بين يدي الكتاب سطرت صفحات الكتاب منذ ثماني سنوات مرت خلالها أحداث جسام على الأمة يأتي على رأسها الحرب المهلكة في العراق وفقدان الأمل في الجهاد الأفغاني وتقتيل الشعب الجزائري تأديبا له على اختياره جبهة الإنقاذ الإسلامية، وفقدان فلسطين بدخولها في جحر الضب التفاوضي. لكن خلال هذه المدة نجحت الثورة الإسلامية الإيرانية في اجتياز مرحلة الخطر.

وخلال هذه السنوات الثمانية عاشت أمة الإسلام وما تزال كابوس العولمة التي تلت نظام الثنائية القطبية وهيمن فيها الغرب الجاهلي على ميادين الاقتصاد والمال والأعمال والثقافة والسياسة والمصير التاريخي. واستمرار الهيمنة رهين باستمرار الخراب في العالم الإسلامي الذي يمثل قسطا مهمَا من العالم المستضعف المتخلف، تخريب بأيدي أعدائه من خارج وبأيدي أعدائه المغربنين في الداخل. جسم الأمة مريض وطاقاته البشرية والمادية مبعثرة منهوبة، والعدل ينبغي أن يكون على رأس المطالب في برامج الإسلاميين وهم على عتبة الحكم. لكن الكتاب لا يمثل برنامجا جاهزا آنيا للحكم والعدل فيه وإقامة العدل بل هو نظر إلى مستقبل المسلمين يبحث عن اكتساب الإسلاميين القدرة والفهم لإقامة نظام اقتصادي سياسي أخلاقي “قاعدته العدل وجماله الإحسان”، وعن إعادة التركيبة النفسية والاجتماعية التكافلية والسياسية والفكرية لمجتمعاتنا المشتتة. ينتقد الكتاب الغربنة وأسبابها ويمد جسور الحوار مع فئات الأحزاب السياسية والفاعلين الاقتصاديين ومكونات المجتمع المدني على قاعدة الإسلام التي تمثل الرحم الجامعة المعبئة للجهود المحددة للحقوق والواجبات.

فاتحة تعيش البلاد الإسلامية اليوم صحوة أعادت الشباب إلى صفوف الصلاة ووسمت المجتمع بسمتها النظيف وخلقها العفيف. أفرحت هذه الصحوة الصديق وأحزنت بل أرعبت العدو المستكبر وتلامذته الفاشلين في إخراج البلاد من وهدة التردي. لم تكن هذه الصحوة مجرد مصادفة، بل هي قدر من قدر الله الذي أبرز رجالا منذ قرن جاهدوا المستعمر بقوة السلاح وتلاهم علماء أفاضل حذروا من خطر الغزو الحضاري الفكري المهدد للكيان المعنوي للأمة،ثم جاء رجال أسسوا أركان هذه الصحوة وشيدوا جماعات للتربية والدعوة لها طموح إلى الجهاد في سبيل الله من أجل إعادة الحكم وفق الشرعة الإلهية والمنهاج النبوي. في وجه الصحوة تنتصب العقبات، يقتحمها العبد التائب توبة فطرية والتائب العائد من بر العداء والتلمذة للسيد المستعمر، يقتحمان عقبة النفس سلوكا إلى الله تعالى وتكوينا للمجتمع الجهادي الأخوي القائم بالحق في الأرض. وتنتصب أيضا عقبة اللاييكيين المتشبعين بفلسفة “الأنوار” وصرامتها المنهجية. مع هذه الفئة يفتح الكتاب الحوار إبقاء عليهم وفتحا لباب التفاهم علـَهم يقتنعون بأن فصل الدين عن السياسة تحريف للدين الذي يؤمن به كثير منهم عقيدة. من أجل ذلك يعتذر الكاتب مسبقا للمعتز بلغة القرآن عن استعماله للألفاظ والتعابير الدخيلة المترجمة من اللغة المشتركة بين اللاييكي وأستاذه علَّ ذلك يسرع عملية التفاهم.

أسئلة ثلاثة يطرحها الكتاب ويجيب عنها في ثلاثة أبواب: ـ ماذا يريد الإسلاميون؟ وماهي الشروط المنهاجية التي تجعل منهم قوة اقتحامية تخرق العقبات السياسية والاجتماعية و الثقافية والتخلفية الاقتصادية العلمية التكنولوجية؟

ـ ما سلوك هذه القوة الاقتحامية الإسلامية في عالم يعيش في مخاض و المسلمون رغم وفرتهم العددية هم في الكفة المرجوحة؟

ـ ما العمل أمام هذه القوة التي رغم كونها الأمل الوحيد للأمة ليست هي الفاعل السياسي الوحيد في بلاد المسلمين؟

الباب الأول: ماذا يريد الإسلاميون؟

الفصل الأول: الورد السياسي الأخلاقي للحركة الإسلامية

1- قواعد الإسلام:

وهي المرتكزات الأرضية الجغرافية السياسية والمقومات الاقتصادية والحجم البشري الذي عليه بعد الله تعالى تعتمد الحركة الإسلامية للتمكن في الأرض. هي اليوم تحكي واقع التشرذم والاختلاف والتخلف على مستوى كل الأصعدة رغم الكم الديموغرافي الهائل والثروات الكبيرة والموقع الاستراتيجي. هي مقومات يمكن أن تشكل قوة إن سرت روح الجهاد في الأمة فتتجمع من شتات وتنبعث من رقاد، وقد بدأت الخطوات الأولى.

