بسم الله الرحمن الرحيم “فأما من أعطى واتقى، وصدق بالحسنى، فسنيسره لليسرى. وأما من بخل واستغنى، وكذب بالحسنى، فسنيسره للعسرى. وما يغني عنه ماله إذا تردى” سورة الليل من الآية 5 إلى الأية11.

فيما يلي تفسير بعض المفسرين الأجلاء لهذه الآيات البينات من سورة الليل:

تفسير البغوي

“فأما من أعطى”، ماله في سبيل الله، “واتقى”، ربه. “وصدق بالحسنى”، قال أبو عبد الرحمن والضحاك: وصدق بلا إله إلا الله، وهي رواية عطية عن ابن عباس. وقال مجاهد: بالجنة، دليله: قوله تعالى “للذين أحسنوا الحسنى” يعني الجنة. وقيل “صدق بالحسنى”: أي بالخلف، أي أيقن أن الله تعالى سيخلفه. وهي رواية عكرمة عن ابن عباس. وقال قتادة ومقاتل والكلبي: بموعود الله عز وجل الذي وعده أن يثيبه. “فسنيسره”، فسنهيئه في الدنيا، “لليسرى”، أي للخلة اليسرى، وهي العمل بما يرضاه الله عز وجل. “وأما من بخل”، بالنفقة في الخير، “واستغنى”، عن ثواب الله فلم يرغب فيه. “وكذب بالحسنى”. “فسنيسره للعسرى”، سنهيئه للشر بأن نجريه على يديه حتى يعمل بما لا يرضي الله، فيستوجب به النار. قال مقاتل: نعسر عليه أن يأتي خيراً. وروينا عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ما من نفس منفوسة إلا كتب الله مكانها من الجنة أو النار، فقال رجل: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ قال: لا ولكن اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما أهل الشقاء فييسرون لعمل أهل الشقاء، وأما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، ثم تلا: ” فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى * وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسره للعسرى “”.

قيل: نزلت في أبي بكر الصديق اشترى بلالاً من أمية بن خلف ببردة وعشرة أواق، فأعتقه فأنزل الله تعالى: “والليل إذا يغشى” إلى قوله: “إن سعيكم لشتى” يعني: سعي أبي بكر وأمية. وروى علي بن حجر عن إسحاق عن أبي نجيح عن عطاء، قال: “كان لرجل من الأنصار نخلة وكان له جار يسقط من بلحها في دار جاره، وكان صبيانه يتناولون منه، فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: بعنيها بنخلة في الجنة فأبى، فخرج فلقيه أبو الدحداح، فقال له: هل لك أن تبيعها بحش البستان، يعني حائطاً له، فقال له: هي لك، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أتشتريها مني بنخلة في الجنة؟ قال: نعم قال: هي لك، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم جار الأنصاري فقال: خذها. فأنزل الله تعالى: “والليل إذا يغشى” إلى قوله: “إن سعيكم لشتى” سعي أبي الدحداح والأنصاري صاحب النخلة”. “فأما من أعطى واتقى”، يعني أبا الدحداح، “وصدق بالحسنى” الثواب “فسنيسره لليسرى” يعني الجنة، “وأما من بخل واستغنى” يعني الأنصاري، “وكذب بالحسنى”، يعني الثواب، “فسنيسره للعسرى”، يعني النار. “وما يغني عنه ماله”، الذي بخل به، “إذا تردى”، قال مجاهد: إذا مات. وقال قتادة وأبو صالح: هوى في جهنم.

تفسير الطبري

وقوله: فأمّا مَنْ أعْطَى وَاتّقَى يقول تعالى ذكره: فأما من أعطى واتقى منكم أيها الناس في سبيل الله, ومن أمَرهُ الله بإعطائه من ماله, وما وهب له من فضله, واتقى الله واجتنب محارمه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

28937- حدثنا حميد بن مسعدة, قال: حدثنا بشر بن المفضل, قال: حدثنا داود, عن عامر, عن عكرِمة, عن ابن عباس, في قوله: فأمّا مَنْ أعْطَى وَاتّقَى قال: أعطى ما عنده واتقى, قال: اتقى ربه.

