إخواني! تفكروا في الذين رحلوا، أين نزلوا؟ وتذكروا أن القومَ نُوقشوا وسُئلوا، واعلموا أنكم كما تُعذلون عُذلوا، ولقد ودّوا بعد الفوات لو قُبلوا.

(لأبي العتاهية):

سـألت الـدار تخبرني *** عـن الأحباب ما فعلوا

فقـالت لي: أناخ القوم *** أيـاما وقـد رحــلوا

فقلت: فـأين أطـلبهم *** وأيّ منــازل نـزلوا

فقالت: بالقـبور وقـد *** لقـوا والله مـا عملوا

أنـاس غـرهم أمـل *** فبـادرهم به الأجــل

فنـوا وبقي على الأيام *** مـا قـالوا وما عملوا

وأُثبت في صحـائفهم *** قبيـح الفعـل والزلـل

فـلا يستعـتبـون ولا *** لهـم ملجـأ ولا حيـل نـدامى في قبـورهـم *** ومـا يُغني وقد حصلوا

أين من كانت الألسن تهذي بهم لتهذيبهم، وأصبحت فُلك الاختبار تجري بهم لتجريبهم، أقامت قيامتهم مناداة خيل الرحيل لتغري بهم لتغريبهم، فباتوا في القبور وحدانا لا أنيس لغريبهم.

أين أهل الوداد الصافي في التصافي؟ أين الفصيح الذي إن شاء أنشأ في القول الصافي؟ أين قصورهم التي تضمنتها مدائح الشعراء، صار ذكر القوى في القوافي؟ لقد نادى الموت أهل العوالي والقصور العوالي الطوافي: تأهبوا لقدومي فكم غرثان (جائع) طوى في طوافي، رحل ذو المال وما أوصى في تفريق كدر أو صافي، ولقي في مره أمرا مرا لا تبلغه أوصافي، ذاقوا الآمال فانتزع من أفواههم يوم المآل، وعاد الخوى في الخوافي، عوى في ديارهم ذئب السِّقام بتكذيب العوافي، وانقطعت آمالهم، وصار كل المنى في دفع المُنافي، تزلزل ود أحبابهم والتوى، وبِتُّ ألتوي في التوافي، تالله لقد نال الدود والبلى ما أراد منهم وألفيا في الفيافي، آلت قبورهم إلى الخراب أولا، فلا يُدرى أهذا قبر المولى أو لا، وهم سواء في السوافي (الرياح)، كم أعرضوا عن نصيح، ورفضوا ما تلا في التلافي، كم ندموا على ضياع زمانهم الذي خلا في خلافي، كم رأيت عاصيَهم قد أعرض عني إلى عدوي والتجأ إلى التَّجافي، أما أخبرتُهم بوصف النار أنها “نزاعة للشوى” (المعارج، 16) في الشوافي، فاعتبر بحالهم، فإنه يكفُّ كفَّ الهوى، وهو الواعظ الكافي.

أين الأبصار الحدائد قبل إحضار الشدائد؟ أما استُلبت القلائد من ترائب الولائد؟ لا بد من إزعاج هذا الراقد، فيقع الفراق بين فريق الفراقد، يا موثقا في حبالةِ الصائد، والله ما كذَبك الرائد، يا عَمِيَّ البصيرة ولا قائد، كم أضرب في حديد بارد.

أليلى وكلٌّ أصبح ابن مَلَوَّحٍ *** ولُبنى وما فينا سوى ابن ذَرِيحِ

ذهبت أعماركم في طِلاب الشهوة، والموت قد دنا، فما هذه السهوة، والقلوب غافلة، فإِلامَ القسوة؟

والصُّلح معروض فحتّام الجفوة؟ أين رب المال؟ أين ذو الثروة؟ أما فَرَسَ الموتُ ذا الفرسِ (ذا قتل) وأخلى الصهوة؟ طوبى للمتيقظين إنهم لقدوة، علموا عيب الدنيا فما أمسكوا عروة، وأنت في حبها كقيس وعروة، أيحسب بعد الشيب لهو وصبوة، أأبقى نَأْيُ الزمان طيبَ ناي وقهوة؟ قُرِّبت نوقُ الرحيل مساء وغدوة، جطبت أيدي المنون كرها وعنوة، يا قليل التدبير ولا عقول النسوة، إلى كم عيبٌ وعتبٌ أما فيكم نخوة؟ واعجبا لتاجر يرضى بتعب شهر ليتمتع بربحه سنة! فكيف لا يصبر أيام عمره القليلة ليلتذ بربحها أبدا.

