سؤال: لوحظ أن الأمريكيين يجرون اتصالات مع قياديين في جماعة العدل والإحسان، من خلال قنوات متعددة، وهو ما أكده المعنيون في الجماعة، فسر البعض أن هذه الاتصالات تصب في اتجاه إيجاد صيغة معينة لإدماج الجماعة في المشهد السياسي المغربي، ما قولك؟

جواب: بسم الله الرحمان الرحيم، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، بداية إذا كانت هناك تصريحات لقياديين في الجماعة بشأن الاتصالات المذكورة فهم أدرى بها، ولا يمكنني أن أتحدث عن ذلك، وبالمقابل يمكنني أن أتحدث عما يخصني، فالإطار الذي استدعيت فيه كان من طرف جامعة بيركلي كمفكرة وكاتبة أو بالأحرى كمثقفة، لم توجه لي الدعوة من طرف البيت الأبيض أو البانتاغون أو الكابيطول، أو أية مؤسسة أخرى رسمية، والجامعة التي دعتني فإن كانت تعرف بشيء فبمعارضتها للسياسة الرسمية الأمريكية، وبالأخص منها سياسة الرئيس جورج بوش.

سؤال: غير أن الدعوة التي وجهت لك جاءت في إطار مناخ عالمي لكل ما هو إسلامي، باعتبار أن ما هو إيديولوجي إسلامي يقرن بالإرهاب، ألا تعتقدين أن الأمر ليس بهذه البساطة التي تؤكدينها؟

جواب: لست أدري، وأنا معك إذا قلت بأن هناك اتجاها واضحا في أمريكا جعلها تنتقل من دولة القانون إلى دولة الإكراه بقراراتها الملزمة حتى على ما كان يعتبر من قبل فضاءات حرة إن صح التعبير، قد يكون الاحتمال الذي ذكرته واردا، وعلى كل حال فهذا يدل على أن جماعة العدل والإحسان ليست بإرهابية باعتراف الأمريكيين.

سؤال: في نفس الإطار هل هناك اتصالات من طرف النظام السياسي المغربي مع الجماعة لإشراكها في المشهد السياسي تحت يافطة الشرعية؟

جواب: لا أظن أن هناك اتصالات مباشرة، فما دام المخزن ليس إلا خادما مطيعا للأنظمة العالمية، فإن اتصالات إلى المدى الذي ذهبت إليه في سؤالك غير واردة، ولا شك أن حلم المخزن هو استدماج الجماعة، غير أنه حلم ما زال من رابع المستحيلات.

سؤال: ثمة مؤاخذات على الشأن الداخلي للجماعة، ومنها عدم فسح المجال أمام مكوناتها الشابة لأخذ زمام المبادرة في القرارات، ومنها رغبتهم في مشاركة الجماعة في المشهد السياسي في إطار المشروعية، فهل يتعلق الأمر بتهميش للطبقة الشابة في جماعة العدل والإحسان؟

جواب: لست أدري إن كانت هناك هذه الطبقة الشابة كما سميتها، وأتساءل ما الذي يمنعها أن تخرج بمبادراتها وتلتحق بحزب العدالة والتنمية الذي يفتح لها مجال المشاركة في اللعبة السياسية التي يعتبرها جنة سياسية، في حين نراها نحن في الجماعة جحيما، لأن المشاركة مع المخزن معناها الدخول في حلقة للتوظيف لسنا نرى فيها أنفسنا، وأعتقد أن المكونات الشابة للجماعة، لها وعي كامل، وحين ينخرط المرء فيها يعرف المبادئ الواضحة التي تقوم عليها، وهي ليست ملزمة لغير المعنيين بها، غير أنها ملزمة للمنخرط، ولا أعتقد أن هذا الإشكال مطروح داخل الجماعة كما ذكرته.

سؤال: وصفت المشاركة في اللعبة السياسية مع المخزن بأنها جحيم، في حين أن المجال السياسي ليس بهذه الثنائية المطلقة: سالب وموجب، ألا ترين أن السياسة تتوفر على جوانب المناورة لجعلها فنا للممكن انطلاقا مما هو كائن، ففيما هذا النزوع للاحتفاظ بعذرية الجماعة سياسيا؟

جواب: أعتقد أننا تحدثنا غير ما مرة عن هذا الجانب، ولا بأس إذا كان في التكرار فائدة..

سؤال: (نقاطعها) ما الجديد بصدد هذا العزوف عن دخول معترك السياسة انطلاقا مما هو قائم؟

جواب: ليس هناك جديد، لأنه فعلا ليس هناك جديد في المغرب، فالمخزن يتلون كل مرة بلون، فهو حرباء سياسية معروفة، غير أن الحرباء تظل كما هي، لا تتحول مثلا إلى ديناصور مع أن هذا التشبيه لا يفي بالغرض.

