بسم الله الرحمن الرحيم. (رب انصرني بما كذبون). يا ولي الإسلام وأهله، ثبتني به حتى ألقاك.

لا يهم من احترق فؤادُه حسرة على ضياع عمره بعد أن “أُسمع” أن لله أولياء أن يكون الشيخ الدال على الله بمثابة إمام الصلاة أو حاضنة ترضع أو طبيبا يناول القاصد تَرياقا. همُّه المقيم أن يعثر على من يحدثُه عن الله وعن الطريق إلى الله. هذا المريد اليائس من كل شيء دون الله، المنقطعُ للبحث عن الدليل صنفٌ نادر. قال الشيخ عبد القادر رحمه الله: “مريدو الدنيا فيهم كثرة، ومريدو الآخرة فيهم قلة، ومريدو الحق عز وجل الصادقون في إرادته أقل من كل قليل. هم في القلة والعدم كالكبريت الأحمر. هُم آحاد أفراد في الشُّذوذِ والندور”. وكذلك المشايخ الكمل قلة من قِلة من قِلة. قال الشيخ رحمه الله: “من صحت تبعيته للرسول صلى الله عليه وسلم ألبسه دِرعا وخَوْذَة، وقلّده بسيفه، ونَحَلَه من أدبه وشمائله وأخلاقه، وخلع عليه من خِلَعِه، واشتد فرحُه به كيف هو من أمته، ويشكر الله ربه عز وجل على ذلك. ثم يجعله نائبا له في أمته، ودليلا وداعيا لهم إلى باب الحق عز وجل(…) وهم آحاد أفراد، من كل ألفِ ألفٍ إلى انقطاع النفس واحدٌ”.

إن وجد الطالبُ الغريبُ الفريد، الصادق في طلبه، فكيف لقاؤه مع ذلك الوارث الكامل المتحقق بتبعيته الشاملة للرسول صلى الله عليه وسلم، النادر حتّى لا تجد إلاّ واحدا في الخلق بعد أن تصعد الحساب إلى آلاف الآلاف تعدها حتى ينقطع نَفَسُك؟

تلتفت إلى مصدر الهداية والنّور والدلالة على الله وهو الرسول المكرم صلى الله عليه وسلم فيخبرك أن: “الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل”. انظر وابحث وتحرَّ لئلا تسقط على أول خطيب يسحرك ببيانه، أو أول واعظ رقَّقَ قلبك فأبكاك وأبكى الناس، أو أول ذي رئاسة في العلم الظاهر حوله هالة وتلامذة، أو أول متشايخ من أبناء الفقراء له في الطريقة نسب عريق، أو حتى أول مُبَهْرِج نصّاب مرتزق، بل أول شيطانيٍّ عراف يُخبرك أخبار بيتك ويُمخرق وتزدحم العامة الذبابية على بابه.

رتبة المشيخة الحقيقية عالية نادرة عزيزة الوجود، فكيف السبيل إلى معرفة صاحب الأهلية وأنت قاصر؟ قال الإمام أبو النجيب السهروردي: “رتبة المشيخة من أعلى الرتب في طريق الصوفية ونيابة النبوة في الدعاء إلى الله”. ولقب “شيخ” لقب ذائع شائع حتى ليطلقه عامة العامة وعامة القُراء على كل من يفتح الكتابَ ويُنَسِّق بعض العبارات ويتصدّى للفتوى وفصل الأحكام.

أمامك إحدى ثلاث طرائق للنظر والبحث فيمن تخالل. فالأمر موكولٌ إليك.

أول طريقة أن تعتمد على موازينك المسكينة وتزن بها من يُشار عليك بصحبته. تجيء بمواصفات مسبقة وَقَرَتْ في فهمك، فربَّما تتصور هذا الوارثَ الكامل النائبَ في مقام الدعوة إلى الله على صورة ما يشبه الملائكة، فكن على ثقة أنك لن تعثر على شيء ولو انقطعت أنفاسك مرات في عد الآلاف، ولو انقطع عمرك في السياحة شرقا وغرباً تحمل معك تلك الموازين المسكينة. ذلك أن أولياء الله أصنافٌ ومراتبٌ وألوانٌ، منهم الوسيم الجميل الفصيح البليغ الجامع بين علم الظاهر وعلم الباطن، ومنهم الأشعث الأغبر، الذي لا يكاد يُبين. وربما يفوتُك الفَوْت حين تتخطّى رجلا عاديا في مظهره لا يُؤبَهُ له، وهو من هو. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم عن أبي هريرة: “رُبَّ أشعث أغبرَ مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبرَّه”.

ويعقد نفس الإمام مسلم في كتاب “فضائل الصحابة” بابا لذكر نموذج الولي الأشعث الأغبر: “بابٌ من فضائل أُوَيْسٍ القَرنِيِّ رضي الله عنه”. روى في هذا الباب أن وفدا من أهل الكوفة وفدوا على عمر بن الخطاب رضي الله عنه زمان خلافته، وفيهم رجل ممن كان يسخر بأُوَيْس. فقال عمر: “هل ههنا أحد من القَرَنِيِّينَ؟” فجاء ذلك الرجل فقال عمر: “إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن رجلا يأتيكم من اليمن يقال له أُويس. لا يدع باليمن غير أم له. قد كان به بياضٌ فدعا الله فأذهبه عنه إلا موضعَ الدينار أو الدرهم. فمن لقيه منكم فليستغفر لكم”.