حدثنا ابن المثنى, قال: حدثنا عبد الرحمن بن مَهْديّ, قال: حدثنا خالد بن عبد الله, عن داود بن أبي هند, عن عكرِمة, عن ابن عباس فأمّا مَنْ أعْطَى من الفضل واتّقَى: اتقى ربه.

28938- حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة فأمّا مَنْ أعْطَى حقّ الله وَاتّقَى محارم الله التي نهى عنها.

حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: فأمّا مَنْ أعْطَى وَاتّقَى يقول: من ذكر الله, واتقى الله.

واختلف أهل التأويل في تأويل قوله تعالى: وَصَدّقَ بالْحُسْنَى فقال بعضهم: معنى ذلك: وصدّق بالخلف من الله, على إعطائه ما أعطى من ماله فيما أعْطَى فيه مما أمره الله بإعطائه فيه. ذكر من قال ذلك:

28939- حدثني حميد بن مسعدة, قال: حدثنا بشر بن المفضل, قال: حدثنا دواد, عن عكرِمة, عن ابن عباس, في قوله: وَصَدّقَ بالْحُسْنَى قال: وصدّق بالخَلَف من الله.

حدثني محمد بن المثنى, قال: ثني عبد الأعلى, قال: حدثنا داود, عن عكرِمة, عن ابن عباس: وَصَدّقَ بالْحُسْنَى يقول: وصدّق بالخلَف من الله.

حدثنا ابن المثنى, قال: حدثنا عبد الرحمن بن مَهْدِيّ, قال: حدثنا خالد بن عبد الله, عن داود بن أبي هند, عن عكرِمة, عن ابن عباس وَصَدّقَ بالْحُسْنَى بالخلَف.

حدثني يعقوب, قال: حدثنا ابن عُلَية, عن داود, عن عكرِمة, عن ابن عباس, مثله.

حدثنا إسماعيل بن موسى السديّ, قال: أخبرنا بشر بن الحكم الأحْمَسيّ, عن سعيد بن الصلت, عن إسماعيل بن أبي خالد, عن أبي صالح, عن ابن عباس وَصَدّقَ بالْحُسْنَى قال: أيقن بالخلف.

28940- حدثنا ابن بشار, قال: حدثنا عبد الرحمن, قال: حدثنا سفيان, عن قيس بن مسلم, عن عكرِمة فأمّا مَنْ أعْطَى واتّقَى وَصَدّقَ بالْحُسْنَى قال: بالخلف.

28941- حدثنا ابن حُميد, قال: حدثنا مهران, عن سفيان, عن قيس بن مسلم, عن عكرِمة وَصَدّقَ بالْحُسْنَى قال: بأن الله سيخلف له.

28942- قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن أبي هاشم المكيّ, عن مجاهد وَصَدّقَ بالْحُسْنَى قال بالخلف.

حدثنا أبو كُرَيب, قال: حدثنا وكيع, عن أبي بكر الهُذليّ, عن شَهْر بن حَوْشَب, عن ابن عباس: وصَدّقَ بالْحُسْنَى قال: بالخَلَف.

حدثنا أبو كُرَيب, قال: حدثنا وكيع, عن نَضْر بن عربيّ, عن عكرِمة, قال: بالخَلَف.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وصدّق بأن الله واحد لا شريك له. ذكر من قال ذلك:

28943- حدثني محمد بن عمر بن عليّ المُقَدّميّ, قال: حدثنا أشعث السجستانيّ, قال: حدثنا مِسْعَر وحدثنا أبو كُرَيب قال: حدثنا وكيع, عن مِسْعر عن أبي حصين, عن أبي عبد الرحمن وَصَدّقَ بالْحُسْنَى قال: بلا إله إلاّ الله.

حدثنا ابن بشار, قال: حدثنا عبد الرحمن, قال: حدثنا سفيان, عن أبي حصين, عن أبي عبد الرحمن مثله.

حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا مهران, عن سفيان, عن أبي حصين, عن أبي عبد الرحمن, مثله.