سؤال: إن التحول يسري على الجميع، فلا أحد يظل على حاله دائما، ماذا تحول في جماعة العدل والإحسان؟

جواب: لو سمحت أتمم جوابي على السؤال السابق، إننا نتكلم عن المخزن دائما وكأنه يفتح فرصا حقيقية وعندنا لعبة ديمقراطية حقيقية، برلمان فيه الأخذ والرد، وفيه الإيجابي والسلبي إلخ، ليس هناك أي شيء من هذا، والكل يعلم الآن التوظيف الذي يتم للأحزاب والمؤسسات لصالح النقطة الأساسية ألا وهي مركز المخزن، الذي يصرف كل شيء ليعود إلى نقطته الأساسية التي يريدها، إننا نعرف كل هذه الأمور، وأظن أنه لا يخفى هذا على أي مغربي واع، وفعلا فإن دخولنا لهذه اللعبة سيجعلنا ندنس أنفسنا تدنيسا لا تحمد عقباه ونندم عليه، ونخسر مسألة أساسية نبحث عنها هي ثقة المغاربة، أما فيما يخص الجديد في الجماعة، كما جاء في سؤالك، فقد وقعت فيها تحولات كبيرة جدا وخاصة في الميدان الذي نركز عليه وهو التربية. إن لدينا نسق تربوي، لا توليه الصحافة للأسف ما يستحق من الاهتمام، وهو مجال نسير فيه على أحسن ما يرام، والحمد لله فإن هذا الأمر يتسع، ونهيء شبابنا لمستقبل نراه قريبا ويراه البعض مستحيلا، وهو فك الحصار على هذا الشعب الكريم.

سؤال: أنتم في الجماعة تقولون بقبول اللعبة الديمقراطية وفي نفس الوقت تضعون أنفسكم خارج العملية الانتخابية؟

جواب: لأن المغرب ليس بلدا ديمقراطيا، نحن نرفض هذه اللعبة كما يريدها المخزن، ونقبل إذا كانت الديمقراطية وسيلة طيبة تلتقي مع تصورنا للشورى، ومع معاني الديمقراطية الكاملة، وضمنها الانتخابات الحرة، وهذا غير حاصل، ومن ثم فلا يمكن القبول بلعبة ملفقة، من ضمنها انتخابات، الكل يعلم ماذا وراءها، فهي إما مزورة أو مشروطة، كما حدث في التجربة الأخيرة مع حزب العدالة والتنمية، إذن نحن لسنا ضد مبدإ الانتخابات بل ضد المصير الذي تعرفه الانتخابات في المغرب.

سؤال: كيف تقيمين مشاركة حزب العدالة والتنمية في اللعبة السياسية، عقب مرور عدة سنوات عليها؟

جواب: إن صراحتي “زايدة شوية علقياس” وهو ما يسبب لي عداوات كثيرة، وأنا لا أريد القدح في هؤلاء الناس، وأنا لا أنفي أنهم يتوفرون على رصيد من الصدق وفي نيتهم أنهم بدخولهم اللعبة سيمكنهم تغيير النظام، غير أن المخزن هو الذي غير جوهر مشاركتهم، ووظفهم شر توظيف، وربما بشكل أسوأ مما تم به توظيف الأحزاب الأخرى، لأنهم دخلوا اللعبة ومنحوا للمخزن فرصة ليبرهن أنه ديمقراطي، من خلال قدرته على استيعاب حتى الإسلاميين، وهو ما يعتبر ربحا للمخزن حسب المنظور العالمي للمشاركة السياسية، ولنضف كذلك أن من القضايا التي أصبحوا يدافعون عنها، أنهم أخذوا مكان العلوي المدغري، أي مكان الإسلام الرسمي ليصبح متسلفا، وليكون للمخزن والحمد لله الصوفية والسلفية، وهذه فرص يستفيد منها…

سؤال: (نقاطعها) ولا ينقصه ضمن هذا الكوكتيل إلا جماعة العدل والإحسان؟

جواب: أعفانا الله من ذلك..

سؤال: مع أن المخزن يخطب ودكم؟

جواب: نحن لن نعطيه الفرصة كما أعطاه إياها الآخرون.

سؤال: هل الأمر بكل هذه الاستحالة؟ ما هي شروط الجماعة للمشاركة في اللعبة السياسية؟

جواب: شروطنا كثيرة غير أنها واضحة، ومن أهمها الدستور الذي يعتبر بمثابة قفل، حيث يلزمنا مراجعة حقيقية للدستور، وضمانات بعدم العودة لدستور ممنوح يترك المجال واردا لكل الارتدادات والالتواءات…

سؤال:ما هي أهم مؤاخذات الجماعة على الدستور القائم؟

جواب: إنها كثيرة جدا ..

