8) سلوك مسلك التبشير لا التنفير والتيسير لا التعسير

من استقرأ أحوال المصطفى صلى الله عليه وسلم مع هؤلاء العرب وما كانوا عليه من قسوة طباع وشدة خشونة وتنافر أمزجة وغلظة كلام… كيف ساسهم وصبر على لأوائهم وأذاهم وكيف احتمل جفاءهم إلى أن انقادوا إليه والتفوا حوله وقاتلوا أمامه ودونه أعز الناس عندهم آباءهم وأقاربهم عامة& ظهر له جليا هذا الأصل، ففي قصة تخييره صلى الله عليه وسلم زوجاته الشريفات بدأ بعائشة منهن فاختارته رضي الله عنها ورغبت منه أن لايخبر غيرها أنها اختارته، فقال لها: “إن الله لم يبعثني معنتا ولا متعنتا، ولكن بعثني معلما ميسرا”(1) وروى مسلم أيضا عن معاوية بن الحكم السلمي -رضي الله عنه- قال: “بينا أنا أصلي مع رسول عليه صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم، فقلت يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم! فقلت: واثكل أماه ما شأنكم تنظرون إلي؟! فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني سكت، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاني، فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلما قبله ولابعده أحسن تعليما منه، فوالله ما كهرني، ولا ضربني، ولا شتمني، قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير، وقراءة القرآن”(2) يقول الإمام النووي معلقا: “فيه بيان ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عظيم الخلق الذي شهد الله تعالى له به، ومن رفقه بالجاهل، ورأفته بأمته وشفقته عليهم، وفيه التخلق بخلقه صلى الله عليه وسلم في الرفق بالجاهل، وحسن تعليمه، واللطف به، وتقريب الصواب إليه”(3) وماأجمل وصف الإمام الماوردي للرسول صلى الله عليه وسلم حين تكلم عن بعض صفاته فقال: “قد أرسله بعد الإستخلاص، وطهره من الأدناس، فانتفت عنه الظنون، وسلم من ازدراء العيون، لا يدفعه عقل، ولا يأباه قلب، ولا تنفر عنه نفس… ومن أوصافه: السكينة الباعثة على الهيبة والتعظيم، الداعية إلى التقديم والتسليم، وكان أعظم مهيب في النفوس، حتى ارتاعت رسل كسرى من هيبته حين أتوه، مع ارتياضهم بصولة الأكاسرة ومكاثرة الملوك الجبابرة فكان صلى الله عليه وسلم في نفوسهم أهيب! وفي أعينهم أعظم! وإن لم يتعاظم بأبهة، ولم يتطاول بسطوة… وثانيها طلاقة الوجه الموجبة للإخلاص والمحبة، الباعثة إلى المصافاة والمودة، وقد كان صلوات الله عليه وسلامه محبوبا، ولقد استحكمت محبة طلاقته في النفوس، حتى لم يقله مصاحب، ولم يتباعد عنه مقارب، وكان أحب إلى أصحابه من الآباء والأبناء وشرب البارد على الظماء… ومنها تواضعه للناس وهم أتباع وخفض جناحه لهم وهو مطاع، يمشي في الأسواق ويجلس على التراب& فصار بالتواضع متميزا وبالتذلل متعززا، وهذا من شرف أخلاقه وكريم شيمه، لم تنذر فتعد، ولم تحصر فتحد! ومنها حلمه ووقاره عن طيش يهزه أوخرق يستفزه، فقد كان أحلم في النفار من كل حليم، وأسلم في الخصام من كل سليم، وقد مني بجفوة الأعراب، فلم يوجد منه نادرة، ولم يحفظ عنه بادرة، لا حليم غيره إلا ذو عثرة، ولا