28944 حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عُبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: وَصَدّقَ بالْحُسْنَى: بلا إله إلاّ الله.

28945- حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس وَصَدّقَ بالْحُسْنَى: يقول: صدّق بلا إله إلاّ الله.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وصدّق بالجنة. ذكر من قال ذلك:

28946- حدثنا ابن حُميد, قال: حدثنا مهران, عن سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد وَصَدّقَ بالْحُسْنَى قال: بالجنة.

حدثنا ابن بشار, قال: ثني محمد بن محبب, قال: حدثنا سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا وكيع, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

وقال آخرون: بل معناه: وصدق بموعود الله. ذكر من قال ذلك:

28947- حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة وَصَدّقَ بالْحُسْنَى قال: بموعود الله على نفسه, فعمل بذلك الموعود الذي وعده الله.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: حدثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, في قوله وَصَدّقَ بالْحُسْنَى قال: صدّق المؤمن بموعود الله الحسن.

وأشبه هذه الأقوال بما دلّ عليه ظاهر التنزيل, وأولاها بالصواب عندي: قول من قال: عُنِي به التصديق بالخَلَف من الله على نفقته.

وإنما قلت: ذلك أولى الأقوال بالصواب في ذلك, لأن الله ذكر قبله مُنفقا أنفق طالبا بنفقته الخَلَف منها, فكان أولى المعاني به أن يكون الذي عقيبه الخبر عن تصديقه بوعد الله إياه بالخَلَف إذ كانت نفقته على الوجه الذي يرضاه, مع أن الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو الذي قلنا في ذلك ورد. ذكر الخبر الوارد بذلك:

28948- حدثني الحسن بن سلمة بن أبي كبشة, قال: حدثنا عبد الملك بن عمرو, قال: حدثنا عَبّاد بن راشد, عن قتادة قال: ثني خُلَيد العَصْرِيّ, عن أبي الدرداء, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما مِنْ يَوْمٍ غَرَبَتْ فِيهِ شَمْسُهُ, إلاّ وبِجَنْبَيْها مَلَكانِ يُنادِيانِ, يَسْمَعُهُ خَلْقُ اللّهِ كُلّهُمْ إلاّ الثّقَلَينِ: اللّهُمّ أعْطِ مُنْفِقا خَلَفا, وأعْطِ مُمْسِكا تَلَفا» فأنْزَلَ اللّهُ فِي ذلك القرآن فأمّا مَنْ أعْطَى واتّقَى وَصَدّقَ بالْحُسْنَى… إلى قوله لِلْعُسرَى.

وذُكر أن هذه الاَية نزلت في أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه. ذكر الخبر بذلك:

28949- حدثني هارون بن إدريس الأصمّ, قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربيّ, قال: حدثنا محمد بن إسحاق, عن محمد بن عُبيد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصدّيق, عن عامر بن عبد الله بن الزّبير, قال: كان أبو بكر الصدّيق يُعْتِق على الإسلام بمكة, فكان يُعْتِق عجائز ونساء إذا أسلمن, فقال له أبوه: أَيْ بُنَيّ, أراك تُعْتِق أناسا ضعفاء, فلو أنك أعتقت رجالاً جُلدا يقومون معك, ويمنعونك, ويدفعون عنك, فقال: أي أبت, إنما أريد «أظنه قال»: ما عند الله, قال: فحدثني بعض أهل بيتي, أن هذه الاَية أنزلت فيه: فأمّا مَنْ أعْطَى واتّقَى وَصَدّقَ بالْحُسْنَى فَسَنُيَسّرُهُ لِلْيُسْرَى.

وقوله: فَسَنُيَسّرُهُ لِلْيُسْرَى يقول: فسنهيئه للخَلّة اليُسْرَى, وهي العمل بما يرضاه الله منه في الدنيا, ليوجب له به في الاَخرة الجنة.