سؤال:لنتحدث عن أهمها على الأقل؟

جواب: لنبدأ بالفصل التاسع عشر الذي يركز السلطات في يد الملك، مع العلم أن الدستور برمته منظومة متظافرة، إلى حد أنه جدير بمزبلة التاريخ، ونتخذ دستورا جديدا مبنيا على خيارات ديمقراطية حقيقية.

سؤال: طيب، ما هو الشكل والمضمون الدستوريين اللذين تريدانهما للمغرب؟

جواب: نحن لا نريد أن نقرر مكان المغاربة، وإلا فإننا سنعود لتكرار النموذج المخزني الذي نرفضه، وإذا كان الأمر كذلك فلنبق على الصيغة الدستورية الموجودة، حينما تكلم أبي عن الميثاق الإسلامي، فلم يكن ذلك معناه الإقصاء كما قالت الصحافة، ومما نعيبه على هذه الأخيرة مرة أخرى، أنها لم تتعمق في فهم مضامين كتاب والدي في هذا الصدد، إن معنى الميثاق هو مشاركة جميع الأطراف، وذلك مهما كانت النزاعات بينها، والتي أججها المخزن لأنها في صالحه، إنها نزاعات مبنية إما على القبلية أو الاختلاف السياسي، مع أنه لا يصح الحديث عن اختلاف حقيقي حينما نعاين اليوم أن اليساريين أنفسهم يفضلون الموت على أن يتغير الفصل التاسع عشر من الدستور، ولن أقول أكثر من هذا، أما بخصوص النزاعات ذات الطابع القبلي، فنحن نقبل بالخصوصيات، فوالدي ذو أصل أمازيغي ويعتز بأمازيغيته..

سؤال: تساولت تمازيغت (هل تتحدثين الأمازيغية)؟

جواب: (تضحك) إميك .. إميك (قليلا .. قليلا)؟ غير أننا نرى أنه من غير المكن أن نظل سجناء مثل هذه النزعة القبلية في وقت نرى فيه العالم كله يحاول أن يتحد ويبحث عن فضاءات مشتركة في قضايا واسعة، لذا فإنه من غير المعقول أن نسجن أنفسنا في إطار ضيق كالقبلية، ولذلك قلنا بالميثاق الإسلامي، بمعنى أن تجتمع كل المكونات السياسية على أمر لتغيير المسار المغربي نحو ما هو إيجابي.

سؤال: ألا تلاحظين في حديثك تناقضا من خلال قولك باستحالة المشاركة في اللعبة السياسية، وفي نفس الوقت تتحدثين عن إمكانية الالتقاء مع مكونات سياسية منها من يشارك في اللعبة؟

جواب: فعلا إن الأحزاب داخلة في إطار لعبة للمخزن، لكننا نأخذ بعين الاعتبار بأنه داخل تلك الأحزاب توجد فعاليات ذات مروءة، وهذا أمر قلناه وكررناه، عكس ما تروجه نوع من الصحافة، غير أن تلك الفعاليات سجينة أنظمتها الحزبية، ونحن نريد أن نساعدها لتحقيق أشياء إيجابية، وإذا لم نحتفظ بهذا التفاؤل، فمعنى ذلك أنه لا يوجد شيء في المغرب. يجب أن نشتغل مع من هم إيجابيون في مجتمعنا، لأننا لسنا مع العنف ولسنا جماعة رافضين، ولا نريد أرضا محروقة، بل نقول بأنه تلزمنا فترة انتقالية، فلو كانت هناك فقط أفضل على كل حال من لا شيء، ونحن مستعدون للعمل انطلاقا من ذلك،غير أننا نرفض أن نعمل في إطار يُرسم لنا سلفا من طرف الحكم المركزي.

سؤال: مع من تلتقون أكثر ضمن مكونات المشهد السياسي، مع العلم أن المرجعيات تختلف بينكم وبين باقي مكونات هذا المشهد إلى حد التناقض؟

جواب: إننا في المغرب إزاء تحد كبير، فالمخزن دجن الجميع ووظفهم، ونحن نقول إنه للخروج من هذا المأزق يلزمنا أن نجد أرضية نلتقي حولها، إن مسألة المرجعية لا تطرح بهذه الحدة، فحتى الحزب الشيوعي المغربي لا يرفض الخصوصية الإسلامية، والجميع يقول بأنهم مسلمون.

