– كلمة بذل وردت في الحديث النبوي معناها لغة إعطاء الشيء والجود به استهانة به في مقابل الفضل المرجو.

– حين تجتمع الدعوة والدولة في يد جند الله تكون أموال الأمة مالا لله ينفق في وجوهه لكن البذل يبقى البرهان الأول لصدق الصادقين.

– المال والجهد عصب الدعوة، وبذلهما التزاما بعهده، وتطوعا بالخيرات هو المصدر الأول والوسيلة الأولى لتربية العصبة الخيرة. والمال والجهد مستقبل الدولة أيضا.

– شمل العمل التطوعي، حسب الإمكانات والمرحلة، تنظيم تعاونيات فلاحية وتجارية وخيرية، وتنظيم تعاونيات إنتاجية واستهلاكية، وتنظيم أعمال لاستصلاح الأرض وسقيها وفلاحتها، وتنظيم وحدات صناعية، وتدريب الشباب على الأمن الداخلي والخارجي. إلى آخر مهمات التنمية. ويوم تقوم دولة الإسلام نجد أنفسنا هيأنا الأطر الصالحة لتسيير دواليبها، وهيأنا القيادات الشعبية القادرة على إخراج ما عند الشعب من قدرة على البذل، بذل المال والجهد.

– يشعر المؤمن حين نضعه عند وفوده في مشروع تطوعي أنه عضو منتج صالح، فهذا يقوي عزمه لما يرى من نتائج جهده. وهذا هو الجانب العملي الضروري في التربية بعد الجانب الآخر جانب التربية الروحية الإيمانية التعليمية التأليفية. يجب ألا يترك المؤمنون يركدون في صحبتهم، منكمشين على أنفسهم. بل يدفعون إلى الميدان دفعا من أول خطوة، على أن لا يصرفهم الجهد الميداني عن المهمة الشاملة، مهمة تكوين شخصيتهم الإيمانية. العمل التطوعي الميداني جزء لا يتجزأ من التربية، لكنه الجزء لا الكل.

– التطوع الميداني يهيء فرصة للمؤمن ليعرف مشاكل أمته، ويلتصق بواقعها ويعاني آلامها، ويتهيأ لحمل أعبائها.

ندفع المؤمنين لميدان التطوع، يعطون الشعب من أموالهم، ووقتهم، وجهدهم. فينتقلون بذلك من الموقف التابع إلى الموقف المسؤول، ومن ذهنية الذي يبحث عمن يحل مشاكله، إلى عقلية القوي الأمين، يتعلم القوة والأمانة في الميدان لا في الأحلام، يحل هو مشاكل الناس، لا يكون عالة على الناس.

– مشاريع التطوع ينبغي أن تنظم، فيدرب المؤمنون قبل أن يقذفوا للميدان، ويكون على نشاطهم إشراف مسؤول، ويكون لعمل كل مؤمن تقويم وتشجيع يدفعانه لمزيد من الجهد.

– يستعمل الناس كلمة “تضحية” ونستبدلها نحن بكلمة بذل النبوية. الذي يعبر عن عمله بكلمة تضحية ينظر إلى عمله يستكثره، ويمن به، ويعظمه، لينال رضى الناس. والتطوع في الخير الذي نعبر عنه بكلمة بذل فتوة ترى فضل الله على أهلها أن أهلهم لخدمة دينه والموت في سبيله.

– لا معنى لعبارة الحل الإسلامي إلا ببذل شامل. تبذل العصبة المؤمنة مالها ووقتها وجهدها وعرقها ونفوسها في سبيل الله، ثم يسري البذل في المجتمع ليذيب الفروق الطبقية، والظلم الاجتماعي، ويحول البطالة عملا، والكسل نشاطا، والتواكل همة، والتبعية استقلالا.

– مهمات كالجبال، تحتاج لرجال سامقي الهمم، متوفري الخبرة، قادرين على العطاء بلا حساب. بذل.

دعاة فعلة، متواضعون، على مستوى المهمات اليومية، بالصبر الدؤوب. وعلى مستوى المهمات المصيرية، بنفس الهمة، والفعل الخبير، والدقة والتواضع.

– الزكاة حق الله، وبذل الفضول عزيمة نبوية في ظروف خاصة. فهما نصيب الطاعة في إقامة العدل الاجتماعي.

وبعد الحق المفروض، والعزمة اللاحقة بالفرض، يأتي التطوع من صدقة يحب الله مؤتيها ويثيب عليها، ومن كرم يتحلى به المؤمن.