2- معـضلة التأصيل:

رغم الهزيمة العسكرية التي مني بها المقاومون أمام المستعمر الكافر، لم يتسلل الشك إليهم في هويتهم الحضارية الإسلامية. لكن النسل الذبابي المتغرب حيرهم حين طرح “أصالة” تنسب الناس إلى قومية وثنية وتسحبهم إلى عبادة “عصرنة” ممتنعة. إنها معضلة فكرية لا تستطيع أن تبرح الإشكالات العقيمة. أما الطرح الإسلامي ففيه معادلة لا معضلة: أصالة تنسبك إلى الخالق جل وعلا، وعصرنة تدخل عليها من باب فقه سنة الله في الكون وعمل الصالحات. معادلة تعطي للكيان الإسلامي وزنا في العالم.

3- مرض الغثائية وداء الأمم:

الأصالة عند المتغرب تمسك بتراث فلسفي عربي يعيد قراءة الفلسفة الإغريقية، بمعنى بحث عن اللاييكية -لغة العصر- في هذا التراث. ويرد بعض الإسلاميين باعتزازهم بمجد حضاري أموي وعباسي كان قبل الاستعمار، تمسك بمقطوع منقوض، بنموذج اقترن بالملك العاض ثم الجبري، اغتال الروح من الأمة: العدل والشورى. لن نخرج من غثائيتنا ما لم نخضع أنفسنا لنقد ذاتي صارم ونعالجها من داء الوهن: حب الدنيا وكراهية الموت، الذي يتولد عنه داء الأمم “الأشر والبطر والتكاثر والتناجش في الدنيا والتباغض والتحاسد حتى يكون البغي” كما عرفه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

4- منطق الدعوة ومنطق الساحة:

تفجرت بالحياة فئة من الأمة من قلب المنادب “الحسينية”، ثورة المسلمين الشيعة أبرزت المسلمين قوة يرهب جانبها. لكن منطق الدعوة تغير مساره بفعل ضغط الأحداث بدءا بقضية الرهائن الأمريكان إلى مقاتلة القومية البعثية، تحول إلى منطق الساحة العالمية، مدافعة ومناجزة.

بقي على الثورة الإسلامية الإيرانية أن تقدم مشروعا من صميم الدعوة يحمل رسالة لبناء الإنسان وإنقاذه من حضارة مريضة، بعد أن تم تجاوز الضغوط السياسية العالمية ومتطلبات الدولة الحديثة.

5- الغـلو والتطرف:

إن الغلو الذي يصيب شطرا من الشباب التائب مرجعه الأول إلى انتقاض عروة الحكم الشوري. يفقدون الثـقة في جوقة العلماء الرسميين السائرين في ركاب الطواغيت فيتصدون لما يحسبونه أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر ببضاعة مزجاة من العلم وقلة تجربة وحكمة وضعف تربية، يكفَرون هذا ويبدَعون ذاك لا علم لهم بمراتب أحكام الشريعة ومقاصدها وقواعد الأصول. لابد من معالجة هذا الجناح من الحركة الإسلامية لتقوى الذات الإسلامية على اقتحام عقبة الحكم دون خوف من التهشم ولا يكون ذلك الا بالرجوع إلى النفس لاستصلاحها لا مراقبة أفعال الناس وإحصاء أخطائهم.

6- فقه التجديد:

إن تلك الأمراض المذكورة آنفا مكمنها النفس، والقضاء عليها يتحقق بالعبودية لله تعالى والتحرر الكلـَي من سلطان الهوى. وهذا ما يؤهل الفرد المؤمن للانخراط عن كفاءة في صف جند الله دون خوف من حب الدنيا ورئاساتها. جماعة مخاطبة في القرآن بقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا) تكون في مستوى فقه تجديد الإيمان إذا صحبت “من” يبعثه الله ليجدد الدين، وذكرت الله تعالى وكانت صادقة في طلب وجهه سبحانه .

7- تحديات المستقبل:

أعظمها على المستوى الفردي هو كيف تكون من السابقين المقربين فتستحق أن تكون من “الإخوان” الذين اشتاق لرؤيتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا لا يكون إلا بإساءة الظن بالنفس وصبرها مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، فتفيء إلى ظله وتطمئن بذكره وتطهر من الغل وسائر الأمراض. وفي حق الدعوة يكون التحدي الأكبر هو كيف تحمل رسالة الرحمة للعالمين، تحد مؤسس على التحدي الفردي. تطبيق العلاج على رجال الدعوة ونسائها أولا ثم على العامة بعد ذلك وتربية الأجيال ليكون الطفل غرسة مباركة من أول يوم.

الفصل الثاني: الدعوة و الدولة

يعتبر المؤلف هذا الفصل من أهم فصول الكتاب.

1- افترق القرآن والسلطان:

كتب الشيخ الأزهري علي عبد الرازق كتاب “الإسلام وأصول الحكم” ودعا فيه وبرر مسألة إبعاد الدين عن السياسة. وكانت تحكمه اعتبارات سياسية محضة نظرا لانتمائه لحزب الوفد المعارض للملك فؤاد فتلقف الكتاب اللائكيون كما يتلقف الظمآن جرعة الماء. وردَ عليه وعليهم الإسلاميون مبرزين أهمية الدولة في الإسلام وكثر الجدل حتى غلب الظن أن الإسلام ما جاء إلا ليؤسس الدولة وغاب خطاب الدعوة الأساس، إنه نوع من اللاييكية الضمنية، إنه انعكاس في خطابنا لافتراق السلطان عن القرآن كما في الحديث المروي عن أبي نعيم حديث يبين مآل الحكم في يد حكام ظلمة دارت بهم رحا القدر فانتزعوا الدولة من يد الدعوة وأجبروا أهل القرآن على أحد طريقين: طاعتهم المضلة أو عصيانهم المؤدي بهم إلى القتل.