سؤال: من تقصدين بالشيوعيين؟

جواب: أفكر مثلا في الحاج علي يعتة رحمه الله، وحتى من يقولون باللائكية واللادينية يقولون في نفس الوقت بأن مشروعية الحكم في المغرب قائمة على ما هو ديني ويعترفون بها، فما بالك بمشروعية تجمعنا كلنا حيث ثمة إطار إسلامي يكفل مجموعة من الحريات، وقد تحدثنا عنها في الميثاق الإسلامي وقلنا بأننا مستعدون لنصل إلى أمد تكون فيه البرامج واضحة، وأن يتعبأ الشعب للحياة الديمقراطية الحقيقية، ونبلغ يوما تكون هناك انتخابات حقيقية يقول من خلالها الشعب مثلا بأنه لا يريد المرجعية الإسلامية ولا حاجة له بجماعة العدل والإحسان، فليكن عندها ذلك، إننا نريد للمغرب دستورا يضمن عدم استيلائنا على الحكم، فهل هناك صدق سياسي أكثر من هذا؟ لا أظن.

سؤال: إمارة المؤمنين من القضايا الخلافية بين الجماعة والنظام. لكن ألا تعتقدين أن مناقشة إمارة المؤمنين يفتح الباب أمام العلمانية؟

جواب: نحن واعون جيدا بهذا التحدي، لكننا نرى بأنه اختيار لأقل الشرور، أما العلمانيون فهم يقولون اليوم اللهم إمارة المؤمنين أو يطلع لنا الإسلاميون وبالتالي أصبحوا ملكيين أكثر من الملك، وهذا شيء غريب في المغرب، والإسلاميون يقولون من جانبهم اللهم إمارة المؤمنين مع ما فيها أو يطلع لنا العلمانيون، إننا نقول بحاجتنا إلى سياسة قوية يكون فيها هذا التحدي مرفوعا. إننا نقول مرحبا للعلمانيين، ليبقوا ويقترحوا برامجهم ويكونون مستعدين للدخول في اللعبة السياسية، حتى يكون ممكنا للذي يقول باللادينية حقه في التعبير عن رأيه شريطة أن تكون هناك لعبة سياسية واضحة وخيار ديمقراطي حقيقي. نحن لا نرفض العلمانيين واللادينيين، بل نقول بحاجتنا إلى نظام سياسي قائم على ديمقراطية حقيقية.

سؤال: نقلت عنك بعض الصحف قولك في جامعة بيركلي بأن الأصلح للمغرب هو النظام الجمهوري بدون ملكية. في أي سياق كان ذلك، وما هي حيثيات هذا الرأي؟

جواب: إن هذا ما كُتب بعدما رجعت من أمريكا، ليأخذ الأمر شكل تصريح، والأمر ليس كذلك. لقد ألقيت مداخلة في جامعة بيركلي لم ترد فيها كلمة جمهورية، ونص المداخلة متوفر في موقع الجماعة على الأنترنيت. لا أقول هذا خوفا، لقد قلت فعلا بالجمهورية، لكن في سياق آخر، حينما التقيت مع أحد الباحثين في الجامعة المذكورة، وهي قناعة شخصية لا تلزمني إلا أنا، وأتكلم بصفتي مثقفة أحلل حيثية معينة، غير أنه حينما نقول بأن الملكية لا تناسبنا فإن هذا يفرض الإتيان ببديل، ما حدث هو أنني وضعت في موقع الاختيار بين الملكية أو الجمهورية..

سؤال: اخترت الجمهورية؟

جواب: بالطبع اخترت الجمهورية، وهذا رأي أكاديمي، ذلك أنه في الاختيار بين الأثوقراطية أو الجمهورية فإنني أختار هذه الأخيرة، وهذا ما قلته في إطار جامعي ولا يلزمني إلا أنا، فلست ناطقة رسمية باسم الجماعة، بل لدي قناعاتي أعبر عنها بصراحة، وأنا لم أقل بذلك في أمريكا وكأنني أحتمي بالخارج لأعبر عن رأيي، بل كان الأمر في السياق الأكاديمي الذي ذكرته، وما نشر في الموضوع ليس إلا نوعا من البريكولاج الخبري، هذا مع أني قلت نفس الرأي منذ سنوات في الصحافة الوطنية.

سؤال: ما الذي استجد في المغرب المطبوع بنظام ملكي متوارث منذ قرون لتقولي من وجهة نظر أكاديمية أن الأصلح للمغرب هو النظام الجمهوري بدون ملكية؟

جواب: حينما نتحدث في إطار أكاديمي فهذا معناه أننا محكومون بما هو نظري واستراتيجي، وهو ما لا يتفق مع الواقع السياسي، فحسب هذا الأخير فإن المغاربة ليسوا مستعدين للجمهورية، إننا نؤمن بأن السياسة لا يمكنها أن تتم إلا إذا كان الشعب مشاركا فيها، فنحن نحترم الاختيار الشعبي، وأعتقد أنه إذا أجرينا الآن انتخابات أو استفتاء بإشراف الأمم المتحدة، لأنه لا ضمانة بألا يتم تزويرها، لنطرح على الشعب هذا السؤال: هل تريدون الملكية أو الجمهورية؟ فأنا واثقة بأن الجواب الغالب سيكون مع الملكية، لأنه ليست لدينا ثقافة سياسية.

