عرفت العديد من الأقطار الإسلامية، يوم الجمعة 18 ربيع الثاني 1426 الموافق لـ27 ماي 2005، تظاهرات ومسيرات تنديدية، بالفعلة الشنعاء التي ارتكبها بعض المحققين والحراس في معتقل غوانتنامو، والمتمثلة في العبث بالقرآن الكريم ومحاولة تدنيسه برميه في المرحاض!

تراجعت مجلة “نيوزويك” الأمريكية، التي سبق أن نشرت خبر تدنيس القرآن الكريم في تقرير خاص لها بتاريخ 9 ماي 2005، ولم تتراجع الهيئات والتنظيمات التي دعت إلى تنظيم تظاهرات احتجاجية، لا لشيء إلا لأن ذلك التراجع تم بضغوط من الإدارة الأمريكية، وليس بدافع آخر. فوقائع تدنيس القرآن الكريم ثابتة سواء فيما تضمنه تقرير المجلة، أو فيما صرح به العديد من المعتقلين المفرج عنهم من سجن غوانتنامو. من ذلك، مثلا، ما ورد في بيان مشترك لثلاثة سجناء أطلق سراحهم من المعتقل المذكور، عن حراس كانوا يدوسون على نسخ من القرآن الكريم، ويقومون برمي بعضها في أوعية كانت تستخدم كمراحيض من قبل السجناء!

كان البيان في مارس 2004، وقبل ذلك التاريخ وبعده حدثت العديد من الوقائع التي تؤكد الإصرار على احتقار المسلمين والاستهزاء بمقدساتهم. وفي بعض الأحيان لا يكون ذلك السلوك الأخرق ضد المسلمين من قبل جنود ومحققين فقط، وإنما من كبار السياسيين، بل في بعض الحالات من رجال الدين كما هي حالة القس الأمريكي “كريجتن لوفيلاس” الذي وضع لافتة أمام كنيسته في مدينة فورست بولاية كارولينا الشمالية، كتب عليها: “إن القرآن يحتاج إلى غسله بماء دافق”. وإذا كان القس قد اعتذر عن ذلك في بيان له بتاريخ 26 ماي 2005، فإن بعض العبارات الواردة في البيان تؤكد حقيقة الجهل بالإسلام والمسلمين. يقول “لوفيلاس”: “عندما أدرجت هذه الكلمات باللافتة، لم أكن أدرك كيف ينظر المسلمون للقرآن، إن المتدينين المسلمين يقدسون القرآن بدرجة أكبر بكثير من تقديس العديد من اليهود في الولايات المتحدة للتوراة”. هذه العبارة ليست بأقل دلالة مما أشار إليه “أليستركروك” مؤسس منتدى حل النزاعات الدولية في بريطانيا، فبعد قيامه بمبادرة اللقاء بين شخصيات أمريكية وبريطانية مع شخصيات إسلامية، وبعد نقل بعض وسائل الإعلام لذلك اللقاء، أشار “كروك” في حوار له بقناة الجزيرة بتاريخ 18 ماي 2005 أن العديد من الغربيين اتصلوا به، وعبروا عن استغرابهم الشديد عندما رأوا أشخاصا من حركات إسلامية يلبسون لباسا عصريا، ويتبادلون الحديث بطريقة عادية! … كل هذا يؤكد تشويه صورة الإسلام والمسلمين في الوعي الأوربي. وكلما كان التشويه للإسلام كلما كانت الجرأة والإصرار على احتقار مقدساته.

شيء من التاريخننظر في تاريخ تشويه الإسلام وبث العداوة له ليس بغرض إذكاء الصدام والكراهية، ولكن لنعرف أن هناك تراكمات داخلية غربية تمنع كل تقارب وتواصل وحوار جاد مع الإسلام والمسلمين، وعدم الوعي بتلك التراكمات يجعلنا نراهن على بعض الشعارات دون إدراك حقيقة الجهود المضنية الطويلة الأمد، التي لا مندوحة لنا من بذلها، تأسيسا للأخوة الإنسانية، وبثا لرحمة الإسلام في العالمين.

إن التصورات الغربية المعاصرة حول دين المسلمين ما هي إلا انعكاس لأفكار مشوهة ترسخت في الفكر الغربي منذ قرون. فموقف العالم المسيحي في القرون الوسطى من الإسلام حدده أمران رئيسيان، كما يقرر ذلك الكاتب الروسي “أليكسي جورافسكي”، في كتابه “الإسلام والمسيحية، من التنافس والتصادم إلى آفاق الحوار والتفاهم” أولهما: ضرورة التعلم منه، لكونه الأقوى والأعلم من جهة، وثانيهما: التصارع معه باعتباره عقيدة غريبة ومعادية للمسيحية.