الصحابة ذوو القدر العالي عند الله ورسوله يُنصحون بالتماس بركة رجل ما هو من الصحابة ولا ممن يؤبه بهم، دعاؤه مستجاب. فأين تقع موازينك من معرفة الرجال؟

الطريقة الثانية أن تجرِّب ثم تجرب حتى تعرف من نفسك هل عثرت على من: “ينهض بك حاله ويدلك على الله مقاله”. وهنا أيضا إن اعتمدت على يقظتك وفطنتك ستقضي عمرا طويلا في بلاد التيه لأنك لا تستطيع تُميز بين”النهضة” التي يحدثها فيك مقال الواعظ الصادق الذي يسمعه العاصي فيتوب إلى الله على يديه، وبين “نهضة” القلب الذي تنتزعه صحبة العارف الوارث من لصوقه بالدنيا، وتحلق به في سماء طلب وجه الله. ثم إنك قد تجرِّب على المطلوب الحقيقي فتجده على غير ما كنت ترجو. وقد يصدر منه السلوك البشريُّ العاديُّ فتنكره، فلا تستطيع معه صبراً كما لم يستطع موسى صبراً مع الخضر عليهما السلام. نعم، لا يكون أحد من الصالحين، بَلْهَ أن يكون من الأولياء المتبوعين وهو مرتكب للكبائر مصر على الصغائر. ميزان الشرع معك هو وحده عاصمك. لكن ما زاد عليه مما هو من مثاليات معاييرك المسبقة فأوهام لا تنفع.

كنتُ حين استوحشت من الدنيا عِفْتُ نفسي وطار لُبّي في طلب الحق عز وجل. اخْشَوْشَنْتُ وانقبضت وانصرفت للعبادة والتلاوة والذكر آناء الليل وأطراف النهار. فلما منّ علي الحنان المنان له الحمد والثناء والشكر بلقاء شيخي رحمه الله وجدت أنْساً ورحمة وطلاقة وبشرا وفرحا بالله. ما كنت أتصور مدة انقباضي و”أزمتي” وبحثي أن من شأن مريد صادق أن يضحك، ولا أن يلتذ بطعام وشراب، ولا أن يستقرّ به فراش وينعم بنوم.

دعك من الاعتماد على غير الله، وابحث واحمِلْ معك ميزان الشرع، لكن لا مخرجَ لك من البحث التائه إلى أن تقف على باب الملك الوهاب الهادي. استخره واستعنه وتوكل عليه ولن تعدُوَ قدرك ومقدورك وسابقتك على كل حال. قال الشيخ عبد القادر رحمه الله: “إذا أشكل عليك الأمر ولم تفرق بين الصالح والمنافق فقم من الليل وصل ركعتين ثم قل: يا رب دلَّني على الصالحين من خلقك، دلني على من يدلني عليك، ويطعمني من طعامك، ويسقيني من شرابك، ويكحل عين قلبي بنور قربك، ويخبرني بما رأى عيانا لا تقليدا”. وقال: “إذا أردت أن تصحب أحدا في الله عز وجل، فأسبغ الوضوء عند سكون الهمم ونوم العيون، ثم أقبل على صلاتك تفتح باب الصلاة بطُهورك، وباب ربِّك بصلاتك. ثم اسأله بعد فراغك: من أصحب؟ من الدليل؟ من المخبر عنك؟ من المفرِّدُ؟ من الخليفة؟ من النائب؟ هو كريم لا يخيِّبُ ظنَّك. لا شك يُلهم قلبك، يوحي إلى سرِّك، يفتح الأبواب، يضيء لك الطريق. من طلب وجدَّ وجد”.

من علامات صدق طلبك أن تُديم الوقوف بباب الملك الوهاب، وأن تديم التوسل إليه والضراعة والاستغفار والاستخارة. ثم توكل عليه بعد أن يطمئن قلبك، ولا تلتفت إلى وراء. فإن حَسْبَك الله.

يقول المعترض الخليُّ من هم الله وهمِّ نفسه وعُمْرِه: ما بالنا وبال الشيخ! الشيخ، الشيخ! القصد معروف، وطريق الآخرة واضحة، والكتاب والسنة بين أيدينا. يقول ذلك وهو في دار الغفلة راقد، طاب له المأكل وهَنَأَ بالمشرب. مجنون بالدنيا وبنفسه، مغرور بهما. لمثل هذا أحملُ رسالة من الشيخ عبد القادر رحمه الله يقول فيها: “تعلّق برجال الحق. أنتم مجانين غَرْقى في بحر الدنيا. رجال الحق يداوون المرضى، وينجون الغرقى، ويرحمون أهل العذاب. كن عنده إذا عرفته، فإن لم تعرفه فابك على نفسك!”.