سؤال: لنظل في إطار ما هو أكاديمي، كيف تبررين القول بأصلحية النظام الجمهوري على الملكي في المغرب؟

جواب: لأن النظام الجمهوري أقرب لما نتصوره نحن…

سؤال: في الجماعة؟

جواب: (تضحك) أنت تورط الجماعة، إنه بالأحرى ما أظنه أنا صالحا، حيث هناك النظام الشوري المبني على ما هو جمهوري، والمشكل أنه حينما تحول الأمر في تاريخ الإسلام إلى الأمويين والعباسيين، أبعدوا الناس عن الثقافة السياسية الحقيقية، فنحن عشنا نوعا ن اللائكية الحقيقية في بعض مراحل العصر الإسلامي، غير أن المصائب السوداء هي التي هيمنت فيما بعد وما نزال فيها لحد الآن، حيث يقال مثلا لنا في المغرب ها هو فضاؤكم المحدد: مدونة الأسرة وما إلى ذلك، أما كل ما يتعلق بالحكم فهو ليس من شغلكم، فالملك هو الذي يتخذ القرارات، ليقع كل هذا الشرخ بين الشعب والشأن العام، لذلك فنحن في المغرب نعيش في كارثة حقيقية، وهو ما يدفعني إلى الرأي الأكاديمي الذي قلت فيه بأفضلية النظام الجمهوري، ولكن هذا لا يمنع من أن نهيئ الشعب المغربي لإيقاظ فهمه السياسي، وذلك بإعادة النظر في السياسة التربوية، فالمغاربة أفرغوا من محتواهم بشكل فظيع، فالسياسة التربوية المعتمدة منذ أمد طويل جعلتهم إما مع الانفعال أو الغضب، ولا وجود لثقافة سياسية بانية، يمكن أن نوقظهم ونبصرهم بعقيدتهم، وبأمورهم الدنيوية وعواقبها السياسية والاقتصادية … إن ديننا الإسلامي متصل مباشرة بما هو دنيوي، فحينما نقول لا إله إلا الله، فإن كلمة “لا” تسري على الظلم السياسي الذي يقع علينا كمغاربة، وهو مرتبط، سواء شئنا أم أبينا بطبيعة النظام السياسي القائم، وهو الملكية الموروثة، لذلك أرى من وجهة النظر الأكاديمية أن هذا النظام غير صالح لمجتمع يريد أن يبني أو يمنح شيئا ذا بال، يجب أن نهيء المغاربة ليعوا واقعهم السياسي ويعملوا على إصلاحه، وليس أن نقبل بهذا النظام حتى يوم القيامة، وبالتالي نتجنب تلك السبة التي يعيرنا بها الغربيون والقائلة بأن العرب والمسلمين غير مستعدين للديمقراطية وللجمهورية، فهل نحن من دون باقي عباد الله في هذه الدنيا لا يمكننا أن نتنفس قليلا من الحرية؟ “واش من الضروري نبقاو قابطين فهاذ الملكية حتى لغدا يوم القيامة؟

إننا ضد العنف سواء ضد المؤسسة الملكية أو الشعب المغربي، ويجدر أن نسير بهدوء نحو إصلاح حقيقي من خلال ثقافة تحرير من الفقه المنحبس، فهل سنموت إذا بقينا بدون ملك؟ لا أظن ذلك.

سؤال: كيف يصح أن نقول من داخل المرجعية الدينية بأن الأصلح لنا هو النظام الجمهوري، في حين أن المصطلح السياسي غير موجود في المرجعية الإسلامية التي تقول بالأحرى بنظام الخلافة أو الإمارة؟

جواب: نحن نؤمن أن هذا الموت السياسي والروحي والاجتماعي الذي يعيشه العالم الإسلامي يعود إلى هذا الانحباس الموجود على مستوى نظام الحكم والتفكير، فنظام الحكم جعل الفقه “كاري حنكو” ليستسيغ طبيعة الحكم الشمولي، لقد كانت طامة كبرى أن يكون هناك تواطؤ بين الحكم والفقه الذي جعل باب الاجتهاد مسدودا، حيث فُصّلت الفقهيات على المقاس الذي يريده الحكم. ونؤمن أن هناك ركودا حصل منذ أربعة عشر قرنا، لقد كان هناك مفكرون كابن رشد، وابن سينا ليس الطبيب بل ابن سينا لمفكر وعالم الدين، وعلماء آخرون اقترحوا أشياء إيجابية لكنهم همشوا أو تم تكفيرهم أو نُكّل بهم، لذلك نعيش زمنا فارغا لا وجود فيه لأية مرعية قوية نستند عليها، غير أنه شيء لا يمنعنا من الاستفادة من جميع المجالات الناجحة في التجارب البشرية، فليس هناك أي حرج من مثل هذه الاستفادة، إذا كانت قريبة من روح الفكرة القصدية التي نعتمدها، ويروى عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه جاءه من يخبره أن نصارى نجران لا يريدون أداء الضرائب لأنهم لا يتفقون على تسميتها بالجزية بل شيء آخر، فقال لهم ليسموها ما يريدون…

إن هناك اعتبارات كثيرة من هذا القبيل تجعل تفكير المسلمين محصورا، ويدور في حلقة مفرغة.

