في وضح النهار وعلى مرأى ومسمع من الملأ، تقوم جرافة مسخرة من قبل المخزن باقتحام فضاء الغير، تنتهك حرمته، تدوس ممتلكاته، وتحطم كل ما علا سطح رماله.. تصول وتجول في كل أرجائه، متبخترة متشفية، كأنها تطفئ نار غيض وحقد كانت ملتهبة في جسدها تلتهمه منذ زمن ..!

كانت نسمات الربيع تطل على المكان.. والأجواء تستشرف وتتهيأ لاستقبال موسم استجمام جديد، لتدب فيها الحياة مرة أخرى وتشيع الفضيلة في جنبات المخيم.. لكن بطشة المخزن حولته إلى حطام وخلفت وراءها الدمار والخراب، ساحة مقفرة موحشة كأنها مشهد من مشاهد الفناء!

ومع ذلك، لم يشف هذا غليل رجال المخزن، فعادوا بعد فترة، وأضرموا النار في الحطام الذي خلفوه لتكتمل الصورة ويستوي المشهد، فأخذت اللوحة لونا آخر، لونا يعكس ما في صدور الفعلة..لون السواد والظلمة !

تلكم قصة هدم وإحراق مخيم السعادة بشاطئ بوقانا الواقع بمدينة بني انصار إقليم الناظور، بدعوى أن مديره متعاطف مع جماعة العدل والإحسان..!

واليوم أستعرض هذه المشاهد في الذكرى الخامسة لتلك الجريمة الشنعاء التي اقترفها المخزن ببرودة دم غريبة ونادرة، لا أجد لها مثيلا إلا في سير هولاكو وأمثاله قديما وحديثا.

إرهاب الدولةأنا أؤرخ لقمة إرهاب الدولة في المغرب منذ هذا التاريخ، يوم الأحد 30 أبريل من عام 2000 كانت هناك أحداث وجرائم وسنوات رصاص قبل هذا التاريخ وذاكرة الشعب لا تنسى.. لكن هذا الحدث له طابعه الخاص، فمكان الجريمة شاطئ البحر، وهو موقع طالما راهنت عليه السياسة المخزنية لتمييع أخلا ق الشعب وتشويه فطرته وطمس هويته ومسخ كرامته.. مكان أخذ يعرف إقبالا منقطع النظير للأسرة المغربية التي تحب الحياة وتعشق الحرية وتريد التمتع بما أحله الله لعباده من نعم في جو من الحشمة والالتزام بأخلاق ديننا الحنيف..

فرح الناس وشدوا الرحال إلى مخيم السعادة من كل مدن الشرق ومن فاس ومكناس و من المدن والقرى المجاورة لهما، حيث فَرْط الحرارة يحبس الأنفاس ويذهب لذة الطعام ويعكر سكون الليل وصفو النعاس..

لكن المخزن يأبى أن ينفتح المغاربة على بعضهم البعض، يأبى أن يرى المغاربة يشقون الطريق نحو الحداثة التي تنمو في أرضهم وتروى بمائهم وتستنشق هواءهم، وتتعهدها أيادي طاهرة متوضئة، تسمي الله في كل خطوة وترعى الله في كل حركة وترجو الله في كل لحظة، أن يبارك وينمي ويزكي ويُرْبي..

المخزن يرفض نمط الحياة الأصيل، يرفض الحداثة كما أرادها الشعب واختارها أبناء وبنات المغرب يرفض أن نقول “حْنا مْغَارْبَة” ليس ادعاء الغثاء المجتث الذي لا قرار له، بل دعوة الواثق الراسخ الذي أصله في الأرض ونداءه يرفرف في السماء.