وقوله: وأمّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى يقول تعالى ذكره: وأما من بخل بالنفقة في سبيل الله, ومنع ما وهب الله له من فضله, من صرفه في الوجوه التي أمر الله بصرفه فيها, واستغنى عن ربه, فلم يرغب إليه بالعمل له بطاعته, بالزيادة فيما خوّله من ذلك. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

28950- حدثنا حميد بن مَسْعدة, قال: حدثنا بشر بن المفضل, قال: حدثنا داود, عن عكرِمة, عن ابن عباس, في قوله: وَأمّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى قال: بخل بما عنده, واستغنى في نفسه.

حدثنا ابن المثنى, قال: حدثنا عبد الرحمن, قال: حدثنا خالد بن عبد الله, عن داود بن أبي هند, عن عكرِمة عن ابن عباس وَأمّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وأما من بخل بالفضل, واستغنى عن ربه.

حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس وَأمّا مَنْ بَخِلَ واسْتَغْنَى يقول: من أغناه الله, فبخل بالزكاة.

28951- حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة, قوله وأمّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى: وأما من بخل بحقّ الله عليه, واستغنى في نفسه عن ربه.

وأما قوله: وَكَذّبَ بالْحُسْنَى فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله نحو اختلافهم في قوله: وَصَدّقَ بالْحُسْنَى وأما نحن فنقول: معناه: وكذّب بالخَلَف, كما:

28952- حدثنا حميد بن مسعدة, قال: حدثنا بشر بن المفضل, قال: حدثنا داود, عن عكرِمة, عن ابن عباس: وكَذّبَ بالْحُسْنَى: وكذّب بالخَلَف.

حدثنا ابن المثنى, قال: حدثنا عبد الرحمن, قال: حدثنا خالد بن عبد الله, عن داود بن أبي هند, عن عكرِمة, عن ابن عباس وَكَذّبَ بالْحُسْنَى بالخَلَف من الله.

28953- حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا سعيد, عن قتادة وكَذّبَ بالْحُسْنَى وكذّب بموعود الله الذي وعد, قال الله: فَسَنُيَسّرُهُ لِلْعُسْرَى.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: حدثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة وَكَذّبَ بالْحُسْنَى وكذّب الكافر بموعود الله الحسن.

وقال آخرون: معناه: وكذّب بتوحيد الله. ذكر من قال ذلك:

28954- حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس وَكَذّبَ بالْحُسْنَى: وكذّب بلا إله إلاّ الله.

28955- حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: وَكَذّبَ بالْحُسْنَى بلا إله إلاّ الله.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وكذّب بالجنة. ذكر من قال ذلك:

28956- حدثنا ابن حميد, قال: حدثنا مهران, عن سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد وَكَذّبَ بالْحُسْنَى قال: بالجنة.

وقوله: فَسَنُيَسّرُهُ لِلْعُسْرَى يقول تعالى ذكره: فسنهيئه في الدنيا للخَلّة العُسرى, وهو من قولهم: قد يسرت غنم فلان: إذا ولدت وتهيأت للولادة, وكما قال الشاعر:

هُمَا سَيّدَانا يَزْعُمانِ وإنّمَا *** يَسُودَانِنا أنْ يَسّرَتْ غَنَماهُمَا

وقيل: فَسَنُيَسّرُهُ لِلْعُسْرَى ولا تيسر في العُسرى للذي تقدّم في أوّل الكلام من قوله: فَسَنُيَسّرُهُ لِلْيُسْرَى وإذا جمع بين كلامين أحدهما ذكر الخير والاَخر ذكر الشرّ, جاز ذلك بالتيسير فيهما جميعا والعُسرى التي أخبر الله جلّ ثناؤه أنه ييسره لها: العمل بما يكرهه ولا يرضاه. وبنحو الذي قلنا في ذلك جاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكر الخبر بذلك:

28957- حدثني واصل بن عبد الأعلى وأبو كُرَيب, قالا: حدثنا وكيع, عن الأعمش, عن سعد بن عُبيدة, عن أبي عبد الرحمن السّلميّ, عن عليّ, قال: كُنّا جلوسا عند النبيّ صلى الله عليه وسلم, فنكَتَ الأرض, ثم رفع رأسه فقال: «ما مِنْكمْ مِنْ أحَدٍ إلاّ وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنّةِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ النّارِ». قلنا: يا رسول الله أفلا نتّكل؟ قال: «لا, اعْمَلُوا فَكُلّ مُيَسّرٌ», ثم قرأ: فأمّا مَنْ أعْطَى وَاتّقَى وَصَدّقَ بالْحُسْنَى فَسَنُيَسّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأمّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذّبَ بالْحُسْنَى فَسَنُيَسّرُهُ لِلْعُسْرَى.