وقور سواه إلا ذو هفوة، فإن الله عصمه من نزغ الهوى وطيش القدرة بهفوة أو عثرة، ليكون بأمته رؤوفا، وعلى الخلق عطوفا(4) بل إن الله عزوجل وصفه بأعظم الصفات وأنبل النعوت فقال: “وإنك لعلى خلق عظيم” ووصفه بالرحمة والرأفة فقال: “لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمومنين رؤوف رحيم” بل هو الرحمة كلها… قال سبحانه: “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين” ويقول هو عن نفسه: “يا أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة”(5) وكذلك شريعة الإسلام فهي رحمة للناس بالتيسير لا التعسير قال عز وجل في ختام آية الصوم: “يريد الله بكم اليسر ولايريد بكم العسر” وفي ختام الآيات المتعلقة بالمحرمات من النساء قال سبحانه “يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا” وفي ختام آيات العفو في القصاص بعوض أو بدونه قال سبحانه “ذلك تخفيف من ربكم ورحمة” وينفي الحرج بإطلاق عن هذه الأمة بقوله عز وجل “وما جعل عليكم في الدين من حرج” … وكذلك أمره صلى الله عليه وسلم أصحابه بهذا المنهج في الفقه فقال لهم لما أرادوا أن يزرموا الأعرابي الذي بال في المسجد: “لا تزرموه وصبوا عليه ذنوبا من ماء فإنما بعثتم مبشرين ولم تبثوا معسرين(6)” ووصيته لأبي موسى الأشعري ومعاذ بن جبل كذلك حين قال لهما: “يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا”(7) أي لا تختلفا… وما أروع قولة الإمام الزاهد أبي عبد الله سفيان بن سعيد الثوري: “إنما الفقه: الرخصة من ثقة، أما التشديد فيحسنه كل أحد” لذا تجد الرسول صلى الله عليه وسلم يغضب على من تشدد من أصحابه أو ألحق بالناس حرجا كقوله لمعاذ لما أم قومه وأطال بهم القراءة: “يا معاذ أفتان أنت، أفتان أنت، أفتان أنت، اقرأ والشمس وضحاها، وسبح باسم ربك الأعلى ونحوها(8) بل لام أشد اللوم من أفتى الناس بظاهرية خرقاء وسطحية جوفاء، فقال للذين أفتوا رجلا أصابته جراحة وهو جنب بوجوب الاغتسال فمات: “قتلوه قتلهم الله !! ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال”(9) لأن فتواهم الجاهلة كانت سبب قتله فكان ظاهر الدعاء قتلهم وإن كان غير مراد. ومن صور التشديد في عصرنا إلزام الناس كلهم بقميص تحت الركب أخذا بظاهر حديث أبي ذر مرفوعا: “ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة: المنان، الذي لا يعطي شيئا إلا منة، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب، والمسبل إزاره”(10) أي المطيل إزاره، فهذا الحديث إذا اعتصر لوحده، بدون النظر إلى نظائره أو الكشف عن علته أو فهم العلماء له وارتضى القارئ له أن يفهمه فهما ظاهريا فإنه سيحمل النهي على التحريم، ومن لبس سروالا في نظره فهو آثم يستحق التعزير لأنه لا يسلك مسلك السلف! لكن إذا استقرأنا مجموع الأحاديث وجدناها دائرة على علة واحدة وهي نفي الخيلاء المفضي إلى الإسبال، ففي باب (من جر ثوبه من الخيلاء) في الصحيح، أورد البخاري حديث أبي هريرة مرفوعا إلى الرسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا ينظر الله إلى من جر إزاره بطرا”(11) وحديث: “بينما رجل يمشي في حلة، تعجبه نفسه، مرجل جمته، إذ خسف الله به الأرض(12) وكذلك مسلم فقد روى أحاديث تنبئ عن علة التحريم وهي الخيلاء كحديث ابن عمر الذي يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: “من جر إزاره لا يريد بذلك إلا المخيلة فإن الله لا ينظر إليه يوم القيامة”(13) والمخيلة أو البطر أوالخيلاء أو العجب تحمل نفس الدلالة، والبحث في العلة لا يكون عبثا لأن الأحكام تدور مع العلل وجودا وعدما لأنها هي سبب ظهور الحكم، ولما كانت علة الإسبال هي الخيلاء فمن لم تتحقق فيه يحق له أن يسبل إزاره ولاحرج عليه، فالرسول المتواضع صلى الله عليه وسلم جر إزاره لأن الخيلاء بعيدة عنه وكذلك خير الصحابة أبو بكر فقد جر ثوبه كذلك، والدليل على ما قلناه ما أورده البخاري في الصحيح (باب من جر ثوبه من غير خيلاء) من حديث عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: “من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة. قال أبوبكر: يا رسول الله، إن أحد شقي إزاري يسترخي، إلا أن أتعاهد ذلك منه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “لست ممن يصنعه خيلاء(14) ومن حديث أبي بكرة قال: “خسفت الشمس، ونحن عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقام يجر ثوبه مستعجلا، حتى أتى المسجد(15) وهكذا ففي عصرنا الذي أصبح أغلب الناس يرتدون السراويلات لا يتهمون بالإثم، لأن قصود أغلبهم ليس هو العجب والبطر، فضلا على أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر المسلمين بلبسها أصلا ففي البخاري في كتاب اللباس باب السراويل قال عليه الصلاة والسلام: “من لم يجد إزارا فليلبس سراويل، ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين” قال الحافظ في الفتح: “وصح أنه صلى الله عليه وسلم اشترى سراويل من سويد بن قيس، أخرجه الأربعة وأحمد وصححه ابن حبان من حديثه، وأخرجه أحمد أيضا من حديث مالك بن عميرة الأسدي قال: “قدمت قبل مهاجرة رسول الله صلىالله عليه وسلم فاشترى مني سراويل فأرجح لي” وما كان ليشتريه عبثا وإن كان غالب لبسه الإزار يقول ابن حجر، وأخرج أبو يعلىوالطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة:ً دخلت يوما السوق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس إلى البزاز فاشترى سراويل بأربعة دراهم” الحديث وفيه “قلت يا رسول الله وإنك لتلبس السراويل؟ قال: أجل، في السفر والحضر والليل والنهار، فإني أمرت بالتستر”… وهكذا إذا انتفيت العلة فليلبس من شاء ما شاء قال تعالى: “قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده”، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “كلوا واشربوا وتصدقوا في غير إسراف ولا مخيلة” وقال ابن عباس: “كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك اثنان سرف أو مخيلة(16) بل ذلك المقصر إذا اتخذ التقصيراستعلاء واستكبارا على الناس، فإن الإثم سيلحقه لا محالة نسأل الله عزوجل التواضع!