2- دورة الرحا:

الحديث السالف الذكر إشارة إلى دورة التاريخ الإسلامي من نبوة، خلافة على منهاج النبوة، ملك عاض، ملك جبري فخلافة ثانية على منهاج النبوة، دورة تبدأ من نظام حكم يملك الخليفة فيه مقاليد الدعوة والدولة ويرسل عماله يعلموا الناس دينهم، إلى ملك ذي مروءة وحكمة يقبل النصيحة لكنه يؤسس للعصبية الأموية إلى ملك سفيه سفاك لدماء آل البيت وأفاضل الصحابة والتابعين إلى ملك يصعد منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويهدد بأنه لن يداوي أمراض هذه الأمة إلا بالسيف وكانت العصبية العنيفة هي مرض الأمة العضال. إن غرباء الإسلام الموعودين بالصعود من الوهدة التاريخية لابد أن يعرفوا كيف دارت دورة النزول ليعكسوا في صعدتهم خصال الخلافة تخلقا وإيمانا.

3- العلماء والقائمون:

كان حجر بن عدي رضي الله عنه وأصحابه أول من قام ضد سلطة الحاكم الأموي الآمر بسبَ الإمام علي كرم الله وجهه، فكان مصيرهم القتل. وتتالت قومات الأئمة من آل البيت مساندة من قبل العلماء كأبي حنيفة ومالك والشافعي وكان القمع الوحشي هو الجواب المكرر, حتى أصبح اغتصاب السلطان واستبعاد الدعوة ورجالها أصلا مقررا، وكان أدهى ما فعله معاوية هو تولية ابنه يزيد وتحويله الحكم إلى ملك وراثي.

4- فتوى الاستيلاء و”عجز الطالب”:

من التقية التي لجأ إليها علماء الشيعة إلى الاستنكار المكبوت للحكم المتسلط عند السنة والجماعة آل الأمر إلى إضفاء المشروعية على حكم السيف الباطل شرعا وذلك تحت مسميات شتى منها “عجز الطالب” “وقوع الفرق بين الممكن والعجز” “الزمان بني على هذا” وفتوى صحة إمامة المستولي والطاعة له برا كان أو فاجرا. ولا يتعلق الأمر هنا بعلماء السوء الراتعين في القصور بل إنهم أمثال ابن تيمية وابن السبكي والماوردي والإمام أحمد. وإنما فعلوا ذلك حفاظا على بيضة الإسلام ليتفرغوا هم لحماية العقيدة من انحرافات الفرق الضالة، وقد لاقوا في ذلك الأذى الكثير ومحنة الإمام أحمد مع الحاكم العباسي في مسألة خلق القرآن نموذج صارخ.

5- أهل العلم بين التقليد والتلبيس:

علماء السوء قلة لكن جحافل من “العلماء” حاملي الشهادات والموظفين في مؤسسة الإسلام الرسمي ما زالوا يعيشون مقلدين لتلك الفتوى المظروفة بزمانها وأحوالها. وإن طموح رجال الدعوة العاملين إخراج أهل العلم والدين من ربقة التقليد لاجتهاد زيد أو عمرو من السابقين بإيمان إلى تقليد رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة المخبر بعودة الخلافة على منهاج النبوة، تعرضا لموعود الله ورسوله الذي يشرَف من قام وسط الفتنة والرقود. لا يفيد انتظار ملك صالح وقد كان، لكن النظام الذي أفرزهم وسجنهم في منطقه نظام فاسد. لطالما أنكر العلماء المنكر إنكارا عاما غامضا ونبَهوا لتلبيسات إبليس على السلاطين، لكنهم لم يتعرضوا لأم الويلات وبؤرة المنكر: الحكم العاض والجبري الذي اغتال الشورى بين المسلمين.

6- “أكره أن أدنسهم بالدنيا”:

قولة قالها الصّديق وقال قريبا منها الفاروق عندما سئل أن يستعمل أكابر الصحابة، كانا يريدان الإبقاء عليهم في عاصمة الخلافة مع استعمال الأكفاء من المسلمين حرصا على إبقاء جماعة المسلمين حاملة الدعوة مصدر إشعاع إيماني وإحساني تستنير به الأمة. إن التحدي الحاسم اليوم هو هل تستطيع الدعوة أن تبقى مستقلة الوجود ماضية الإرادة في وجهة التغيير الشامل الجذري للمجتمع أم تذوب في الدولة؟ هل تستطيع أن تحافظ على تماسكها التنظيمي وسلوكها الأخلاقي النموذجي وإشعاعها الروحي وخدمتها للأمة المفككة الغثائية وتكسب ثقتها رغم القصور الذي قد ينتاب الدولة الإسلامية؟ والتحدي الآخر عندما تستعمل الدعوة خبراء من خارجها ولا تستطيع الإشراف عليهم من قريب فيصبح الأمر دولة بلا دعوة . نستطيع رفع التحدي عندما يصبح لنا أقوياء أمناء وأمناء أقوياء والله هو الولي.

الفصل الثالث: الطاعة والمعارضة

1- “دين الانقياد”:

عبارة للعلامة ابن خلدون يستعملها لوصف المحكومين لسلطان العصبية، وتصلح عنوانا للداء المتسرب إلى النفوس الذي يوهم بشرعية الطاعة لحاكم لم يوف بشرطي بيعة تلزم الحاكم والمحكوم بأمر الله والرسول، وهما: الشورى في الاختيار والحكم بما أنزل الله. يشترك الديموقراطيون مع الإسلاميين في محاربة “دين الانقياد” لكن كل من موقعه. تدين القواعد الشعبية بدين الانقياد فلكأن طاعة الدولة القائمة “كتاب الله لا يضل ولا يعلم خلافه” خاصة إذا تسربلت بسربال الدين وهو وهم. يحتاج رجال الدعوة آنذاك لاستئصال مرض الغثائية وداء الأمم من جذوره معالجة طويلة الأمد بإمكانها بناء القوة الاقتحامية التي تخرق جدار العصبية القبلية وجدار العادات كما فعل الصحابة رضي الله عنهم.

