما وَرد: لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه(…) الحديث. فالشيخ يعطي بالله، ويمنع بالله”.

على مثل هذا شُدَّ يدك إن ظفرت به، وازهد في الدنيا ومن فيها. قال المشفق المحب ابن القيم: “لا ريب أن عيش المشتاق مُنغَّصٌ حتى يلقى محبوبَه. فهناك تَقرّ عينه، ويزول عن عيشه تنغيصه. وكذلك يزهد في الخلق غايةَ الزهد لأن صاحبه طالب للأنس بالله والقرب منه. فهو أزهد شيء في الخَلْق إلا من أعانه على المطلوب منهم، وأوصله إليه. فهو أحب خلق الله إليه. ولا يأنسُ من الخلق بغيره، ولا يسكن إلى سواه. فعليك بطلب هذا الرفيق جُهْدَك. فإن لم تظفر به فاتخذ الله صاحبا ودع الناس كلهم جانبا”.

أقول: إن لم تظفر به فالجأ إلى باب المولى الهادي ليهديك إليه، ويدلّك على الدالِّ عليه. لا تكن قبوريا تتردّد على أضرحة الأولين، تتمسح بالأشباح الخاوية أشباح المتطفلين المتقولين. في أهل عصرك طلبتك، فيا ربِّ من الدليل عليك؟

قال الطالب الخبير بما يطلب:

مـا الناس إلا الصــالحون حقيقة *** وســواهـم متـطفــل في النـاس

كـم بين أمـواتٍ زمـانَ حيـاتهم *** معنـىً وأحيــاءٍ مـع الأنفـــاس

فـإذا ظفـرت بصالح فـاشدد بـه *** كَفَّيْـكَ تشـدد بالطبيــب الآســي

وقال محب فارقه الوالد بعد الفطام:

لـو كنت أملك طرفي ما نظرت به *** من بعد فـرقتـكم يـومـا إلى أحـد

ولسـت أعتـده من بعـدكم نظـرا *** لأنـه نظـر من نـاظِـرَيْ رَمِــدِ

وقلت اعترافا وشكرا لله والناس:

كـم بَين مَيتٍ لِلزَّمــــان يُقاسي *** ومُحبَّبٍ حـي مشـى في النَّـــاس

جعلَ الإلهُ لِنـــوره في قلبـــهِ *** مثلاً من المشكـاةِ والنِّبــــراسِ

يا ربِّ عَجِّـل لي اللِّقـــاءَ بمثله *** واخْـترْ لِعِلَّــتيَ الطَّبيـبَ الآسِـي