الصدقة التطوعية والإنفاق والكرم الفاضلين تكملة فقط لواجب الزكاة وبذل الفضول. فالمجتمع الإسلامي صلبه العدل المفروض، ولحمته التطوع بالخيرات. قاعدة العدل الواجب عليها يقوم الهيكل الاجتماعي، ثم يكسى هذا الهيكل، ويجمل، وينتعش، وتدب فيه الحياة الأخوية، بالعطاء المحب.

– لا يحب الله المتكبر المستعلي على المسلمين، الشحيح بماله، إنما يحب من ينفق ليسد الخلة، ويلبي الحاجة، ويأسو الجرح، ويكفل اليتيم، ويرحم المسكين، ويحمل الكل، ويعين على نوائب الحق.

– الخصلة الرابعة في تصنيفنا هي “البذل”. مدلول الخصلة التربوي هو تطهير جند الله من عاهة الشح، وهو الخطوة الأولى في طريق الفلاح. قال الله تعالى: (ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) (سورة الحشر، الآية: 9).

أما مدلولها الجماعي التنظيمي فهو توفير المال اللازم لكل أنواع الجهاد.

– غريزتا حب المال والحرص على جمعه وحب الجاه والرئاسة جماع الشرور الاجتماعية.

– إذا كان تهذيب النفس وترويضها على الزهد في الدنيا أصلا من أصول التربية الإيمانية الإحسانية وشرطا من شروطها في خاصة الفرد المومن الذي نفض يده من كل شيء ليتفرغ لطلب الله في رفقة محدودة بعيدا عن المجتمع، فإن مشروطيَّتها آكدُ، وتحقيقها أبعد منالا، في حق المومنين العاملين جماعة، القائمين جماعة، لإحقاق الحق وإظهار دين الله. إن لم يُبطل القائمون الباطل في نفوسهم فلن يستطيعوا إبطاله في غيرهم. وإنَّ بناء النفس وتحصين النفس وتزكية النفس بإخراج حب الدنيا جملة وتفصيلا من القلب لهو البناء. وما يزكيها إلا الله، وما يُفلح في استئصال الجرثومة الذئبية إلا من ذكر الله.

– من قواعد امتلاك النفس وقهر الغرائز والعزوف القلبي عن الدنيا ينطلق طالب الحق وسط جند الله وحزبه من الجهاد الإيجابي لامتلاك وسائل الدنيا، ووسائل القوة في الدنيا، ووسائل الكفاية في الدنيا، والعزة، والمَنَعة، والثروة، والسلاح، والاقتصاد المزدهر، والتكنولوجيا الصناعية، والزراعة المغذية، والسبق في المنافسة لدى الأسواق العالمية.

لم يكن زهد الصحابة عمادُ الدعوة النبوية والخلافة الأولى زهدَ دروشة وهروب. كان زُهدُهم عملا فعالا، كان جهادا متواصلا يبذلون النفس والنفيس في سبيل الله.

– ليس الكرم الأصيل، كرم ذوي المروءات، كالتكرم. وليس البذل المنبعث عن الإيمان والإحسان كعطاء الشحيح النفس الحديث النعمة. ترقى المومن المحسن في خدمة مولاه فحرَّرَهُ سيدهُ من رقِّ الدنيا ووعده هوادج الكرامة فهو لا يستميله الغنى والجاه. علم أن المنعم سبحانه رزاق في الدنيا والآخرة، وعلم أن الدنيا لا تساوي عند الكريم العلي الحكيم سبحانه جناح بعوضة، فهو لا يقيم لها وزنا إلا من حيث كون العمل فيها، والكسب، والبذل، والزكاة، والصدقة، والجهد والجهاد، والعبادة جَميعا واسطةٌ لنيل خير الآخرة ودرجات الوجوه الناضرة الناظرة.

– المومنون المحسنون الشاكرون قليل من العباد. والعاملون الباذلون شكرا قليل. قال تعالى: (اعملوا آل داود شكرا. وقليل من عبادي الشكور).(سورة سبأ، الآية: 13).

– من النبْع القلبي، نَبع البر العميق الشامل الجيَّاش، لا من ضوابط القانون، يُملي إيمان المومن على المومن وإحسان المحسن على المحسن فريضة العطاء في سبيل الله، من زكاة محدودة وصدقة سمحاء. وعلى أركان البر، لا على بنود القانون يتأسس التكافل الاجتماعي في المجتمع الإسلامي الأخوي، وفي تعامل المسلمين مع الناس أجمعين، إذ لا حدود للبر تحبِسهُ عن الوفاء بحق الضعيف والمحتاج من إنسان وطير ودابة.