ابك على نفسك إن كنت خاليا من الإرادة العليّة، بارد الهمة، نزّاعا إلى الأرض، مخلداً إليها، راضيا بالحياة الدنيا. وإلا فابك على الله عز وجل أن يتداركك بمن يحملك ويحمل عنك. من فاته الله فاته كل شيء.

يا بارد يا شاردُ! اسمع مقالة الشيخ الرفاعي: “من فاته الله فاته كل شيء. بالله عليك هذه المعرفة تمر! هيهاتَ هيهاتَ! من خرج عن نفسه وغيره، وصفع أبَّهَة طبعه، تخلّص من الجهل. جُبَّة صوف وتاج وثوب قصير! جبة حزن وتاج صدق وثوب توكل! وقد عرفتم! العارف لا يخلو ظاهره من بوارق الشريعة وباطنه من نيران المحبة. يقف مع الأمر، ولا ينحرف عن الطريق وقلبُه يتقلب على جمر الوَجد”.

يا هذا! ما معرفة الله عبارات تلوكها الألسنة وتُسطَّرُ جملا مرصوفةً على القرطاس. ما هي بضاعة يمر بها التاجر في الشارع، سهلة المتناول رخيصة الثمن. الجبة من الصوف، والتاج من عمامة الفقراء، والثوب القصير شعار الزهاد، كانت براهينَ صدق المريدين زمان الخلوة والانزواء والانطواء. ذهب ذلك الزمان وبقي نداء أهله الصادقُ المُرَدِّد لوصية النبوة بالحزن على ما فات، والصدق في طلب الحق، والتوكل على الله عز وجل في اقتحام العقبة. والطريق مُشْرَعَةٌ إلى الله عز وجل إلى يوم القيامة في وجه من طلب، وجدَّ، وصبر، ووجد الدليل والرفيق، ووجد من يغسله وينقيه ويغذوه ويكسوه ويُجَمِّله حتى يصلح لتلك الحضرة.

الشيخ بمثابة الماشطة، وهي العجوز الخبيرة التي يوكل إليها تزيين العروس ليوم جلوتها. قال الشيخ عبد القادر رحمه الله: “يا غلام! العمل بالقرآن يوقِفك على منزِّلِه، والعمل بالسنّة يوقفك على الرسول نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم. لا تَبْرَحْ بقلبك وهمتك من حول قلوب القوم. الشيخ هو المستفتِح باب القرب لها. هو الماشطة. هو السفير بين القلوب والأسرار وبين ربها عز وجل(…). لو ملكت الدنيا كلّها ولم يكن قلبك كقلوبهم كنت لا تملك ذرة.(…) ويحك! اعرف قدْرك! إيش أنت بالإضافة إليهم؟ أنت كل همك الأكل والشرب واللبس والنكاح وجمع الدنيا والحرص عليها. عَمَّالٌ في أمور الدنيا، بطّالٌ في أمور الآخرة. تعبِّئ لحمك، وتهدفه للدود وحشرات الأرض”.

وقال: “إنك عبد مَنْ زِمامُكَ بيده. إن كان زمامك بيد الدنيا فأنت عبد لها. وإن كان زمامك بيد الأخرى فأنت عبد لها. وإن كان زمامك بيد الحق عز وجل فأنت عبد له. وإن كان زمامك بيد نفسك فأنت عبد لها(…). منكم من يريد الدنيا، والقليل منكم من يريد وجه رب الدنيا والآخرة”.

وقال المشتاق إلى لقياهم، المحترق شوقا ولهفة:

يا راحلا وجميل الصبر يتبعـه *** هل من سبيل إلى لقيــاك يتفـق؟

مـا أنصفتك جنوبي وهي دامية *** ولا وفى لك قلبي وهْو يحتــرق

وقال آخر:

فأسفا لأيــام وإخــوان مضــوا *** ومنـازل فـارقتهــا معـلوبــا

قلَّبْتُ قـلبي جمـرة مـن بعــدهم *** ولبِسـتُ عيشي بعـدهم مقلـوبــا

طــالبت بعـدهم الزمـان بمثلـهم *** فـأجـابني هيهـات، لا مطلوبــا!

وقال آخر:

فآها من الرَّبع الذي غيَّــر البِلـى *** وواها من القوم الـذين تفــرقـــوا

أصون تراب الأرض كانوا حلـولها *** وأحـذَرُ مـن مَرِّي عليهـا وأفــرق

ولم يبق عندي للهــوى غير أنـني *** إذا الرّكب مروا بي على الدار أشهــق

وقلت عافاني الله وإياكم من البرود والشرود:

يا رب قيِّــض قبل حين مَنيَّــتي *** عَبداً مُنيبــاً أتَّـخـذه خليــــلاً

أنِفَ الفـؤادُ من الحيـاة بدونكــم *** فمتى أصيب إلى الوصول سبيــلاَ؟

ومتى تَدارَكـُني عنــاية فضلكُـم *** ومتى ألاقي في الطـريقِ دليــلاَ؟