2- البيعة وطاعة أولي الأمر:

في دولة القانون يجمع الحاكم والمحكوم عقد وهمي سماه روسو الفرنسي “عقدا اجتماعيا”، يطاع فيها القانون وتحفظ الحقوق وتستقر الدولة. أما في دولة الإسلام الشرعية فإن العقد الذي يجمع الطرفين عقد حقيقي يعطي فيه المحكوم صفقة يده ويلتزم الحاكم باتباع الشرع. على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت البيعة نوعين: بيعة إسلام وردت بنودها في الآية 12 من سورة الممتحنة وهي بيعة النساء، وبيعة جهاد، بيعة على الهجرة والنصرة، على حرب الأحمر والأسود من الناس، بيعة على نهكة الأموال وقتل الأشراف استجلابا لخيري الدنيا والآخرة. فلما استحالت بيعة إكراه منذ ملك معاوية اتخذت تحية الملوك الكسروية وسارت حركة سياسية دنيوية مقطوعة عن الحياة الحقيقية في الدار الآخرة.

3- أنشوطة في الأعناق:

ما هي حدود الطاعة، ومتى تجب ومتى تحرم؟

يمثل اجتهاد السابقين في فهم الأمر النبوي بطاعة الحاكم ولو جار غلا في الأعناق اليوم. لقد كان صلى الله عليه وسلم مخبرا بالغيب فكان يوجه أصحابه توجيهات خاصة لحالات معينة، ولم تكن أوامره على سبيل التشريع العام. وعموما فإن أحاديث طاعة الأمير ارتبطت بالكف عن سفك الدماء بين المسلمين ومحاربة العصبية والحفاظ على وحدة الجماعة حتى لو كانت على حساب فردي. وإلا فإن الطاعة المأمور بها هي النابعة من بيعة اختيارية يعطي فيها المبايع (بكسر الياء) ثمرة قلبه ويلتـزم فيها المبايع (بفتح الياء) بطاعة كتاب الله ولا طاعة لمن عصى الله. “وتسألني يا ابن أم عبد؟”.

إن الحقائق تقلب بفهم سطحي أو بفهم يبرر القعود، وما هي إلا الإرادة تكون صادقة في نصر شرع الله فـتبصر التوجيه الإلهي النبوي تبصرا صحيحا.

4- من هم أولو الأمر الواجبة طاعتهم؟

قال تعالى: “يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم” (النساء الآية58). هذه الآية تجيب عن السؤال إذا فسرناها بآيات أخرى من القرآن. قوله تعالى: “وأمرهم شورى بينهم” “وشاورهم في الأمر” يبين كيف يكون أولو الأمر من اختيار جماعة المسلمين. وطاعة الله وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي الضابط للعلاقة بين المحكوم الذي أعطى البيعة برضاه وأولي الأمر الذين أفرزتهم الشورى. ولا تكون البيعة إلا للخليفة الشرعي في زمن الخلافة الثانية الموعودة، أما في مراحل الدعوة والبناء فلا تسمى كذلك وإن كان التعاهد بين القيادة والقاعدة مطلوبا. نبني على الأساس الأول قبل انحراف الحكم ليكون بناؤنا امتدادا للنبوة والخلافة الراشدة الأولى. ولا يصلح لهذا الأمر أبناء الدنيا الذين جعلوا حكم الشورى عضا وجبرا، ويمكن الاستعانة بذوي الخبرة منهم في الإمارة الفرعية، ولا “علماء الآخرة” الفارون بدينهم، ولا الحريص على الرئاسة ولا التقي الضعيف. إنما يصلح له القوي الأمين، يمنعه الخوف من الله عز وجل ومن مسؤولية يوم الحساب من الزيغ حيث لا تراقبه عين الحسيب المقوّم بالمعارضة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكـر.

5ـ واجب المعارضة:

المعارضة واجب في جو المسؤولية العامة الشاملة، جو التآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر. هي حق لمن التزم بشرط “إن استقمت فأعينوني وإن أسأت فقوموني”. وهي أخذ ومحاسبة بالمعيار الأخلاقي الإيماني أولا ثم بمعيار الجدوى والإنجاز ثانيا. المسؤولية الشاملة التي يفصلها الحديث الشريف الذي ينتهي بقوله صلى الله عليه وسلم: “كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته” تنتظم الدنيا والآخرة. هناك طرفان مذمومان من وجوه المعارضة ينتصبان عقبة في وجه الحكم الإسلامي:

– الذهنية الرعوية المنقادة المتحالفة مع الظلمة في قمع الإسلاميين.

– المعارضة السياسية الديماغوجية اللامسؤولة التي تنصب الفخاخ وتضخم أخطاء المتحملين لأعباء الحكم الإسلاميين.

ويدخل في باب الذهنية الرعوية من يستـقيل من واجب المعارضة المسؤولة من باب ترك ما لا يعني، ومنهم من يرى أن مسؤولية الراعي لا تكون إلا بين يدي الله تعالى يوم القيامة وكأن الأمر يتعلق بإثم قلبي، بل إن المنكر المعلن والسيئة الجهرية يجب أن يسأل عنها مقترفها أيا كان مستواه، وأن يعارض وينتقد.