أليس رفض وقمع اختيار الشعب هو قمة الإرهاب؟ الأمر لا يتعلق بخصم سياسي أو بمنافس على الكراسي، إنما هو رجوع وأوبة إلى فطرتنا ونزوع وعودة إلى جذورنا، فأين الخطر في هذا ؟

ألم تكن وما تزال كثير من الشواطئ المغربية تُسَير عُنْوة على النمط الغربي، نمط الدول والشعوب المحبة “للحرية” كما يروج لها بوش وأذنابه؟ الحرية التي لا تعني شيئا آخر سوى أن تفكر كما يفكرون وتتصرف كما يتصرفون وتعانق اقتناعا تهم وتقبل أسلوبهم في الحياة، وما عدا ذلك، ما عدا الإباحية في كل شيء والانحلال من كل ضابط ووازع، والاندفاع نحو كل الغرائز بشتى الطرق والوسائل.. فهو ظلامية وتحجر وترويج لخطاب الكراهية ورفض للحداثة !

لقد أعلن المخزن في المغرب الحرب على الطهْر والعِفة منذ ذلك التاريخ، ولقد لاحظ الناس كيف أغرقت بعض الجهات المتنفذة في الدولة منطقة شاطئ السعيدية في صيف 2001 بمئات من بائعات الهوى والمتاجرات في الرذيلة بأبخس الأثمان، حتى أن اللاهثون وراء هذا المتاع الفاحش استنكروا ذلك..

يقوم صاحب المخيم، الذي استثمر فيه ماله وجهده ووقته، ويرفع دعوى أمام القضاء لينصفه ممن ظلمه، باشا مدينة بني انصار آنذاك، لكن لعنة التعليمات تتابع القضية وتتلف أوراق الملف ثم في نهاية المطاف تأمر بحفظه والسكوت عنه ! وهكذا يعطي لنا القضاء المغربي درسا عمليا وبليغا في معاني العهد الجديد وفي مقولة “ما ضاع حق وراءه طالب” وفي مبدأ فصل السلط واستقلالية القضاء.

حروب..!ماذا نتذكر في هذا اليوم ؟ وبماذا نتغنى ولأي شي نؤرخ ؟

30 أبريل 2000 كانت بداية عهد جديد، تَلَتْه وقائع منع أعضاء جماعة العدل والإحسان من حقهم الذي يخولهم لهم الدستور كمواطنين في ارتياد الشواطئ المغربية قصد التجول والاستجمام، والتي عرفت أطوارها في إعلامنا “بحرب الشواطئ”.. وفي العاشر من دجنبر 2000 جاءت الهجمة الشرسة على أعضاء نفس الجماعة خلال تنظيمهم لوقفات احتجاجية سلمية في ثماني مدن مغربية هي وجدة وفاس وتطوان وطنجة والرباط والدار البيضاء ومراكش وأكاد ير بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان، لاستنكار الأوضاع المتردية في المغرب والتي طالت كل الميادين وقد أسفرت، فيما عرف في إعلامنا “بحرب الشوارع”، عن إصابة العديد من المتظاهرين من الرجال والنساء واعتقال العشرات منهم ثم محاكمتهم في حالة سراح في جلسات مراطونية.. ومنذ ذلك التاريخ ومهازل القضاء تتوالى وتتعاقب، حتى أدركتها محاكمات من عُرفوا بأعضاء “الخلية النائمة لتنظيم القاعدة” في المغرب، وأعضاء “السلفية الجهادية” بعد تفجيرات 11 شتنبر بنيويورك.. وأخيرا فاجعة 16 ماي بالدارالبيضاء والتي سيَعرف خلالها سجل انتهاك حقوق الإنسان في المغرب أحد أبشع وأفظع أطواره وحلقاته.. ودائما تحت يافطة “العدالة المغربية” التي شاخت وهَِرمَت وأبت أن تتخلى وتنزل من الحلبة قبل أن يُوشَح صدرها بوسام القبول والعطف الأمريكي.. “قانون الإرهاب” الذي فتح الباب على مصراعيه أمام جهابذة المخزن ليُسَخروا فصوله حسب أهوائهم ِلتَعَقب كل نَسْمة حرية وكل كلمة حق على صفحات الجرائد والمجلات وليعرف المشهد الإعلامي ضجة ورجة لم يسبق لهما مثيل، فمُنعت الجرائد واعتقل الصحافيون وأصحاب الرأي، فمنهم من أودع السجن ثم شملهم العفو، ومنهم من صدرت في حقهم أحكام نافذة وأدركهم لطف العفو قبل أن يرموا في غيابات السجن.. ومن أصحاب الرأي، ومنهم الأستاذ محمد العبادي عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان، الذي صدرت ضده نفس الأحكام.. لكن ملفه ظل ماثلا أمام القضاء لأنه لم يطلب العفو.. حتى صدر في حقه حكم يبرئه من كل ما نسب إليه، وللمتتبع أن يفك لغز هذه المحاكمة وغيرها من قبل ومن بعد كثير فيما قد أعرفه “بحرب المحاكم” والمعلنة -كسابقاتها من الحروب- على جماعة العدل والإحسان، من طرف واحد وهو المخزن!

