1- قراءة للتاريخ:

إذا كان المنهاج النبوي يخبرنا عن الكيفيات العملية التغيرية المستقاة من معين الوحي الرباني. والتي يمكننا من إيجاد الجسر الرابط بين الحق الذي في كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وبين حياة المسلمين وواقعهم، فإنه يسمح لنا بالإدراك الجيد لمواطن الخلل التي اعترت تاريخ المسلمين لما حادوا عن ذلك المنهاج، وخالفوا معالمه السنية، ولا يتأتى هذا إلا بإنجاز قراءة لتاريخنا الإسلامي بمراحله وعهوده، تتجنب السقوط في مزالق ثلاثة، وتعتمد مبدأين اثنين:

ثلاثة مزالق:

قراءتنا للتاريخ من أعاليه، لا بد أن تتجنب السقوط في:

ـ التمجيد والتقديس المفرطين للتاريخ بأخطائه البشرية، لأن ذلك يقعد بنا في رفاهية الأماني المعسولة التي ترفض الإشارة إلى علل الخراب ومكامن الداء تحت دعاوى تنزيه من سبقونا وعصم ألسنتنا عما وقعوا فيه.

ـ الإلغاء التام للماضي من حضارتنا، واعتباره من قبيل التراث المتحفي الذي تجاوزته المعاصرة و الحداثة، فلا حاجة إلى العيش على خطاب الأموات والالتفات الدائم إلى الوراء.

ـ الإسقاط الباحث في تاريخنا عن هواجسه المعاصرة. فيغدو هذا التاريخ هريجا مريجا من التصورات الآنية بفقدها هوية الحقيقية ومعناه وكينونته.

مبدآن اثنان:

نحتاج لفهم حاضرنا ومستقبلنا أن ندرك بشكل واع أحداث ماضينا وآثارها على مسارات تاريخنا، ونحتاج لأجل ذلك أن نتسلح بمبدأين:

ـ بالتحليل بالغيب الذي يقرأ أحداث الكون على ضوء كلام الله عز وجل وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، قراءة ترد حركة الكون وأحداثه إلى قدر الله وتدبيره، دون السقوط في قدرية أو جبرية تلغيان السنن الموضوعية والنواميس الواقعية والإرادة الإنسانية.

ـ بالتحليل النسقي الذي ينظر إلى الأحداث في آنيتها التاريخية مظروفة بأسبابها المباشرة وغير المباشرة، مرتبطة بذهنية الناس وفكرهم ومفاهيمهم ونوعية معاشهم وآليات منطقهم.

بهذا الفهم، نستعير من الأستاذ عبد السلام ياسين، مفهوم “الانكسار التاريخي” لنقرأ به تأثيره في تمزق الشخصية الإسلامية الوارثة في جانبها العلمي أساسا(1).

2- الانكسار التاريخي وانفراط عقد الأمة:

حدثنا الصادق المصدوق محمد صلوات الله عليه وسلم عن الفتنة، وعن غربة المسلمين وتكالب الأمم عليهم وما يصيبهم في مستقبل أيامهم، وحدثنا، أيضا وأساسا، عن صدمة رئيسية سيكون لها أثرها البالغ في تحويل معالم حياة المسلمين وفقدان مقومات هويتهم وكينونتهم، الصدمة نفهمها من حديث الترمذي عن سفينة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “الخلافة في أمتي ثلاثون سنة،ثم ملك بعد ذلك”. إنها صدمة الانحراف التاريخي المعبرة عن هذا الانكسار الذي تحولت به الخلافة إلى ملك، والكاشفة عن هذا التفتت الكبير الذي انعكس سلبا على التاريخ الإسلامي وسيرورة الوحدة الإسلامية.

وإذا كانت نتائج هذا الانكسار / الانحراف / التفتت التاريخي ظاهرة على المستوى السياسي في:

– كثرة الفتن والقلاقل بين صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

– تمزق جماعة المسلمين وتشتتها فرقا ومذاهب.