يا من يروح ويغدو في طلب الأرباح، ويحك اربح نفسك.

يا أطفال الهوى طال مكثكم في مكتب التعليم، فهل فيكم من أنجب؟ اقرؤوا أدلة التوحيد من ألواح أشباحكم، وتلقفوها من أنفاس أرواحكم قبل أن يستلب الموت من أيدي اللاهين ألواح الصور، ويمحو مسطور التركيب يكف البلى، وما فُهم المكتوب بعد، كم يلبث مصباح الحياة على نكباء النكبات.

من رأى بعين فكره معاول النقض في هدم المنزل ناح على السكان.

يا هذا! مشكاة بدنك في مهاب قواصف الهلاك، وزجاجة نفسك في معرض الانكسار، فاغتنم زمان الصفو فأيام الوصل قصار، كم يلبث قنديل الحياة على عواصف الآفات، أنفاس الحي خطاه إلى أجله، درجات الفضائل كثيرة المراقي وفي الأقدام ضعف، وفي الزمان قصر، فمتى تنال الغاية؟

وقف قوم على راهب، فقالوا: إنا سائلوك أفمجيبنا أنت؟

قال: سلوا ولا تكثروا، فإن النهار لن يرجع، والعمرَ لن يعود، والطالب حثيثٌ في طلبه ذو اجتهاد.

قالوا: فأوصنا.

قال: تزودوا على قدر سفركم، فإن خير الزاد ما بلَّغ البُغية.

إخواني! الأيام صحائف الأعمار فخلدوها أحسن الأعمال.

الفرص تمر مر السحاب، والتواني من أخلاق الخوالف.

من استوطأ مركب العجز عثر به.

تزوج التواني البطالة (الكسل) فولد بينهما الخسران.

كان عمرُ وعائشة يسردان الصوم، وسرد أبو طلحة أربعين سنة، وصام منصور بن المعتمر أربعين سنة وقام ليلها.

وكان عمر بن عبد الله يصلي كل يوم ألف ركعة، وختم أبو بكر بن عياش في زاوية بيته ثمانية عشر ألف ختمة، وكان لكَهْمَس في كل شهر تسعون ختمة، وكان عمير بن هانئ يسبح كل يوم مئة ألف تسبيحة:

صافحوا النجم على بُعد المنازل *** واستطابوا القيظَ من برد الظلال

واستـذلوا الوَعْرَ من أخطارها *** إنمـا الأخطـار أثمان المعالي

ركبـوا الضـر إليهـا ربمـا *** صحت الأجسـام يوما بالهـزال

وجـروا يومـا إلى غـايتهـا *** بالطوال السُّمر والقبّ العـوالي

وكان الأسود بن يزيد يصوم حتى يخضرّ ويصفرّ، وكان ابن أدهم كأنه سفود من العبادة، وكانت رابعة كأنها شنٌّ بال، ومات حسان بن أبي سنان فكان على المغتسل كالخيط، وكان محمد بن النضر لو كُشِط جميع لحمه لم يبلغ رطلا.

جزى الله المسير إليه خيرا *** وإن ترك المطايا كالمزاد(الراوية من الجلد)

أكبر دليل على حب نحول الجسم واصفرار اللون.

(للحارثي):

سلبت عظـامي كلهـا فتـركتهـا *** مجردة تُضحي لديـك وتخضرُ

وأخليتهـا من مخهـا فكـأنهــا *** أنابيب في أجوافها الريح تصفرُ

إذا سمعت بـاسم الحبيب تقعقـعت *** مفـاصلها من خـوف ما تنظر

خُذي بيدي ثم ارفعي الثوب تنظري *** ضنى جسدي لكنـني أتستــر

وليس الذي يجري من العين ماؤها *** ولكنهــا روح تذوب فتقطـر

قال الجنيد: دخلتُ على سري السَّقطي فمد جلدة ذراعه وقد يبست على العظم فما امتدت، فقال: والله لو شئت أن أقول هذا من محبته لقلتُ:

وهــواك مــا أبقى هــواك *** عــلي فيـــك ولا تــرك

أيلـومـني فيــك الــــذي *** يــزري عـلي ولم يَـــرَك

رفـقـا بـعبـدك سيــــدي *** هــذا عُبَيْــدُك قد هـــلك