في حرم الله .. وبين يدي رسول الله؟!روى الترمذي عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ مَكَّةَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ يَمْشِي وَهُوَ يَقُولُ:

خَلُّوا بَنِي الْكُفَّـارِ عَنْ سَبِيلِهِ *** الْيَوْمَ نَضْرِبْكُمْ عَلَى تَأْوِيلِهِ

ضَرَبًا يُزِيلُ الْهَامَ عَنْ مَقِيلِهِ *** وَيُذْهِـلُ الْخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ

فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا ابْنَ رَوَاحَةَ، بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي حَرَمِ اللهِ تَقُولُ الشِّعْرَ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “خَلِّ عَنْهُ يَا عُمَرُ، فَلَهِيَ أَسْرَعُ فِيهِمْ مِنْ نَضْحِ النَّبْلِ”.

وفي رواية أخرى للنسائي قَالَ عُمَرُ يَا ابْنَ رَوَاحَةَ: فِي حَرَمِ اللهِ وَبَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَقُولُ هَذَا الشِّعْرَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : “خَلِّ عَنْهُ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَكَلاَمُهُ أَشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنْ وَقْعِ النَّبْلِ”.

خاصيتان عظيمتان من خصائص المشروع الفني الذي نؤسس له تمنحنا إياهما روايتان اثنتان لحديث نبوي واحد:

1- سرعة في الانتشار.. “أَسْرَعُ فِيهِمْ”.

2- وفاعلية في التأثير.. “أَشَدُّ عَلَيْهِمْ”.

يرى البعض أنه ليس من شأن الفن ولا من مهماته أن يُحَمَّلَ رسالةَ الدعوة لأننا بهذا نَئِدُهُ أو نقيده وهو لا يترعرع ولا ينمو ولا يُثمر إلاَّ في أجواء الحرية..

هي نظرة تريد للفن أن ينحسر في فردية رهبانية انعزالية انطوائية منكمشة على ذاتها؛ ناقصةُ عقلٍ هي إذْ لا بَصَرَ لها بشؤون زمانها: “وعلى العاقل أن يكون بصيراً بشؤون زمانه…” رواه ابن حبان في صحيحه والحاكمُ وقال صحيح الإسناد.

وروى الإمام أحمد عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَنْزَلَ فِي الشِّعْرِ مَا أَنْزَلَ.. فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ الْمُؤْمِنَ يُجَاهِدُ بِسَيْفِهِ وَلِسَانِهِ.. وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَكَأَنَّ مَا تَرْمُونَهُمْ بِهِ نَضْحُ النَّبْلِ”.

جهاد السيف واللسان.. في صف واحد&

وعِظمُ الجهاد يكون بعِظم القلب الذي يحمل آلته وبعظم مردوديته في الميدان..

النظرة التي لا بَصَرَ لها بشؤون زمانها تريد إقصاء الفن عن أن يقوم بدوره الإنساني الكوني التاريخي الرباني.. لا تريد “تَسْيِيسَ الفن”!! لا تريد “أَدْلَجَةَ الفن”!! في الوقت الذي يَجْلب فنُّ غيرنا من الناس بِخَيْلِهِ وَرَجْلِهِ على بيوتنا وقلوبنا وعقولنا وأعمارنا ومصيرنا دنياً وأُخرىً.

هي نظرة تُغَنِّي بعيداً عن السرب..

وتَسْرَحُ على هامش الْخشبة..

وتراقب الأحداث من خارج التاريخ.

ويرى بعضٌ آخرُ من الناس أن الدعوة هي أَغْنَى ما تكون عن الفن وعن ما يَهُبُّ علينا من رياح الفن! وأننا ينبغي أن نعوِّل في إيصال رسالتنا على التواصل المباشر بين الناس وبين الوحي دُونَمَا حاجة إلى ترجمان.

إن حال أصحاب هذه النظرة كحال من يريد أن يَنْفُذَ من أقطار السماوات والأرض؛ أنَّى يستطيع؟! إلاَّ بسلطان…

نظرتان هما إلى الفن مختلفتان في مُنطلقهما متحدتان في نتيجتهما:

الأولى تريد الحفاظ على جمال الفن من وَهْجِ السنابك ومن الغبار الأطيب في سُوحِ الوغى!!

والثانية تريد الحفاظ على قدسية الدعوة أن تُلَوِّثَهَا “أدران الفن والفنانين”!!

وبكلتا النظرتين وبحسن نية نقطع من أرحام الدعوة ما أمر الله به أن يوصل.

صِلَةٌ ينبغي أن تتمثل أولَ شيء مع مَنْ حولنا.. مع أنفسنا.. مع ذاتنا.. مع من هم منا ونحن منهم.. وفيما بين مَنْ خلقهم الله من نفس واحدة وبثَّ منهم رجالاً كثيراً ونساء..

منبر حسَّانكان الشعراء في الجزيرة العربية يكتسبون سحر البيان من بيئتهم التي كان الشعر أحد أركانها المعنوية، وكان الشاعر لسان حال القبيلة ورافع لوائها بين القبائل، وكان سوق عكاظ مؤتمرا عاما للشعراء وناديا يتطارحون فيه إبداعاتهم ومساجلاتهم الفنية التي عبرت على طول مرحلة ما قبل البعثة عن مدى الفرقة التي شتتت شمل قلوب العرب وقبائلهم.

وجاء الإسلام؛ حاملاً معه رسالة الإيمان بالله واليوم الآخر، فاستوعب القلوب ووحد القبائل تحت لواء التوحيد، ووجَّه ما كان بالأمس سلاحاً طاحنا للعرى إلى آلة للبناء في الآفاق والأنفس.

كان المسجد في العهد النبوي ملتقى المؤمنين الأولَ، ومدرسَتَهُم الأولى التي خَرَّجَتْ الرجال والنساء من طينة من يحكي عنهم التاريخ الأغر. ولكن المسجد كان، كذلك، منبراً لتحفيز الهمم ورفع “الروح المعنوية” بفن العرب الأول آنذاك: الشعر.

أن يكون للمؤمنين مجمع يتناشدون فيه الشعر أمر ليس غريبا عمن كانوا يقيمون للكلمة الموزونة المقفاة ألف اعتبار، لكن وضع منبر خاص لشاعر الرسالة في قلب المسجد النبوي لهو أجدر بتأمل طويل.

أخرج الترمذي في سننه عن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع لحسان منبراً يقوم عليه قائماً يفاخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قال: ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “إن الله يؤيد حسان بروح القدس ما يفاخر أو ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم”.

منبر للشعر في المسجد النبوي بَدَلَ سوق عُكاظ!!!

الشعر كان لسان العرب الأفصح، وفي عصرنا هذا تتعدد الألسن وتتناسل خاصة مع وسائل الاتصال التي حطَّمت الحدود اللغوية والفنية والذوقية، وأصبحت الفنون ألسنة مشتركاً فيها فيما بين البشر.

اختيار المسجد فضاءً يتوسطه منبر لإنشاد الشعر إشارةٌ إلى أن خطابنا الفني لا بد أن يتفيَّأ ظلال المسجد ويصطبغ بصبغة الوحي ويستنير بنور النبوة ويسير على هداها بأن نَسْتَنْبِتَ الفنون في تربة الوحي ونسقيها بماء النبوة، لتكون قمينةً بأن تخاطب الناس من على منبر حسان رضي الله عنه.