– ضياع معالم المنهاج النبوي بانقضاض عرى الحكم فذهبت الشورى وانهدم العدل وغيب الإحسان.

وهو ما يعني، انفراط عقد الأمة الإسلامية، فإن نتائج هذا الانكسار على المستوى العلمي في جانبه الخاص بالشخصية الإسلامية الوارثة، يقتضي منا الوقوف عند سر بناء هذه الشخصية وأسباب تمزقها.

3- الصحبة النبوية والشخصية الوارثة:

كان الرسول صلى الله عليه وسلم رجل دعوة ودولة، نبيا رسولا مسددا بالوحي الرباني، الذاكر الفقيه، المحدث المفسر، العالم المفتي، المجاهد المحارب المقاتل، ولقد كانت معيته لصحابته وما سرى من قلبه الطاهر من مادة الإيمان إلى قلوبهم، علة تحقق رجولتهم وانبعاث الرحمة والمحبة في ذواتهم، وبوراثة هذه المعية / الصحبة ورثت معالم الشخصية الإسلامية الكاملة، فلم يكن الصحابة يجدون في أنفسهم هذا التجزء والتشتت اللذين سيظهران بعد ذلك.(2)

لقد كانت الخلافة الراشدة كما يقول المودودي “نيابة كاملة عن النبوة” أي أنها لم تكن ذات بعد سياسي فقط، وإنما حصل هذا التسييس لما تبدلت الخلافة الراشدة إلى ملك يعض على الأمة ببيعة الوراثة بقوة الإكراه والإرهاب(3).

فنجم عن هذا أن اعتزل في زاويته من اعتزل، وحمل السيف إلى الجهاد من حمل، وأخذ كراسة للبحث عن الحديث وجمعه من أخذ، وفاء غير هؤلاء إلى ظل السلطان يبتغي الأمانة والسلامة في ماله وجسمه، فنشأ بهذا الصوفي الذاكر، والمجاهد المحارب، والمحدث الفقيه، وتمزق بذلك الإرث النبوي الذي رأيناه مجموعا مزقا مفتتة، وأشتاتا متناثرة.

بتمزق هذا الإرث النبوي وتفتت عقد الشخصية الإسلامية الوارثة، ستحصل نتائج بعيدة الغور في جسم الأمة الإسلامية وفي عقلها وسلوكها، لعلنا نجملها في ما يأتي:

1- تشتت الدين في أفهام الناس وتمزقه في عقولهم، فلم تعد هناك قدرة على استيعاب معالم الكمال الشمولي، ولا معاني الوحدة الإيمانية العلمية، فنشبت صراعات بين المحدثين والمتصوفة، وبين المتصوفة والمجاهدين، ونشأت نزعات بين أهل العقل وأهل النقل، وبين السنة والشيعة، وهكذا انتصر كل ذي رأي لرأيه، وشايعه في ذلك أشياع وأتباع، فتكونت إذاك الفروع المذهبية والفرق الدينية والتوجهات السياسية.

2- استقالة العقل المسلم وانكفاؤه منزويا يتحرك في حدود ما يسمح به هوى الحاكم وترضاه له نزواته، وهو ما أدى إلى تضخيم جوانب علمية معينة (لها أهميتها طبعا)، كالفقه اليومي مقارنة مع جوانب علمية أخرى كالسياسة والحكم مثلا، والمتأمل في تاريخ العلوم الإسلامية يبرز له بشكل جلي هذا الحيز الكبير الذي تحتله مصنفات الأحكام الشرعية الفقهية، وهذا الغياب والصمت المطبقان تجاه قضايا الشؤون السياسية، لو يكن الأمر أمر عجز عقلي علمي إنما هو الاستبداد والظلم أينما حلا أوقفا عجلة التفكير السليم.