رسالتي إلى المخزنلا أعود إلى هذه الأحداث اعتباطا أو من قبيل الصدفة، أو لمجرد اجترار الكلام، لكن غرضي من ذكرها وتَذَكرها هو أن أُسْهِم مع غيري ممن يحبون هذا الوطن وأهله، ويرجون له غدا أفضل، في تضميد جراح الشعب وفي نزع فتيل الفتنة وفي تهدئة الخواطر وجبر النفوس وبذر معاني الحب والرفق والصبر والتُؤَدَة..حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا!

أذكر هذه الأحداث لأبين كيف صبر ضحاياها، وكيف تركوا الرياح تمر دون أن يتصدوا لها ويقفوا في طريقها معاندين متهورين فتكسر شوكتهم وتشتت أمرهم، كيف انحنوا كما تفعل السنبلة التي تثاقلت وتعاظمت بما تحمله أحشاؤها من حبات الزرع والقمح النافعة للناس، تاركة السبيل ميسرة للرياح حتى تمر دون أن تحطمها وتضيع ما تكتنزه.

أذكرها وأذكر المخزن ومن يدور في فلكه بأن سجل أخطائه واستبداده وطغيانه قد اسودت صفحاته وأن الله يغار على حرماته، وليس أغلى عند الله بعد دين الحق من حرمة العبد وكرامته، وأن غيرته جل وعلا تتجلى في الكون وفي عالمنا وبين ظُهْرانَيْنا، بأشكال وظواهر وأحداث مختلفة، هي في حقيقتها ابتلاء وامتحان ورسالة إنذار لمن يعي ذلك، “لكنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور” والناس يقرأون ذلك التجلي قراءة الأرقام والحسابات الأرضية الدنيوية، فتارة يقولون في تعاقب سنوات الجفاف على بلدنا بأنها أحوال الطقس وتقلباته، وتارة يرجعون سبب بعض الأحداث إلى تنامي خطاب الكراهية في أوساط الشعب..وأخرى يقولون فيها بأنها ظواهر فيزيائية ناتجة عن تقارب صفحة شمال إفريقية بالصفائح الأوروآسيوية المعروفة بكثرة الهزات الأرضية.. وتتنوع التفسيرات بتنوع مظاهر العقاب الإلهي وقلوب الناس غافلة عن حقيقتها ومصدرها وسببها..

رسائل إنذار! ورسالتي إلى المخزن أقول فيها بأن الشعب المغربي قد أثْخَنَتْه الجراح التي سببته سياسته الفاشلة وتدبيره المستبد لشؤونه، وأعياه ثقل وطْئتِه وطول مُكوثه الظالم.. وقد فوض أمره إلى ربه وألجأ إليه ظهره ولسان حاله يقول “وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد” وهو سبحانه نعم المولى ونعم النصير ولا أجد له بعد هذا مقالا إلا قوله تعالى في أواخر سورة فاطر وهي مكية:

“إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا. وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونُن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا. استكبارا في الأرض ومكر السيئ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنت الأولين فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا. أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم و كانوا أشد منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليما قديرا. ولو يؤاخذ اللهُ الناسَ بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فإن اللهَ كان بعباده بصيرا.”

“ومن أصدق من الله قيلا” والحمد لله رب العالمين.