– الانبعاث الإسلامي والحمد لله في مراحل اليقظة، والاكتمال الإيماني والإحساني الذي يؤسس البر مشروع تربوي ترعاه عناية الله على يد الربانيين من الدعاة. وشؤون الأمة في قضايا العدل والبر، مثل شؤونها السياسية، يجب أن تتعهدها الدعوة منذ هذه المراحل الأولى بالتنظير والتطبيق وتهييء النماذج المتعددة حتى إذا تمكنت الدعوة من الدولة، ومكن الله للأبرارِ في الأرض، تركبت العلاقات في دولة القرآن على تركيبة لا تستوعب فيها الدولة الدعوة، ولا يستأثر فيها وازع السلطان بالأمر والنهي في جليل الأمر وحقيره.

– الترف هو “التوسع في النعمة” كما قال الراغب الأصفهاني رحمه الله. وأضيف بأنه التوسع في النعمة المُفضي إلى الفسق والفساد والإفساد. المترفون فِئَةٌ مغضوب عليها في القرآن. قال الله عز وجل: (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا(.(سورة الإسراء، الآية: 16) أمرناها بالأمر القدَري لا بالأمر الشرعي، لأن الترف المُدَمِّر فحشاء، والله لا يامر بالفحشاء.

– كلمة “تقلل” أستعملها لتقابل كلمة “ترف” القرآنية كما يقابل الإسلام الكفر، وكما يقابل العدل الظلم، والإحسان الطغيان والشورى الملأ (…)التقلل تحكّم إرادي في الاقتصاد ومصارف الأموال وموارد الدولة. التقلل انضباط لا تخضع له إلا مقهورةً أغلبيةُ النفوس البشرية النهمة بِنَهَم البطن ونهم الفرج ونهم الفَخفخة ونهم التكاثر في زينة الحياة الدنيا.

التقلل زينة الله والطيبات من الرزق نتناولها من يد المنة الإلهية بالشكر والورع في حدود الحلال والحرام والمباح والمكروه.

التقلل غير القلة. إذ القلة فقدٌ يلهي عن الله. القلة فقر هو أخو الكفر. وقد تعوذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من القلة فقال: “اللهم إني أعوذ بك من الفقر والقلَّة والذلَّة. وأعوذ بك من أن أظلم أو أُظلم”. رواه أبو داود والنسائي وابن حبان عن أبي هريرة بإسناد حسن.

التقلل سنة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا”. أخرجه الشيخان عن أبي هريرة. والقوت ما يكفي دون زيادة.

التقلل إمساك على زمام النفس لكيلا تجتلبها المغريات. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد هذه المنزلة، أوصى بالتقلل حتى يكتفي المومن في خاصة نفسه بمثل زاد الراكب، فكان صحابته مثالا للزهد والتعفف والبَذَاذَةِ التي هي من الإيمان كما جاء في الحديث. البذاذة عكس الترفه في الزينة.

التقلل تضييق إرادي على النفس في الكماليات لا في الضروريات، ليوفر العبد من ماله ومن نفقته، ما به يصل الرحم ويحمل الكَلَّ ويعين على نوائب الحق ويصطنع عند الله عوائدَ البِر.

وإن التوفير والاقتصاد في النفقة لواجب جهادي على كل مومن ومومنة في ظل دولة القرآن لجمع رأس المال الضخم الذي تحتاجه الأمة للتصنيع.

التقلل غير الشح، هو خلق محمود، وتعبير عن الهمة العالية، همة العابرين لمنازل الدنيا يحدوهم الشوق إلى ما عند الله. التقلل عدل وبر واعتدال وعطاء من النفس بواسطة العطاء من النفقة. هو اقتصاد قوله تعالى: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا) (سورة الإسراء، الآية: 29) هو نظام قوله تعالى: (كلوا واشربوا ولا تسرفوا. إنه لا يحب المسرفين) (سورة الأعراف، الآية: 29) ويدمِّر سبحانه وتعالى الفاسقين المترفين.

التقلل إيثار للمحتاج بالفضل مما عندك، فإن لم يكن لك فضل فاعمل واتعب واكسب لتعود ببرك وإيثارك على من لا قدرة له على الكسب. حبُّ المساكين كان دعوةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو حب لا معنى له إن كان حبا عذريّا، لا معنى له إلا بالبذل من الفضل، لا معنى له إلا بالبر والمواساة.