3- ظهور انحراف في تطبيقات بعض العلوم، كعلم الكلام مثلا، الذي بدأ أول ما بدأ جدالا عن الدين ومنافحة عن عقيدته ضد العقائد الكافرة والملحدة والضالة التي تسربت مع امتداد الدولة الإسلامية وبدخول أقوام جدد إلى الإسلام، ثم ما لبث أن زاغ عن سكته وحاد عن مبتدأ انطلاقه ليحمل سلاح التفكير والتعسير والتبديع في وجه العامة والخاصة.

ونرى ذلك واضحا في:

زعمهم أن من لا يعرف الكلام ولم يعرف العقائد الشرعية بأدلتها المحررة فهو كافر، وهو ما يعني التضييق على الناس والتفتيش في ضمائرهم.

المحنة التي تعرض لها صالحو هذه الأمة والمتعلقة بخلق القرآن أيام المأمون العباسي، وهي المحنة التي تنبئ عن ما ينتج عن هذا الوصال النكد بين العلم والحكم، خاصة إن كان العلماء منافقين والحكام متسلطين(4).

إن هذا التشتت في الفهم، واستقالة العقل وانحراف التطبيق، عوائق حالت دون نهوض الأمة الإسلامية من كبوتها الحضارية التي أفرزها الانحراف عن منهاج النبوة، وإن تجاوزها رهين بإعادة بناء الشخصية الوارثة الكاملة العالمة العاملة، وهو أمر نعتقد أن سبيله ممكن إذا امتلكنا تصورا علميا مضبوط لأفق البناء العلمي في غد الخلافة الوارثة أساسه:

– إعادة ربط العلاقة السلطة بين الأخلاقية الإيمانية المتمثلة في أمانة العلماء، وبين القوة المنفذة الوازعة الممثلة في عدل الأمراء، أي ربط الدعوة بالدولة، وجمع الحكمة بفصل الخطاب.

– إعادة المياه إلى مجاريها من خلال الجمع الأفقي والعمودي بين السلفية والصوفية، والسنة والشيعة، ليلتقي العقل والنقل والقلب، فيجتمع أمر المؤمن فلا يكون فرطا، بل يكون عمقه الإيمان يكتسبه بصحبة ناصحة وذكر منير وصدق هو البرهان.

قال الغزالي: “ومن ظن أن مدرك الإيمان الكلام والأدلة المحررة والتقسيمات المرتبة فقد أبعد، لا، بل الإيمان نور يقذفه الله في قلب عبده عطية وهدية من عنده، تارة بتبنيه من الباطن لا يمكن التعبير عنه، وتارة بسبب رؤيا منام، وتارة بمشاهد حال رجل متدين، وسراته نوره إليه عند صحبته، وتارة بقرنية الحال.”(5)

خاتمة:

لقد شكل الانكسار التاريخي وما نجم عنه من انتقاض عرى الحكم، صدمة قوية قي تاريخ المسلمين مازلنا نحيا تبعاتها إلى الآن، وإن فهم هذا الانكسار ونتائجه أمر ضروري لفهم حاضرنا والنهوض من كبوتنا السياسية و العلمية خاصة عندما نسعى إلى إعادة بناء الشخصية الإسلامية الوارثة قلبا وعقلا وإرادة عبر التربية المرقية في مدارج الإيمان، المهذبة للوجدان، المشاركة الناس في هموم معاشهم.

الهوامش:

(1) يراجع كتاب “نظرات في الفقه والتاريخ” عبد السلام ياسين.

(2) “المنهاج النبوي” عبد السلام ياسين “خصلة الصحبة والجماعة” ص126 ط/الشركة العربية (ط3).

(3) “الخلافة والملك” أبو الأعلى المودودي ص51.

(4)”الرسالة العلمية” عبد السلام ياسين ص19.18.17.16.15.

(5) يراجع كتاب “صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام” السيوطي ص184- 185 نقل ذلك عبد السلام ياسين في “الرسالة العلمية” ص 17-18.