وتتعدد أشكال التشديد على الناس الناتجة عن تقصير في الفهم أو قلة علم لأن من كثر علمه قل اعتراضه على مخالفيه ولا أريد أن أخوض فيها ردا على أصحاب الغلو لأن المقام منحصر في التقعيد لا الإسهاب والتطويل.

9) الإفتاء بلسان الحال فضلا عن لسان المقال

لم يعش الصحابة أبدا فصاما نكدا بين أقواله عليه الصلاة والسلام وأفعاله بل إنه إذا أمر بشيء، فعله ثم تأسى به الناس وعملوا كما رأوه، والمسلمون الآن يسمعون أقواله الشريفة لكنهم ليسوا صحابة، لأن هؤلاء لازموه ورأوه وأخذوا عنه بدون واسطة واستمدوا منه الإيمان فعلا وتحقيقا فكانوا خير القرون، قال تعالى: “لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا” ولاريب أن الإفتاء بالفعل ولسان الحال أقوى وأوقع في النفس وأعون على الفهم والتنفيذ وأدعى للإقتداء والتأسي من مجرد القول والبيان، يقول الإمام الشاطبي: “وإنما كان عليه الصلاة والسلام خلقه القرآن لأنه حكم الوحي على نفسه، حتى صار في علمه وعمله على وفقه، فكان للوحي موافقا قائلا مذعنا ملبيا واقفا عند حكمه، وهذه الخاصة كانت من أعظم الأدلة على صدقه فيما جاء به، إذ جاء بالأمر وهو مؤتمر، وبالنهي وهو منته، وبالوعظ وهو متعظ، وبالتخويف وهو أول الخائفين، وبالترجية وهو سائق دابة الراجين. وحقيقة ذلك كله جعله الشريعة المنزلة عليه حجة حاكمة عليه، ودلالة على الصراط المستقيم الذي سار عليه صلى الله عليه وسلم(17) ويؤكد قول الشاطبي ما رواه عمرو بن العاص في بداية إسلامه عندما قال: “لقد دلني على هذا النبي الأمي: أنه لا يأمر بخير إلا كان أول آخذ به، ولا ينهى عن شر إلا كان أول تارك له، وأنه يغلب فلا يبطر، ويغلب فلا يهجر، أنه يفي بالعهد وينجز الوعد وأشهد أنه نبي(18) ومن صور الإفتاء العملي أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “يا رسول الله كيف الطهور؟ فلم يتكلم معه النبي عليه الصلاة والسلام بل دعا بماء في إناء، فغسل كفيه ثلاثا، ثم غسل وجهه ثلاثا ثم مسح برأسه فأدخل إصبعيه السباحتين في أذنيه، ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه، وبالسباحتين باطن أذنيه، ثم غسل رجليه ثلاثا ثلاثا، ثم قال هكذا الوضوء،(19) وروى البخاري ومسلم عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: “رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على المنبر، فاستقبل القبلة، وكبر، وقام الناس خلفه، ثم رفع رأسه، ثم رجع القهقرى فسجد على الأرض، ثم عاد على المنبر، ثم قرأ، ثم ركع، ثم رفع رأسه، ثم رجع القهقرى حتى سجد بالأرض، فلما فرغ أقبل على الناس فقال: أيها الناس، إنما صنعت هذا لتأتموا بي، ولتعلموا صلاتي”.

إن صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم على المنبر تعليم بالفعل لكونه لأبلغ وأضبط لأن الناس كلهم رأوه فتعلموا من أفعاله ومشاهدته.

وروى أبوداود وابن ماجة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم مر بغلام يسلخ شاة فقال له: “تنح حتى أريك، فأدخل رسول صلى الله عليه وسلم يده بين الجلد واللحم، فدحس بها حتى توارت إلى الإبط وقال: يا غلام هكذا فاسلخ، ثم مضى وصلى للناس ولم يتوضأ(20) ودحس هو إدخال اليد بين جلد الشاة وصفاقها ليسلخها وهو من السنة العملية التي رآها الغلام بأم عينيه فوعاها وتعلمها من غير ما مشقة… والأحديث العملية التي يجيب فيها الشارع أو يعلم فيها عملا كثيرة يعسرها إحصاؤها واستقصاؤها والمقصود أن الإفتاء العملي لازم في الإفهام لأن الواقع كشاف لاسيما وأنك تجد أناسا يلزمون العامة بأمور وهم يقومون بخلافها فشددوا على العامة ورخصوا على أنفسهم فلن يجدوا آذانا لسماع نعقهم ولغطهم.

ولايطمع المرء أن تجتاب لجته *** إن لم يكن جسرا له العمل

وقد كان مالك رضي الله عنه يعمل بما لا يلزمه الناس ويقول: “لا يكون عالما حتى يعمل في خاصة نفسه بما لا يلزمه الناس ما لو تركه لم يأثم”، وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يخفف بالناس في الصلاة فإذا صلى لمفرده أطال، وقوله لمعاذ يشي بذلك فإن وراءه المريض والضعيف وذا الحاجة.