حدثنا ابن بشار, قال: حدثنا عبد الرحمن, قال: حدثنا زائدة بن قُدامة, عن منصور, عن سعد بن عُبيدة عن أبي عبد الرحمن السّلَميّ, عن عليّ, قال: كنا في جنازة في البقيع, فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس وجلسنا معه, ومعه عود يَنْكُت في الأرض, فرفع رأسه إلى السماء فقال: «ما مِنْكمْ مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إلاّ قَدْ كُتِبَ مَدْخَلُها», فقال القوم: يا رسول الله ألا نتكل على كتابنا, فمن كان من أهل السعادة فإنه يعمل للسعادة, ومن كان من أهل الشقاء فإنه يعمل للشقاء, فقال: «بَلِ اعْمَلُوا فَكُلّ مُيَسّرٌ فأمّا مَنْ كانَ مِنْ أهْلِ السّعادَةِ فإنّهُ يُيَسّرُ لِعَمَلِ السّعادَةِ وأمّا مَنْ كانَ مِنْ أهْلِ الشّقاء فإنّهُ يُيَسّرُ للشّقاءِ», ثم قرأ: فأمّا مَنْ أعْطَى واتّقَى وَصَدّقَ بالْحُسْنَى فَسَنُيَسّرُهُ لِلْيُسْرَى وأمّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وكَذّبَ بالْحُسْنَى فَسَنُيَسّرُهُ لِلْعُسْرَى».

حدثنا أبو السائب, قال: حدثنا أبو معاوية, عن الأعمش, عن سعد بن عبيدة, عن أبي عبد الرحمن السلميّ, عن عليّ, عن النبيّ صلى الله عليه وسلم بنحوه.

حدثنا ابن المثنى, قال: حدثنا محمد بن جعفر, قال: حدثنا شعبة, عن منصور والأعمش: أنهما سمعا سعد بن عُبيدة, عن أبي عبد الرحمن السّلَميّ, عن عليّ, عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه كان في جنازة, فأخذ عودا فجعل ينكُت في الأرض, فقال: «ما مِنْ أحَدٍ إلاّ وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النّارِ أوْ مِنَ الجَنّةِ», فقالوا: يا رسول الله أفلا نتّكل؟ قال: «اعْمَلُوا فَكُلّ مُيَسّرٌ فأمّا مَنْ أعْطَى وَاتّقَى وَصَدّقَ بالْحُسْنَى فَسَنُيَسّرُهُ للْيُسْرَى وأمّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وكَذّبَ بالْحُسْنَى فَسَنُيَسّرُهُ لِلْعُسْرَى».

حدثنا ابن حُميد, قال: حدثنا مهران, عن سفيان, عن منصور والأعمش, عن سعد بن عُبيدة, عن أبي عبد الرحمن السّلَميّ, عن عليّ رضي الله عنه قال: كنا جلوسا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم, فتناول شيئا من الأرض بيده, فقال: «ما مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ إلاّ وَقَدْ عُلِمَ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنّةِ والنّارِ» قالوا: يا نبيّ الله, أفلا نتكل؟ قال: «لا اعْمَلُوا فَكُلّ مُيَسّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ», ثم قرأ: فأمّا مَنْ أعْطَى وَاتّقَى… الاَيتين.