سؤال: المغرب كان دائما بلد الفقهاء الذين يخدمون السلطة، فما الذي استجد للقول بأن الأمر يجب أن يكون خلاف ذلك؟

جواب: (تضحك) نوجد نحن فلدينا عدة كتب واجتهادات كثيرة، ونقترح الخروج من هذا الرق الذي وضعنا فيه فقه الانحباس الخدوم للحكم، والذي لم يحمل لنا إلا الخراب، وألا نبقى دائما راكعين وخاضعين لسلطة الإكراه، لقد آن الأوان لتكون هناك قومة، خلافا لما كان يقع من قبل حيث أن الفقهاء إما أن يكونوا ثائرين أو خاضعين فهذا ما كان يقع منذ سيدنا الحسين إلى الآن، نحن نقترح قومة ليس فيها عنف، إننا لسنا بخاضعين ولا ثائرين، بل نقترح حلا وسطا مبنيا على عمل تربوي ونفس طويل، فليس غرضنا ببساطة تغيير الفكرة الموجودة أو نقول بفكرة جديدة. بل نريد أن نترجم فكرتنا إلى واقع حقيقي، وهذا لا يمكن أن ينبني إلا على تربية الفرد، فحينما نلتفت لنرى الإنسان المغربي نجد أنه حقل للإفساد والجمود من طرف المخزن، وهذا نتاج تاريخ طويل، ونجن لا نلفت إلى التاريخ لنحلم أو لنقف عنده دون تجاوزه، بل لاستحضار واقع قائم، وعلى عكس ما عليه الاعتقاد فإنه لفهم حاضر المسلمين في بقاع العالم يلزم فهم سيرورة التاريخ.

سؤال: فهم ما يقع في المشرق أو المغرب؟

جواب: أنا لا أشع فرقا بين المشرق والمغرب لأنه لدينا تاريخ مشترك، وأنا أقصد جوهر الأمور وليس شكلها لأن هذا الأخير متنوع. كأن نقول ما وجه الصلة بين ما يقع في العراق وما يقع في المغرب؟ أو ما وقع في الأندلس أو مصر مع الفاطميين مع ما وقع في المغرب، إن القاسم المشترك هو فلسفة حكم، أنا لا أفهم كيف يقول مثقف بانعزالية المغرب، نعم إن هناك خصوصيات مغربية..

سؤال: (نقاطعها) كل التجارب المجتمعية الناجحة قامت على عناصر الخصوصية الثقافية واللغوية والاجتماعية .. إلخ، فكيف يصح القول بأن المدخل للإصلاح هو القواسم المشتركة بين المغرب وبلدان بعيدة جغرافيا عنه لا نشترك معها إلا في الدين؟

جواب: نحن نؤمن بالخصوصيات ونقول بضرورة أخذها بعين الاعتبار، قد تكون هذه الخصوصيات ربحا، فهي بمثابة غنى في تعددها، وأنا لا أريد أن أقوم بمقارنات بين المغرب والغرب، لأن لهذا الأخير أيضا خصوصياته، بسلبياتها وإيجابياتها تختلف تماما عما عشناه ونعيشه. إن الدين الإسلامي سواء أردنا ذلك أم أبيناه طبع العالم العربي من أقصى مغربه إلى أقصة مشرقه، والذي لا يفهم هذه الهوية لن يفهم شيئا في تاريخه ولا في خصوصياته ولا مستقبله، ولكل واحد الحرية في النظر إلى الأمور من الزاوية التي تناسبه.