ومن مخلفات قرون السكوت تحت حكم السيف تصور تخلفي يسود لدى الإسلاميين في الجملة، تصور إجماعي يتوق إلى وحدة لا يسمع فيها همس مخالف. إن واقع وجود الخلاف بين الإسلاميين طبيعي يعالج بفسح المجال للرأي والرأي المخالف. ونجاح الدعوة والدولة يتوقف على القدرة في تصريف الخلاف من خلال قنوات معارضة صادقة، ولا تكون الموافقة الصامتة إلا بين الأموات أو المقهورين المسلوبين صوت الحرية، ولنا في خلافات الصحابة رضي الله عنهم دروس للاعتبار.

6- القطب الأعظم في الدين:

هي عبارة للإمام الغزالي رحمه الله يقصد بها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تعبر عن أهمية هذه الفريضة. وكان رحمه الله قد تدرج في قيامه بها من محاربة أهل الأهواء والمذاهب الضالة إلى أن رأى في حكم الظلمة المنكر العظيم الذي تجب معارضته و مقاطعته.

وفي غد الإسلام والخلافة الثانية يجب أن نفهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خلال الهدي النبوي الذي ينفي الإيمان عن الذي لا يتغير قلبه لرؤية المنكر بل ينذرهم بعذاب وشيك . ويحذر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته مما استحقت به بنو إسرائيل اللعنة، تحذير يجب أن ينحو المنحى العملي بمقاطعة أهل المنكر فرادى ومقاطعتهم بالإضراب العام حين يكونون قوة غاشمة ونكون نحن قوة معارضة منظمة فقيهة في دينها. وبعد أن تصبح قوة سياسية يرفعها الشعب لسدة الحكم يلزمها قدرة على التنفيذ تبنى لتكون قوة إرادية تغير بالفعل وتفعل بوازعي القرآن والسلطان. ولا يكون تغيير إن لم يكن جند الله مؤهلين التأهيل الإيماني العملي التنظيمي التنفيذي الذي تندمج فيه الخصال الروحية والأخلاقية بالقدرات العقلية التدبيرية وتوجهها.

7- المعارضة والتعددية:

يقرأ المسلم في سورة المجادلة عن حزب الله مقابل حزب الشيطان ويقرأ في سورة أخرى عن “الأحزاب” بصيغة الجمع يقصد بهم الكفار ،ويقرأ في السنة حديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الناجية، فيتولد لديه شعور الكراهية للتعدد والضيق بالخلاف. ويحتاج الفكر الإسلامي اليوم لمراجعة المفاهيم العملية السياسية الخاصة بالخلاف ومعالجته بالمرونة والرفق الضروريين للتعايش مع طوائف الناس ومع الفصائل الإسلامية المخالفة في الرأي والمذهب والموقف السياسي. إن السيرة النبوية توضح بكل جلاء أن حزب الله لم يكن كتلة واحدة مصمتة، فقد احتاج رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل غزوة بدر إلى أخذ رأي المهاجرين والأنصار كل على حدة، بل لقد كان رأي الناطقين الرسميين بلسان الأنصار سيدي الأوس والخزرج معارضا لرأي رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلحه مع غطفان يوم الأحزاب بعدما علما أن الأمر ليس وحيا من عند الله.

وقد كان لرأي المجدد الشهيد حسن البنا في المسألة تأثير على أجيال الإسلاميين، فقد كره رحمه الله التعدد والحزبية لما رآه في زمنه ومصره من التكالب على السلطة. إن سلوك سبيل الحزب الوحيد سيكون أكبر خطيئة ترتكبها الدعوة حين تمسك بالحكم وتقمع كل معارضة. تحكم على نفسها بالموت كما حكم الحزب الوحيد المفضوح في البلاد الشيوعية.

الفصل الرابع: تطبيق الشريعة

1- المصلحة والاجتهاد:

لا تستطيع أن تصمد في وجه الهزات دولة أسستها دعوة تتصرف تصرف الحزب الوحيد، باسم اجماع شعبي وهمي. تتصرف اعتمادا على القسر و القهـر لا على الإقناع والحوار والمشاركة والتدرج. تفسد رصيدها وشرعيتها التاريخية حين تتصدى للحكم جاهلة بالديناميات الاجتماعية والتقلبات في الرأي العام، ووجود معارضة للحكم بما أنزل الله. هذه المعارضة إن منعت وسجنت وقتلت دخلت سراديب السرية وصارت أشد خطرا بدلا من أن تكون انتقاداتها للحكم الإسلامي إهداء للعيوب. إن الحكم بشريعة الله كاملة أمر مقدس وهداية ونور وهو الضامن لمصلحة الناس، وهو العدل والخير والأمن، ومجرد التردد في القبول به يطعن في عقيدة المتردد ويخل بإيمانه. فالتفريق يجب أن يكون بين الشرع المنزل والتطبيق البشري الاجتهادي القابل للخطأ، والنقد يجب أن ينصب على هذا الجانب. لكن ليس من شأن الإسلاميين قبل الحكم وبعده التنقيب عما في القلوب ومحاكمة النيات ما دام الأمر لم يصل إلى الجهر بالكفـر والاستهزاء بالدين، وإنما الشأن في معرفة طوائف اللاييكيين المعارضين الذين يجمعون على أن العقل قبل الشريعة وهو الضامن لمصلحة المجتمع وهو الحق المطلق. في غد الإسلام هل تكتم دولته أنفاس كل معارض للشريعة؟ إن ذلك فعل الضعيف غير الواثق بما عنده من مبادئ، لذلك لا نخاف اليوم وغدا بحول الله مقارنة الآراء فيما بيننا وبين اللاييكيين كما لا يجب أن نخاف تعدد الاجتهاد فيما بين الإسلاميين فصائلهم وعلمائهم، وللشعب أن يختار بحرية بين البدائل.