10) كل مسألة لا ينبني عليها عمل فإنها في عرف الشرع عارية

فالفقه هو استنباط لأحكام شرعية عملية لاتجريدية أو غريبة عن الواقع كأن تجد المفتي متوحلا في خضخاض من المسائل التي لاينبني عليها عمل من صور افتراضية ومعضلات وأغلوطات ودقائق عقدية، ومن ثم نهى أهل العلم عنها وشددوا في ذلك كالإمام حافظ المغرب أبي عمر بن عبد البر في كتابه القيم جامع بيان العلم وفضله وأورد أحاديث احتج بها العلماء في ذلك منها ،قول الصنابحي عن معاوية أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الأغلوطات” وفي رواية: “أتعلمون أن رسول صلى الله عليه وسلم نهى عن عضل المسائل.

قال أبو عمر: “واحتجوا أيضا بحديث سهل وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كره المسائل وعابها، وبأنه عليه الصلاة والسلام قال: “إن الله يكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال” وفي سماع أشهب: سئل مالك عن قول الرسول صلى الله عليه وسلم: “أنهاكم عن قيل وقال وكثرة السؤال” فقال: أما كثرة السؤال فلا أدري أهو ماأنتم فيه مما أنهاكم عنه من كثرة المسائل، فقد كره رسول صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها وقال الله عزوجل: “لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم”، وقال الأوزاعي عن عبدة بن أبي لبابة: وددت أن حظي من أهل هذا الزمان أن لا أسألهم عن شيء ولا يسألوني، يتكاثرون بالمسائل كما يثكاثر أهل الدراهم بالدراهم.

قال واحتجوا أيضا بما رواه ابن شهاب عن عامر بن سعد بن أبي وقاص أنه سمع أباه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم على المسلمين فحرم عليهم من أجل مسألته، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في الحج حين سئل أفي كل عام ؟ فقال: “لو قلت نعم وجبت، ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم على أنبيائهم”.

ومنه الحديث الآخر: “إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها وسكت عن أشياء رحمة لكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها(21) وفي إعلام الموقعين عن الشعبي قال، قال عبد الله: إياكم أرأيت أرأيت، فإنما هلك من كان قبلكم بأرأيت أرأيت، ولا تقيسوا شيئا فتزل قدم بعد ثبوتها”(22)، وقال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: “من كان عنده علم فليعلمه الناس، وإن لم يعلم فلا يقولن ما ليس له به علم فيكون من المتكلفين ويمرق من الدين(23).

ومن صور التكلف في عصرنا الخوض في أحكام الرق والعبيد، والتوسع في زكاة الإبل والبقر والغنم لأناس يسكنون المدن لاالبوادي، والتعمق في الآبار وسؤر الكلاب وتنجيسها للأنهار، والأخذ بالأحكام التي هي وسيلة والتعصب لها كأن يتعصب المرء لعود الآراك والحبة السوداء والخف الجلدي… والإنحباس في المقادير القديمة كالصاع والذراع والرطل والقلة… والإعتقاد أن من لم يذكر بضعة عشر شرطا لتكبيرة الإحرام فصلاته باطلة… و من لم يخض في الجدالات العقدية والمماحكات الكلامية وأحوال الملل والنحل والفرق أو من لم يجب عن الأينية أي أين الله(24) فعقيدته فاسدة مع العلم أن الإيمان يكتسب بالصحبة وبترجيح أسلوب القرآن على أساليب اليونان.

11) الفقه الإسلامي هو الفقه العام لا الفقه المنحبس أو المنسحب

إذا جال المتفكر اللبيب ببصيرته في الكون، وجده سائرا بنظام دقيق، ومنضبطا بإحكام عميق… لأنه خاضع لقوانين إلهية اضطرارا لن يستطيع التفلت منها أو الخروج عن نطاقها، والمنبري للكشف عن هذه القوانين المنظمة للمجتمع الكوني إنما هم علماء الكون باختلاف تخصصاتهم كعلم الفضاء والفلك والمحيطات والنبات… ولا يستطيع أحد منهم -إذا أراد أن يستولي على الأمد في تخصصه- أن يتجاسر على استنباط قانون أو الكشف عنه عن طريق الظن أو التخمين والخرص، بل لابد له أن يكون ماسكا لزمام الآليات والقواعد الممهدة له على استكناه حقائق الكون في تخصصه.