انطلاقا من هذا الاعتبار الأخير لُفقت للإسلام العديد من التلفيقات. ساهمت الكنيسة وللأسف الشديد في تلقينها كحقائق ثابتة عن الإسلام. فالإسلام حسب تلك التلفيقات ما هو إلا عقيدة ابتدعها محمد، أقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقرآن ما هو إلا قوانين صاغها محمد (صلى الله عليه وسلم) كما يذهب إلى ذلك توما الأكويني. ونُشرت على نطاق واسع خرافة أسطورية تقول أن محمد (صلى الله عليه وسلم) درب حمامة لتنقر حبوب القمح من أذنه، وبذلك أقنع العرب أن تلك الحمامة هي رسول الروح القدس، الذي كان يبلغه الوحي…

والإسلام، حسب تلك الافتراءات، دين الجبر والانحلال الأخلاقي، والتساهل مع الملذات والشهوات الحسية، والعنف والقسوة. والإسلام انتشر بالإكراه عكس المسيحية التي انتشرت انتشارا سلميا، كما يقرر ذلك توما الأكويني. مع أن كتب التاريخ حافلة بما يشهد على الانتشار السلمي للإسلام عن طريق قوافل التجارة والمبادلات المختلفة التي جعلت العديد من الشعوب تعتنق الإسلام عن طواعية، مثل شعوب إندونيسيا والهند وماليزيا وباكستان…

يقول “أليكس جورافسكي”: (وللحقيقة يجب القول أن تلك الأساطير المختلفة تمثل سخرية مأساوية لأن النبي (محمد)، الذي حارب عبادة الأوثان، والذي حطم جميع أصنام الكعبة، يتحول في تصور المسيحيين “إلى صنم يؤلهه أتباعه”، الذين يطلقون عليهم ازدراءا واحتقارا لقب “عبيد سارة” أو “أبناء الجارية”).

تشويه غريب رهيب ذلك الذي لحق الإسلام، ورسول الإسلام صلى الله عليه وسلم، وكتاب الإسلام القرآن الكريم. ساهم في هذا التشويه بل أسس له بعض رجال الكنيسة، وربوا عليه نشأً عريضا من المسيحيين، لذلك فإن التراث “التشويهي” للإسلام لا تكفي في محو أثره دعوة إلى الحوار مع الإسلام، أو صيحات بعض الفضلاء المنصفين، وإنما يتطلب مراجعة شاملة وجهودا متظافرة. وفي انتظار تحقق ذلك فإن الاستهانة بمقدسات الإسلام ستبقى لازمة للحضارة الغربية، رغم ادعاءات التحضر ودعوات الاعتراف بالآخر ونداءات احترام الأديان المختلفة. الأمر الذي يتطلب من الأمة الإسلامية جماعات وأفرادا يقظة مستمرة دفاعا عن إسلامها ومقدساتها.

أمة القرآنأثبتت تظاهرات 27 ماي 2005 أن أمة الإسلام، ورغم كل ما لحقها من ذلة وتمزق وهوان، لا تتوانى في الدفاع عن قرآنها. فرغم كل الأدواء النفسية والفكرية والسياسية، ورغم مختلق أشكال التخلف، فإن فئات عريضة من هذه الأمة استجابت لنداء تكريم القرآن الكريم.

إن في تلك المظاهرات درسا بليغا لحاملي مشروع الدعوة إلى الله تعالى. مفاده الابتعاد من خطاب اليأس والتيئيس والاقتراب من خطاب التبشير والتيسير، على اعتبار أن هذه الأمة، ورغم كل ما يلاحظ، لا تعدم بوادر حياة وشيم غيرة وعزة. ونهوضها يتوقف على مخاطبتها بخطاب الإيمان والقرآن، والعودة إلى فطرة الله التي فطر الناس عليها.

لكن ما هي حقيقة العودة إلى القرآن وإلى فطرة القرآن؟ ما هي تربية القرآن؟ هل تكفي في ذلك المشاركة في تظاهرة دفاعا عن القرآن؟.. إن ذلك لا شك جهاد مشكور، وعمل مبرور، مأجور صاحبه إن صفا قصده وسلمت نيته.. لكن لا يكون أبناء الأمة قرآنيين إلا إذا كانت لهم صلة كاملة بالقرآن قراءة وحفظا وتدبرا، علما وعملا .. لا نكون قرآنيين إلا إذا نظرنا بمنظار القرآن .. وتخلقنا بخلق القرآن .. وتحركنا بباعث القرآن .. وتكتلنا برابطة القرآن .. وحكمنا بمعيار القرآن. اللهم اجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا ونور أبصارنا وجلاء همومنا وأحزاننا.