2- الدنيا للآخرة:

“وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل.” هكذا عبر الإمام الشاطبي رحمه الله عندما كان الأمر جميعا في الأفهام، مصلحة الدنيا مرتبطة بمصلحة الآخرة. وفصل فقهاؤنا الأصوليون كيف تفسر التكاليف الشرعية على مراتبها بعلة ضمان مصلحة العباد وذلك بضمان الضروريات الخمس والتوسع بالمقاصد الحاجية وتكمل بالأهداف التحسينية. تمنع الشريعة بمقاصدها الفساد في الأرض لينصرف العبد إلى تهييء آخرته. كان هذا واضحا رغم آفة العض الحاكم.

لكن في يوم الإسلام وغده المصدر المعرفي لخصومنا ينبع من الثقافة الدوابية التي حصرت المصلحة في “اللذة” و”السعادة” و”الحياة”والفن وما الدين إلا موروث ومخزون نفسي.

مهمة الدولة في غد الإسلام إن شاء الله العمل على توفير المعاش الكريم للناس وهي دعوة في حد ذاتها وتأليف. إن علة العلل في الشريعة وأم المصالح هي “إخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبدا لله اختيارا كما هوعبد لله اضطرارا” كما يعبر الإمام الشاطبي.

3- وازعا القرآن والسلطان:

“لما يزع الله بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن” كلمة قالها الخليفة الراشدي عثمان رضي الله عنه في ظروف قل من يزدجر فيها بوازع القرآن كما كان العهد من قبل. وازع القرآن هو الأصل ويأتي سوط السلطان وحد الشريعة وتعزير القاضي ليسد الخلل في جماعة المسلمين وهو استثناء، وكلما كان وازع القرآن أقوى كلما ضاق الوازع الآخر.

عندما يوكل الأمر في التشريع لشرعة “الحرية” والمنفعة اللـذاتية، فإن القانون يتغير حسب هوى “الرأي العام”. أما شرع الله ففيه أحكام ثابتة قطعية تقابل ما في الكون والطبيعة من ثوابت، وبقيت مساحة واسعة سكت عنها الشرع تقابل المتغيرات. مطالب ثابتة وبواعث إيمانية إحسانية لا تتحول، وبثباتها تعلو الشريعة الإلهية على كل الشرائع. ولا يكون إصلاح حال المسلمين بتطبيق الروادع الشرعية، بل بإيجاد ما فقدوه من إيمان يزع الفرد ويربط الأمة برباط التآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر، هذا أولا ثم يكون لوازع السلطان مشغل.

4- قانون التدرج بل شريعته:

من سنة الدعوة التدرج في البناء، كان ذلك في مرحلة النبوة والخلافة الأولى حين تدرجت بالناس من جاهلية سائبة لإسلام متمكن. وكذلك اليوم تتدرج الدعوة بالناس من فتنة وشتات غثائي إلى قوة ووحدة وإيمان متجدد.

بالتدريج تنزل الوحي والتكليف والأحكام، نزل أولا من القرآن سورة من المفصل فيها ذكر للجنة والنار وبعد ذلك نزل الحلال والحرام. وهناك اليوم من يرى أن يبدأ الحكم الإسلامي بالعقوبات لأن التنزيل قد اكتمل، وهؤلاء مع صدقهم تغيب عنهم حقائق النفوس وأسرار الشريعة التي راعت صعوبة خروج النفس من هواها. إن تجذر العادات في الناس في كل مكان وزمان وتمكن الهوى حتى ليتخذ إلها لعلة مانعة في يوم الإسلام وغده مما منعته في عهد الصحابة والتابعين. يلزم مراعاة أحوال النفوس والزمان والمكان عند تطبيق الشرع، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: “إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين.”

5- “باب من ترك قتل الخوارج للتألف”:

وإذا أضفنا: “ولئلا ينفر الناس عنه” صار هو العنوان الكامل للباب السابع من كتاب”استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم” من صحيح الإمام البخاري وفيه فقه كبير في اعتبار أن هدف التأليف على الإسلام مقدم على عقوبة المخالفين ولو كانوا يستحقون القتل. إن الحدود والعقوبات تقي بناء الدين من الهدم وليست هي البناء نفسه. شريعة الإسلام وهديه دعوة رحيمة ويسر وتبشير، ومن بين 6232 آية هي مجموع القرآن الكريم اتفق العلماء على أن الحدود المقدرة في الشرع ستة تحفظ مقاصده الخمسة: المرتد يهدد حفظ الدين، القاتل يهدد مقصد حفظ النفس، الشارب يهدد حفظ العقل والزاني يهدد حفظ النسل، القاذف يهدد حفظ العرض والسارق وقاطع الطريق يهددان الأموال. وجعل الله بشرعته السمحة أسوارا بين الناس والعقوبة؛ سور وازع القرآن في قلب العبد، وسور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسور ستر المسلمين بعضهم بعضا، وسور درء الحدود بالشبهات، وسور الشفاعة في الحدود قبل وصول الخبر إلى القاضي وسور العفو وسور ستر الإمام على الجناة وسور وصية الله تعالى بأن لا يسرف في القتل.