سؤال: في المنطقة التي تسمينها بالعالم العربي والإسلامي هناك نموذجان هما التركي والإيراني، الأول ناجح لكنه نظام إسلامي قبل بالعلمانية، وبكل الأمور التي فصلت بين الدين والدولة منذ عهد مصطفى أتاتورك إلى الآن، في حين أن النموذج الإيراني المتشدد ما زال يتخبط في مشاكل عديدة ترتبط بعلاقة الدين بالدنيا، أين تجدون أنفسكم في جماعة العدل والإحسان بين هذين النموذجين؟

جواب: نحن مع نموذج مغربي، إنني ضد التبعية كيفما كانت، لا أقول بأن المغرب يجب أن يكون مثل تركيا أو إيران أو غيرهما، إننا عندما آمنا بالديمقراطية، فمعنى ذلك أننا آمنا بالاختلاف، وبالخصوصيات وبالمشروعية المختلفة. وللأسف فإن الفكر الغالب الآن والذي يتوفر على فرص نشر ثقافته الدينية هو الفكر الوهابي، الذي يصور الإسلام بأنه مجموعة من الممنوعات والمحظورات والطابوهات، في حين نرى في الإسلام تلك الروح الكفيلة بإصلاح مجتمعاتنا العربية والإسلامية ومنحها فرصة لتخرج من تخلفها السياسي والروحي والاقتصادي.

سؤال: لنفترض أن السلطة سلمت لكم في هذا المغرب المتناقض، كيف يتدبرون أمور النزعات المتعددة، ففي المغرب توجد مثلا ملاهي وحانات وفتيات تجرين وراء آخر صيحات الموضة في اللباس إلخ؟

جواب: أشكرك لطرحك هذا السؤال، إنكم حينما تفكرون في الإسلام تتصورون نموذج إيران مثلا، وبالفعل إن خطر التشدد موجود في العالم العربي، حيث ثمة من يقول بأن المرأة يجب أن تخرج محجبة، وأن تقفل الحانات بل نقول بأنه لابد للقومة من ليونة وليس الثورة التي تقوم على العنف وسفك الدماء، نحن ضد هذه الفكرة تماما، ونسأل الله العافية من الوصول إلى الحكم في فترة لا يكون الناس فيها مستعدين، لقد قضينا فترة ثلاثين سنة ونحن نتعهد الناس بالتربية ليقتنعوا بمبادئنا، وإلا فإنه في حالة العكس، سنكون متناقضين مع مرجعيتنا مكررين للنموذج السلطوي الذي نرفضه.

إننا نقول بأن نصل يوما إلى أن تظل أماكن اللهو والفساد والخمر مفتوحة دون أن يدخلها أحد، إنه التحدي الذي نرفعه، إن هذا حلم بطبيعة الحال، لكن نطمح أن يكون هذا هو حال الأغبية الساحقة، ونقول أيضا بأنه يلزمنا برلمان يتخذ قرارات ديمقراطية مهما كانت قاسية تجاه فئة معينة تظل مع اللهو والفساد، ففي أمريكا مثلا حدث مؤخرا أن إحدى الولايات اتخذت قرارا بالإجماع ضد سراويل الجينز القصيرة، ولا أحد نعتهم بالمتطرفين، إن هذه هي الديمقراطية، إن الأمر يتعلق بالتربية، غير أنني أرى أن مثل هذه الأمور الصغيرة لا يجب أن تطرح في البرلمان بل هي من اختصاص مجالات تربوية صرفة.

سؤال: يقول البعض أن الإشكال الحقيقي لجماعة العدل والإحسان هو في الانتقال من فكرة الجماعة إلى فكرة الحزب؟

جواب: أقول بأنه لو كان الحكم هو هدف الجماعة، فإن المسار التربوي الذي نقول به ليس مهما لتحقيق هدف بلوغ السلطة، إذ كان المطلوب بالأحرى إنجاز ثورة قائمة على ميلشيات، غير أن خيارنا منذ البداية هو رهاننا على الإنسان، إن الجانب السياسي ليس هدفنا، فهو فقط، جانب مساعد ضمن المسار التربوي الأساسي، أي تربية الفرد بإعادته إلى ما هو أساسي في مصيره مع الله سبحانه وتعالى، إن الجوانب الاجتماعية والاقتصادية هي مكونات ليعرف الإنسان الله ويعبده أحسن عبادة، غير أن هذا لا يعني أن نذهب عند إنسان يسكن في دور الصفيح ونقول له بأن عليه أن يتحول إلى انتحاري ليذهب إلى الجنة حيث هناك الحور العين، إن الإنسان مكون من روح وجسد، وكرامة الإنسان لها شروط حيث ضرورة وجود عدالة اجتماعية، وتعليم مفيد، وهو ما يجرنا إلى أهمية الشأن السياسي.

فليس هناك من معنى لأن تضع أقلية قليلة من الناس أغلب ثروات البلاد في جيوبها وتقول للأغلبية الساحقة “ديرو رجاكم فالله” إننا ضد أن يكون الدين أفيون الشعوب بل نريد إسلاما محررا للشعب.