أما المجتمع البشري فلا بد له أن ينظم بنفس القوانين الإلهية كذلك ليتساوق مع الكون في السجود والخضوع لله سبحانه، ومصدر هذه القوانين الإلهية المنظمة للإنسانية كلها إنما هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والكاشف عنها هو الفقيه… كما هو معلوم وهي مهمة صعبة وعمل جسيم لأنه غير متعلق بطبيعة الأشياء الثابتة، بل بطبيعة البشر المتقلبة إقبالا وإدبارا، فضلا على أن الفتوى لاتنسب للفقيه أصلا، وإحكام البشر كلهم بقوانين الله ليكون إلا بإدخال أنشطتهم كلها السياسية والإقتصادية والإجتماعية في سياج الشريعة، ولقد دأب الناس لما انفصلت الدعوة عن الدولة ألا يسألوا الفقيه عن مصير الأمة وعن شرك القصور لاشرك القبور وعن تسلط الحكام الخونة العملاء للإستكبار العالمي، وعن نهب مال الأمة من لدن مصاصي عرق المستضعفين… لايسألونه عن ظلم أرباب الشركات للعمال والأغنياء للفقراء واستئصال إرادة الشعوب بدساتير ترسخ قول فرعون: “ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد!” لايسألونه عن الإرهاب الغربي في البوسنة وكشمير وفلسطين وأفغانستان…

إن الفقه الذي نريد كما يقول الإمام عبد السلام ياسين: “هو الفقه الذي يعم في نظرة واحدة الدعوة والدولة في علاقتهما الأولى على عهد تأليف الجماعة من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم ثم في تطور هذه العلاقات تطورا توسعيا على عهد الخلافة الراشدة ثم في تطورها إلى الفساد والكساد على عهود الملك العاض فالجبري. ثم في الوضع الحالي وقد أصبح للعلمانية والذهنية العلمانية والنوايا العدوانية على الدين الصدارة الأولى في تفكير الحكام وممارساتهم حتى غطت الدولة على الدعوة تماما(25).

12) لا إفتاء في أمر إلا بصحبة الخبير المتخصص

إن واقعنا -كما أشرت سلفا- متشعب لايفهم بفكر موسوعي شأن العلماء الأوائل بل تعددت التخصصات ولن يتمكن الفقيه من الإفتاء في نازلة اقتصادية إلا إذا كان محيطا بأوليات الإقتصاد بل لابد له من استشارة الخبير الإقتصادي، وكذلك النوازل الطبية كالإستنساخ وزرع الأعضاء وبنوك الحليب… التي تقتضي خبراء في الطب، بل ندعو إلى مؤسسة للإجتهاد الجماعي التي تضم الفقهاء المتنورين الورعين والخبراء المتقنين، لتكون الفتوى صائبة وجالبة مصالح للمكلفين ودارئة المفاسد عنهم، ثم إن المؤسسات العلمية عندنا إذا طبعت بالطابع الإسلامي ستكون خير معين للفقيه كالمؤسسة الإسلامية لعلم الإجتماع و المؤسسة الإسلامية لعلم التاريخ والمؤسسة الإسلامية لعلم التربية… فإذا أراد الفقيه أن يفتي في نازلة ما استشار المؤسسة المعنية التي تضم أهل التخصص في ميدانه، كما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أهل الإحصاء بإحصاء من أسلموا فقال: “احصوا لي كم يلفظ الإسلام”ً وفي رواية البخاري: “اكتبوا لي من يلفظ بالإسلام من الناس” قال حذيفة: “فكتبنا له ألفا وخمسمائة رجل…(26) وأخذ برأي خبير في المواقع الحربية الحباب بن المنذر في غزوة بدر وسلمان في الخندق… وكل ذلك يندرج في الأخذ بالأسباب، يقول الإمام الطبري: “فقد ظاهر صلى الله عليه وسلم بين درعين ولبس على رأسه المغفر، وأقعد الرماة على فم الشعب، وخندق حول المدينة، وأذن في الهجرة إلى الحبشة، وإلى المدينة، وهاجر هو، وتعاطى أسباب الأكل والشرب، وادخر لأهله قوتهم، ولم ينتظر أن ينزل عليه من السماء، وهو كان أحق الخلق أن يحصل له ذلك”(27) وكذلك أصحابه رضي الله عنهم أخذوا بالحكمة فدونوا الدواوين وبنوا السجون&