6- التائبون الحافظون:

يقول الله عز وجل في سورة التوبة الآية 113: “التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله، وبشر المومنين”. من جملة وسائل الحفظ العقوبة، لكن أساس البناء التوبة وما يتبعها في هذا السياق الذي يصف المؤمنين الأقوياء الأمناء المؤهلين لحفظ حدود الله. يحتل المسجد مكانة جليلة في سياق التائبين الحافظين، فمنه انطلق البناء لدولة الإسلام الأولى ومنه تنطلق نهضة الخلافة الثانية على منهاج النبوة. يتجدد عزم رجال ونساء ويحيى فيهم الوازع القرآني، ويتوبون التوبة العميقة التي تقلب كل الموازين العقلية والقلبية الأخلاقية السلوكية، تجتمع مع ما تسلحوا به من علم وخبرة وكفاءة عملية فتؤهلهم لحمل رسالة الإسلام إلى العالم تغير وجهه وتجيب عن أسئلة الإنسان الضخمة فتدله على الكيفية التي تنتظم بها دنياه في سلك آخرتـه.

الفصل الخامس: العمران الأخوي

1- عمران وأخوي:

نقصد بالعمران ما شمل المدلول الخلدوني للكلمة وهو الازدهار الاقتصادي من زراعة وتجارة وبناء، ويضاف إليه المدلول العصري لكلمة حضارة: “الوسائل المنفعية المادية للحياة الإنسانية الاجتماعية” مربوطين بتوجه القاصدين المعمرين المتحضرين على منهاج السكة المستقبلية العابرة من الدنيا إلى الآخرة، مربوطين بمعاني عمارة المسجد وبمراد الله الشرعي من المؤمنين.

ويقصد بكون العمران أخويا احتضانه الأخوة الموصوفة في الشرع بين المسلمين المؤمنين، المأمور بها من قبله. أخوة تجمع التائبين من إسلام وراثي بال ومن شرك الحضارة المادية والقوانين الوضعية ،إلى إسلام يشترط فيه إقامة الصلاة الناهية عن المنكر، وإيتاء الزكاة المساهمة في التكافل الذي يطبع العمران الأخوي:” فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين” (التوبة الآية 11). التأليف القلبي بين المؤمنين والأخوة الحانية الخادمة العادلة المحسنة بين المسلمين هما المزيتان الظاهرتان، يراهما المراقب من خارج ويعيشهما العضو الحامل المشارك، ليس الرابط مواطنة جغرافية سياسية قومية فحسب بل مواطنة إيمانية أيضا “والذين تبوأوا الدار والايمان” (الحشر الآية 9).

2- خصائص العمران الأخوي:

المواطنة القلبية الإيمانية هي أم الخصائص في العمران الأخوي والظفر بمنهاجها ظفر بمفتاح أقفال الطبيعة البشرية وظفر بعلاج داء الأمم الناجع. علاج من داء الشح وهو حب الدنيا ومن حب المصلحة الخاصة والربح واللذة والمال والجاه وهي آلهة أبناء الدنيا وجنتهم. التحدي أمام أبناء الآخرة يتمثل في التصرف العملي المنتج المعطي في ملكية الدنيا التي أمر سبحانه عباده المؤمنين الإنفاق منها حيث جعلهم مستخلفين فيها. بالأمس تاق المستضعفون إلى أمل ينصفهم من غول الرأسمالية، فلما أفل نجم الاشتراكية هم اليوم متطلعون إلى رحمة وتكافل اجتماعي وأخوة باذلة يأتي بها المقتحمون للعقبات النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية على منهاج النبوة. فما هي عوارض إقامة العدل الإسلامي وما هي شروطه؟

أما عن العوارض فهي تتمثل في العقائد الدنيوية وقعود السواد الغثائي وقلة تجربة المقتحمين وضخامة الإرث الخرابي على كل الأصعدة، كل ذلك يؤثر في مدة قبول الحكم الإسلامي من قبل الكافة.

أما شروط إقامة العدل الإسلامي وإحلال العمران الأخوي فهي:

ـ استـقرار الحكم على الشورى وهو الشرط الأساسي.

ـ مشاركة العامة في تنظيم الجهود لبناء القاعدة الاقتصادية الضرورية.

ـ وضوح الأهداف عن طريق برامج قابلة للتطبيق.

ـ ملاءمة الوسائل المتاحة للأهداف الإسلامية.

3- الزكـاة:

لفريضة الزكاة وجه عبادي تربوي إيماني وهي بشروطها ونصابها تطهر الفرد من شح نفسه وتؤهله للفلاح الأخروي إن جمع إليها الصلاة وذكر الله.هذا وازع القرآن، ولوازع السلطان الإلزام الصارم بأدائها في حق الممتنع. والوجه الثاني لهذه الفريضة وظيفتها الاجتماعية العمرانية التي لا تنفك عن الوجه الأول، تصب العبادة الفردية في الصلاح العام الذي يعود على الفرد رحمة ومودة وأمنا. لكن كيف الحديث اليوم عن الزكاة في عصر العلوم والمعلوميات وسائر منجزات العصر؟. الزكاة في ظل الخلافة الثانية إن شاء الله ينبغي أن تتجدد حيويتها ويتوسع نطاقها وأن تتحول من فريضة فردية اختيارية إلى سياسة للدولة ومساهما قارا في اقتصادها، يجب أن تجمع الوظيفة الضمانية التوزيعية حيث يصيب منها الأصناف الثمانية المفصلة في القرآن ووظيفة التوفير والتجميع والاستثمار والتنمية. وقد اجتهد فقهاء العصر وعلى رأسهم د. يوسف القرضاوي في كتابه “فقه الزكاة” فوسع وعاء الزكاة لتشمل كل المداخيل والثروات بما فيها أسهم الشركات.