سؤال: لوحظ أن جماعة العدل والإحسان التزمت الصمت عقب أحداث 16 ماي 2003 مع أن الاعتقالات في مراكز سرية والتعذيب كانت فظيعة، والمحاكمات كانت غير عادلة؟

جواب: لست أتهرب من السؤال، إنني لا أعرف ما إذا كانت الجماعة قدمت تصريحات أو بيانات في الموضوع، أم لا؟ (تلتفت إلى زوجها عبد الله الذي قال: لقد كانت هناك بيانات استنكارية للجماعة في أمر الاعتقالات والتعذيب، والمحاكمات غير العادلة).

سؤال: طرح الملك مؤخرا مبادرة للتنمية البشرية، كيف تنظرين إلى هذا المستجد؟

جواب: لقد انتهينا من المدونة والآن جاء دور مبادرة التنمية البشرية.

سؤال: تعتقدين أن الأمر يتعلق بعملية تنفيس ظرفية؟

جواب: بدون شك.

سؤال: هل الأمر يتعلق بسحب البساط من تحت أقدامكم فيما يخص الأعمال الاجتماعية التي دأبتم على القيام بها في أوساط الفئات الفقيرة؟

جواب: سحبوا منا البساط عبر توزيع الحريرة في رمضان، لقد بدأوا هذا من زمن، والجديد أنهم تحدثوا عن ذلك الآن بشكل رسمي، وأرى أنه “حشومة وعيب وعار” أن تقوم مؤسسة ترمز للسلطة المركزية بعمل اجتماعي ذي طابع جمعوي يتمثل في الحريرة، لأنه في ديمقراطية حقيقية مع دولة “بعقلها” مبنية على الصح فإن هذا العمل يسمى سيارة مستعجلات الدولة، كأن تكون هناك مثلا ثغرة باقية في السياسة الصحية في مكان معين، وعندها تقوم الجمعيات بإصلاح الأمر، أما أن تصبح الدولة تتسابق على “زلافة ديال الحريرة” في حين أن المطلوب منها هو إنجاز سياسة اقتصادية شاملة.

سؤال: هل نظامنا السياسي بكل هذه الهشاشة التي تصورينها على هذا النحو الساخر؟

جواب: ليست لنا في المغرب استراتيجية سياسية واقتصادية واضحة، كل ما هناك هو المنظومة المخزنية و”التلباق” والبريكولاج السياسي والاقتصادي، أي أن آخذ لك ثمانين بالمائة من ثروات البلاد والباقي متروك لـ”التلباق”. فإما أن تكون هناك استراتيجية حقيقة للنهوض بالبلاد أو لا شيء، أما هذا

“البريكولاج” لسد الثغرات فيسير بالموازاة مع تهريب الرأسمال الوطني لبنوك الرسأمال في سويسرا فكيف نتصور إصلاحا لأمور البلاد في هذه الأجواء؟

سؤال: شبهت النظام في المغرب مرة بأنة ثمرة فاسدة، وأنك تنتظرين سقوطها من تلقاء ذاتها، هل اقترب هذا الموعد أكثر؟

جواب: المؤشرات كلها تقول بأن سقوطها قريب إن شاء الله.

سؤال: لوحظ أنك تسافرين بكثرة إلى الخارج خلال الآونة الأخيرة، هل تحبين السياحة الخارجية لهذه الدرجة؟

جواب: لقد منعت من جواز السفر لمدة طويلة، وهناك مثل مغربي يقول “الله ينجيك من الحاجبة إلى طلات” إنني أسافر في مجال تقافي صرف، وعكس ما يظنه البعض فإن الإسلام مع الانفتاح على الآخرين وتجاربهم وأمرنا هو دعوي وتربوي، الإسلام ليس إرهابيا، وليس على نموذج بن لادن والسلفيين التكفيريين.

سؤال: وصفك البعض بأنك وارثة سر أبيك وهذا كما تعلمين لقب ملكي بامتياز، ألا يحرجك ذلك؟

جواب: إنني أتبرأ تماما من مثل هذه الألقاب، بل هو من اصطناع من يحبون فبركة الأسماء والمسميات والألقاب على غير مقاماتها.

سؤال: أنت خريجة ليسي ديكارت الفرنكفوني، وبالتالي اطلاعك على الثقافة الغربية الجدية، فكيف تجدين نفسك في جماعة دينية. هل فقط لأن أباك يتزعمها؟

جواب: ما أستطيع أن أقوله لك هو أنني بدأت كبنت للمرشد العام للجماعة لكنني أكملت المشوار بقناعات، نعم حينما بدأ عمل الجماعة تحكمت صلتي بمرشدها، حيث كان لابد أن أتعرف على فكره، خاصة أن أ[ي إنسان تواصل وإشراك في الإشراف، وهو عنصر لعب دورا كبيرا في دخولي لجماعة العدل والإحسان، لكن القناعة لعبت دورها، وهكذا ما زلت في الجماعة وسأظل فيها إن أطال الله في عمري حتى بعد رحيل الوالد، هذا إذا لم أسبقه بطبيعة الحال.