28958- قال: ثنا مهران, عن أبي سنان, عن عبد الملك بن سَمُرة بن أبي زائدة, عن النّزّال بن سَبْرَةَ, قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «ما مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إلاّ قَدْ كَتَبَ اللّهُ عَلَيْها ما هِيَ لاقِيَتُهُ» وأعرابي عند النبيّ صلى الله عليه وسلم مُرتاد, فقال الأعرابيّ: فما جاء بي أضرب من وادي كذا وكذا, إن كان قد فُرِغ من الأمر؟ فنكت النبيّ صلى الله عليه وسلم في الأرض, حتى ظنّ القوم أنه ودّ أنه لم يكن تكلم بشيء منه, فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «كُلّ مُيَسّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ, فَمَنْ يُرِدِ اللّهُ بِهِ خَيرا يَسّرَهُ لِسَبِيلِ الخَيرِ, وَمَنْ يُرِدْ بِهِ شَرّا يَسّرَهُ لِسَبِيلِ الشّرّ», فلقيت عمرو بن مُرّة, فعرضت عليه هذا الحديث, فقال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم, وزاد فيه: فأمّا مَنْ أعْطَى وَاتّقَى وَصَدّقَ بالْحُسْنَى فَسَنُيَسّرُهُ لِلْيُسْرَى وأمّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وكَذّبَ بالْحُسْنَى فَسَنُيَسّرُهُ لِلْعُسْرَى.

28959- حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال: حدثنا هشيم, قال: حدثنا حصين, عن سعد بن عبيدة, عن أبي عبد الرحمن السّلَمي, قال: لما نزلت هذه الاَية: إنّا كُلّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ قال رجل: يا رسول الله, ففيم العمل؟ أفي شيء نستأنفه, أو في شيء قد فُرغ منه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اعْمَلُوا فَكُلّ مُيَسّرٌ: سَنُيَسّرُهُ لِلْيُسْرَى, وَسُنَيَسّرُهُ لِلْعُسْرَى».

حدثني عمرو بن عبد الملك الطائي, قال: حدثنا محمد بن عبيدة, قال: حدثنا الجراح, عن إبراهيم بن عبد الحميد, عن الحجاج بن أرطأة, عن أبي إسحاق الهمداني, عن سليمان الأعمش, رفع الحديث إلى عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه, أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم جالسا وبيده عود ينكُت به في الأرض, فرفع رأسه فقال: «ما مِنْكمْ مِنْ أحَدٍ وَلا مِنَ النّاس, إلاّ وَقَدْ عُلِمَ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنّةِ أوِ النّارِ», قلنا: يا رسول الله أفلا نتوكل؟ قال لهم: «اعْمَلُوا فَكُلّ مُيَسّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ», ثم قال: «أما سَمِعْتُمُ اللّهَ فِي كِتابِهِ يَقُولُ: فأمّا مَنْ أعْطَى وَاتّقَى وَصَدّقَ بالْحُسْنَى فَسَنُيَسّرُهُ لِلْيُسْرَى وأمّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وكَذّبَ بالْحُسْنَى فَسَنُيَسّرُه لِلْعُسْرَى».

28960- حدثنا ابن المثنى, قال: حدثنا عبد الرحمن بن مَهْدِيّ, قال: حدثنا خالد بن عبد الله, عن داود بن أبي هند, عن عكرِمة, عن ابن عباس فَسَنُيَسّرُهُ لِلْعُسْرَى: للشرّ من الله.

28961- حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرني عمرو بن الحرث, عن أبي الزّبير, عن جابر بن عبد الله أنه قال: يا رسول الله, أنعمل لأمر قد فُرغ منه, أو لأمر نأتنفه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «كُلّ عامِلٍ مُيَسّرٌ لِعَمَلِهِ».

28962- حدثني يونس, قال: حدثنا سفيان, عن عمرو بن دينار, عن طلق بن حبيب, عن بشير بن كعب, قال: سأل غلامان شابان النبيّ صلى الله عليه وسلم, فقالا: يا رسول الله, أنعمل فيما جفّت به الأقلام, وجرَت به المقادير, أو في شيء يستأنف؟ فقال: «بَلْ فِيما جَفّتْ به الأقْلامُ, وَجَرَتْ بهِ المَقادِيرُ» قالا: ففيم العمل إذن؟ قال: «اعْمَلُوا, فَكُلّ عامِلٍ مُيَسّرٌ لعَمَلِهِ الّذِي خُلِقَ لَهُ», قالا: فالاَن نجدّ ونعمل.