4- في المال حق سوى الزكاة:

“المفارقة” و”المجتمع التضامني” هذا ما جاء ينشده في الإسلام الفيلسوف النصراني الشيوعي سابقا رجاء جارودي. لكنه ما يزال حائرا بسبب الإسلام الثقافي في أمر الموت والآخرة. سعي المسلمين لبناء آخرتهم والإنفاق في سبيل الله بلا حساب ولا شح هو ما يضمن بناء المجتمع التضامني، وذلك حين يتحول الاقتصاد الفردي الرأسمالي الغابوي إلى اقتصاد إنساني آدمي يحمي المحتاجين؛ يحميهم بالزكاة وهي الحد الأدنى من الإنفاق. وتفرد الإمام ابن حزم رحمه الله بالدفاع عن وجوب حقوق في المال غير الزكاة، وبسط أدلة اجتهاده رجاء تطبيق مستقبلي يجتمع فيه وازع السلطان مع وازع القرآن لتوفير الخير لساكني العمران الأخوي. ومن بين أدلته ما رواه الإمام مسلم بسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له.” قال: فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل. ومنها وعيد منع الماعون في القرآن حيث يمكن أن نوسع الفهم ليشمل أدوات الإنتاج والعمل. وهكذا ننتقل من الملكية الخاصة وهي إحدى شروط الاستخلاف إلى ما يمكن أن تؤديه من وظيفة اجتماعية.

5- الـبـر والبذل:

وصف الفيلسوف المسلم جارودي داء الحضارة المادية وصف الخبير؛ إنها الفردية الأنانية ، ورجا أن يأتي الإسلام بالمجتمع التضامني فيجد فيه الإنسان مستقبلا ذا وجه إنساني. كان قد حارب هذه الأنانية زمانا من زاوية النقد الاشتراكي، لكنه عاد بخيبة أمل بعد خراب البناء الشيوعي الذي حلم مؤسسوه بمجتمع دون طبقات ودون حرية في التملك فعاكسوا بذلك الفطرة البشرية. محو الفوارق بين الأغنياء والفقراء في العمران الأخوي لن يكون إلا بإيقاظ الوازع القرآني في القلوب فتطهر من الكراهية والجبن والشح وسائر الأمراض فتستحيل الأنانية الفردية إلى مجتمع محبة وتطوع وعطاء ورخاء وعدل وإحسان. نيل البر مرتبط بشكل كبير بالبذل، فهو بعد التسليم بأركان الإيمان إنفاق للمال على حبه ، “وابدأ بمن تعول” كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. وندب الإسلام إلى صلة الرحم وكفالة الوالدين كما أوصى باليتامى والأرامل والعجزة.

من شأن البذل أن يصون حرمة المسلم فيجعله نشطا منتجا مقدما لآخرته لا عالة سائلا خاملا.

6- العدل والتنمية:

“الشريعة عدل الله بين عباده ورحمته بين خلقه وظله في أرضه” هكذا قال الإمام ابن قيم الجوزية في (إعلام الموقعين)، العدل ظل الله لا السلطان. وما تقدم في الفقرات السابقة من فضائل البر والعطاء فمشروط بتوفير الوسائل. البر توسع في الخير ولا توسع إذا لم يتوفر الحد الأدنى وهو العدل وهو التنمية. العدل المنشود في دولة الإسلام هو ما يستقر به المجتمع وتتوحد عليه الأهداف وتسخر له الوسائل، والتنمية هدف مشترك بين كل السياسيين. وإنه لفرق واضح بين ظروف المعارضة وظروف المسؤولية التي تضغط فيها أولويات توفير الأرزاق وتمويل المشاريع وإدارة الاقتصاد وتعبئة الطاقات والتنافس في السوق العالمية، إنه مشروع مستديم لا عدل بدونه.

إن العالم اليوم يسيطر على خيراته دول رأسمالية جشعة كل همها الاستهلاك والوفرة حتى صارا غاية الغايات ومحط نقد العقلاء من أمثال جارودي، وإن سعينا لمزاحمة الأقوياء الأغنياء من أجل امتلاك وسائل التنمية، وهو قدر ابتلائي كما هو أمر تكليفي، سيشغلنا عن نداء الغايات: نداء الأخوة بين المسلمين والرحمة للعالمين خاصة المستضعفين. سيشغلنا إذا كانت الدولة سيدة الدعوة، وبالتالي سوف لن نخرج من دائرة الحكم الفتنوي وإن سمينا نظامنا إسلاميا.

7- النفط:

وجود النفط في بلاد المسلمين (أزيد من %80 من المخزون العالمي) آيــة من آيات الله العظمى في هذا العصر، وكون هذا النفط هو عصب الاقتصاد العالمي آية أخرى وابتلاء عظيم. يتحالف الاستكبار العالمي مع الحكم العاض الفاسد المفسد لضمان ضخ نفط المسلمين إلى مصانع الدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، بأقل سعر. لم يكتف الغرب بالحلفاء العرب، بل زرع خفيرا مخلصا وامتدادا له هي دولة إسرائيل؛ ثم لم يكتف بذلك وعاد إلى خيار الاحتلال المباشر لمنابع النفط. وكان الداعي لهذا الخيار هو ما طرحه احتلال صدام البعثي لإمارة الكويت بعد أن استـقوت آلته الحربية بفضل الدعم الغربي اللامحدود له في حربه لإيران. طرح صدام بكل شجاعة المسألة الجوهرية في الاقتصاد العالمي: النفط والتحكم في أسعاره وحق المسلمين في ثروة عائداته. وننتظر ما ستسفر عنه معركة ستكون بلا شك من أقوى وأعمق الهزات في تاريخ المسلمين. أبرز القدر على يد صدام حقائق اللعبة السياسية التي تتذرع بالقانون الدولي، فكيف سيتعامل الإسلاميون يوم تؤول إليهم مقاليد السلطة مع هذا الوضع؟

إن العالم اليوم في مخاض لميلاد الإسلام الجديد, يجب أن لا يغيب عنا هذا اليقين.