الهوامش:

(1) للإستفاضة في الموضوع انظر كتاب “لرسول المعلم” لسيدي عبد الفتاح أبي غدة ص89.

(2) مسلم في كتاب الطلاق رقم2708 باب في الإيلاء واعتزال النساء وتخييرهن.

(3) مسلم في كتاب الصلاة (باب تحريم الكلام في الصلاة)5/20.

(4) انظر المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج للإمام النووي (5/448).

(5) أعلام النبوة للماوردي وانظر دلائل التوحيد لجمل الدين القاسمي ص181-196.

(6) رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي عن أبي هريرة(1/35).

(7) البخاري في كتاب الوضوء رقم213وأبوداود في الطهارة رقم224 وأحمد في باقي مسند المكثرين رقم 7467.

(8) البخاري في الأحكام رقم6637 وفي الأدب رقم5659 ومسلم في الجهاد والسير3263 وأحمد في مسند الكوفيين18908.

(9) البخاري في الأدب رقم5641 ومسلم في كتاب الصلاة رقم709 والنسائي في الإمامة رقم822.

(10) أبو داود في الطهارة رقم284، وابن ماجة في الطهارة وسننها رقم565 وأحمد في مسند بني هاشم 2898 والدارمي في الطهارة745.

(11) مسلم في كتاب الإيمان رقم 155.

(12) رواه البخاري في كتاب اللباس رقم5342 وكذلك مسلم في كتاب اللباس والزينة رقم3893 وأبوداود وابن ماجة وأحمد.

(13) البخاري في كتاب اللباس رقم5343 وأحمد في مسندالمكثرين رقم9506.

(14) مسلم في كتاب اللباس والزينة رقم3890 وأبوداود في كتاب اللباس رقم3562.

(15) البخاري في كتاب اللباس رقم 5338 وأحمد في مسند المكثرين من الصحابة رقم5927.

(16) البخاري في كتاب اللباس رقم5339.

(17) انظر الترجمة الأولى لكتاب اللباس للبخاري باب قوله نعالى قل من حرم& & الآية.

(18) الإعتصام أوائل الفصل الرابع من الباب العاشر.

(19) الإصابة في تمييز الصحابة لإبن حجر(1/538) ترجمة الصحابي الجليل الجلندي ملك عمان.

(20) أبو داود كتاب الطهارة باب الوضوء ثلاثا ثلاثا رقم96.

(21) أبوداود في كتاب الطهارة رقم 157،وابن ماجة في الذبائح رقم 3170.

(22) الطبراني في الأوسط عن أبي الدرداء رقم 981.

(23) إعلام الموقعين لإبن القيم (1/89).

(24) سيأتي وقت نخص حديث الجارية بالتحليل مبنى ومعنى بأقوال العلماء فيه لاأصحاب التشبيه والتجسيم.

(25) نظرات في الفقه والتاريخ.

(26) البخاري في الجهاد والسير رقم 2832، ومسلم في كتاب الإيمان 213 وأحمد في باقي مسند الأنصار رقم22173.

(27) انظر الشوكاني في نيل الأوطار (9/92) دار الجيل بيروت.