تفسير بنى كثير

أقسم تعالى بالليل {إذا يغشى} أي إذا غشى الخليقة بظلامه، {والنهار إذا تجلى} أي بضيائه وإشراقه، {وما خلق الذكر والأنثى} كقوله تعالى: {وخلقناكم أزواجاً}، {إن سعيكم لشتى} أي أعمال العباد التي اكتسبوها متضادة ومتخالفة، فمن فاعل خيراً ومن فاعل شراً، قال اللّه تعالى: {فأما من أعطى واتقى} أي أعطى ما أمر بإخراجه، واتقى اللّه في أموره، {وصدّق بالحسنى} بالمجازاة على ذلك أي بالثواب، وقال ابن عباس، ومجاهد: {صدّق بالحسنى} أي بالخُلْف، وقال الضحّاك: بلا إله إلا اللّه، وقال أُبيّ بن كعب: سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن الحسنى قال: “الحسنى: الجنة” (أخرجه ابن أبي حاتم). وقوله تعالى: {فسنيسره لليسرى} قال ابن عباس: يعني للخير، وقال زيد بن أسلم: يعني للجنة، {وأما من بخل} أي بما عنده {واستغنى} قال ابن عباس: أي بخل بماله واستغنى عن ربه عزَّ وجلَّ: {وكذب بالحسنى} أي بالجزاء في الدار الآخرة {فسنيسره للعسرى} أي لطريق الشر، كما قال تعالى: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة، ونذرهم في طغيانهم يعمهون}، والآيات في هذا المعنى كثيرة دالة على أن اللّه عزَّ وجلَّ يجازي من قصد الخير بالتوفيق له، ومن قصد الشر بالخذلان، وكل ذلك بقدر مقدر، والأحاديث الدالة على هذا المعنى كثيرة. روى البخاري عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه قال: كنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في بقيع الغرقد في جنازة فقال: “ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار”، فقالوا: يا رسول اللّه أفلا نتكل؟ قال: “اعملوا فكل ميسر لما خلق له”، ثم قرأ: {فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى – إلى قوله – للعسرى} (أخرجه البخاري)، وفي رواية أُخرى عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة فنكس، فجعل ينكت بمخصرته، ثم قال: “ما منكم من أحد – أو ما من نفس منفوسة – إلا كتب مكانها من الجنة والنار، وإلا كتبت شقية أو سعيدة”، فقال رجل: يا رسول اللّه أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى أهل السعادة، ومن كان منا من أهل الشقاء فسيصير إلى أهل الشقاء؟ فقال: “أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاء فييسرون إلى عمل أهل الشقاء”، ثم قرأ: {فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى * وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى} (أخرجه البخاري وبقية الجماعة). وعن جابر بن عبد اللّه أنه قال: يا رسول اللّه أنعمل لأمر قد فرغ منه أو لأمر نستأنفه؟ فقال: “لأمر قد فرغ منه” فقال سراقة: ففيم العمل إذاً؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: “كل عامل ميسر لعمله” (رواه مسلم وابن جرير). وفي الحديث: “ما من يوم غربت فيه شمسه إلا وبجنبتيها ملكان يناديان يسمعهما خلق اللّه كلهم إلا الثقلين: اللهم أعط منفقاً خلفاً وأعط ممسكاً تلفاً” وأنزل اللّه في ذلك القرآن: {فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى * وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى} (رواه ابن جرير وابن أبي حاتم). وذكر أن هذه الآية نزلت في (أبي بكر الصديق) رضي اللّه عنه كان يعتق على الإسلام بمكة، فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له أبوه: أي بني أراك تعتق أُناساً ضعفاء، فلو أنك تعتق رجالاً جلداء يقومون معك، ويمنعونك ويدفعون عنك، فقال: أي أبت إنما أريد ما عند اللّه، فنزلت الآية: {فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى} (أخرجه ابن جرير)، وقوله تعالى: {وما يغني عنه ماله إذا تردى} قال مجاهد: أي إذا مات، وقال زيد بن أسلم: إذا تردى في النار.