الابتلاءات مجلبة لوخزات الرحمة الإلهية فهي تهدي الضال، وتوقظ الوسنان، وتقيم الحجة على الكافر، وتثبت أقدام الصابر المحتسب، قال تعالى: (ألم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) (العنكبوت: 1، 2، 3). فالفتن اختبارات تشحذ عزيمة المؤمن، وترفع همته لطلب المعالي، وتفضح زور وبهتان مدعي الإيمان. يقول ابن القيم رحمه الله: “إنما يصيب المؤمن في هذه الدار من إدالة عدوه عليه وغلبته له وأذاه له في بعض الأحيان أمر لازم لابد منه، فهو كالحر الشديد والبرد الشديد والأمراض والهموم… لما اقتضته حكمة أحكم الحاكمين”. فالبلايا ضم بيد الحكمة الربانية إلى الجناب الأسمى، فإن أثمر البلاء رجوعا إلى الله وانجماعا عليه فهو علامة سعادة العبد المبتلى، وإرادة الله الخير به، فترفع عنه البلية وقد عوض منها أفضل العوض وأتمه، وهو الإنابة إلى الله بعد طول شرود. فالبلية في حق هذا عين النعمة والعطاء، رغم كراهة نفسه لها، ونفور طبعه منها. قال تعالى 🙁 وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) (البقرة :216). ويقول ابن الجوزي في كتابه تذكرة الوعظ: “كل مصيبة لا يكون الله عنك فيها معرضا فهي نعمة”.

إن الابتلاءات تكشف قيمة الأشياء ومعدنها الكريم بعيدا عن أي بهرجة زائفة.

نقف في هذه العجالة على أمرين اثنين يلتبسان على الدخيل السقيم، القاصر على تسنم ذروة الكمال: الحرية الحقة ومطلب الصحبة المنيف.

السجن وحرية الإباء: اخي أنت حر وراء السدود *** أخي أنت حر بتلك القيود

إنها معادلة صعبة أن يجتمع ضدان  في ظاهر الأمر- في بوتقة حميمية وينسجا بينهما خيوط الوفاق والمحبة، فهذا أمر لا يصدقه من دفن فطرته في مطامير المادية، وحبس عقله المتأله عن استشراف الغيب والنظر في فعل اللطيف الخبير الذي ينزل البلاء مقرونا بالولاء.

فالسجن في اعتبار هذا السابح في غلواء عقله الأسير بين قضبان نفسه يرمز إلى ضنك العيش، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في المال والأهل والولد، والتيه في بيداء عالم مجهول، الداخل إليه مفقود موبوء، والخارج منه موؤود منبوذ.

فحويصلات الجاحد العَلومي، ومفردات قاموسه، وأدوات تحليله لا تستوعب مفهوما ولا منطوقا للحرية داخل الأقبية، إلا إذا تآخت مدلولاتها مع الرق والاستعباد والحرمان وهذا أمر تأباه العلمية البحثة، والعقلانية المجردة!

في أذن هذا المستغشي لثياب عناده، المدثر بشعار أنانيته المتوشح بأسمال معاصيه، لا يُسمع إلا صوت يبشره بحرية عرجاء بتراء شوهاء، تعكس ضجيج سيمفونية الجسد الغارق في أوحال كثافته.

إن الحرية التي يعزف على إيقاعها هذا الصنف من الناس أمدها قليل، وعمرها قصير، وبهرجتها زائفة يعقبها بؤس وحسرة وندامة.

إنها إباحية وسوم مع الرعاع في سفوح الشهوانية المأِلهة للجسد، المتنكرة للروح والقلب، ولا مكان لوجود المعاني السامية من طهر وبذل… بين مفرداتها.

أي حرية ترتجى ممن همه في لقلقه وذبذبه؟ أفلا يدري المسكين  الحاذق في زعمه- أنه سجين طبعه، وأسير هواه.

أفلا يتدبر الولهى بهذه الحرية بهيمية نفوسهم، وتكلس عقولهم، ورتابة عيشهم، وسماجة ذوقهم، أم على قلوب أقفالها، فلم تعد ترى إلا سراب الشهوات، ووهج اللذات مرتعا لحرية تافهة آفلة، يقول ابن القيم ـ رحمه الله ـ في كتابه النافع الممتع “الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي”: « ولا يزال العاصي في أسر الشيطان، وأسر النفس الأمارة بالسوء، وسجن الشهوات، وتسقط منه الجاه والمنزلة، وتسلبه أسماء المدح، وتكسبه أسماء الذم، وتمحق بركة العلم والعمل والرزق والعمر وكل شيء». هذا حال من اختار التسكع في ملاهي العبثية الماجنة يستحلي حرية لقيطة تعاف رذالتها النفوس الزكية والقلوب المؤمنة.

أما المؤمن فيتجلى بريق حريته في كونه غير أسير لشهواته، ولا مركون إلى تأليه نزواته، فهو عبد لله وحده، استطرح أرض الافتقار بين يدي العزيز الجبار، فعلى قدر قوة إيمانه يحظى بمزيد من العزة والعلو والتأييد. قال الله تعالى: “ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين” [آل عمران139]. وقال سبحانه “ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون” [المنافقون8]. وقال: “فأيدنا الذين ءامنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين” [الصف14]

لقد عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الصحابة أعزة في السراء والضراء، فكانوا أملك الناس حرية وأعظمهم جاها وأجلهم قدرا، لأن الإيمان يبوئ معانقيه المقام الأسنى، أما أهل الشرك والكفر والنفاق فلا مناص للمتعلقين بأستارها من الدرك الأسفل وسوء الحال وكآبة المآل، وإن بدوا في الظاهر أعزة وجهاء. قال الحسن البصري رحمه الله: « إنهم وإن هملجت بهم البراذين وطقطقت بهم البغال، فإن ذل المعصية لفي قلوبهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه».

إن ما يحل بالمؤمن من محن على أيدي أعدائه لا ينزع من يديه صولجان العلو والكرامة ما دام متوسدا بالصبر الجميل جاثيا على ركب الضراعة طالبا العون ممن له الخلق والأمر، معفرا وجهه في تربة العبودية والافتقار إلى مالك الملوك، ذي الجلال والإكرام.

إن الكريم الوهاب يلبس المؤمن الخاضع لجلاله، الناصر لدينه، حلل بهاء العزة وجمال الحرية الحقة وهو ثاويا بين قضبان السجن، لأنه استقبل اختيار الواسع الحكيم بصدر منشرح، وقلب راض محتسب، فلا جرم أن يظفر بقبس عبودية الاضطرار والانكسار على الدوام، ويستروح عبر حريتها الـسـنية نسيم العِندية والقرب «أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي». الحديث القدسي.

ففي السجن تتهاوى جميع الأنداد، ويهجر المرء المال والأهل والأولاد، لتنفتح أمام الصادق الصابر على مطارق القدر أبواب الإنابة والضراعة لمن يصير الحزَن سهلا، والعسر يسرا، فيهنأ عيشه برغد الأنس وطيب المحبة الصادقة لمولاه” أما سمعت قصة أيوب عليه السلام لما أراد الله عز وجل تحقيق محبته واصطفائه وأن لا يبقى لغيره فيه حظ كيف أفرده من ماله وأهله وولده وأتباعه… انقطعت عنه الأسباب والحول والقوى، وبقي أسير محبته وقدره وقدرته وإرادته وسابقته، كان أمره صبرا ثم صار في الانتهاء عيانا كان الأول مرا وصار الثاني حلوا ، طاب له العيش في بلائه كما طاب عيش إبراهيم عليه السلام في ناره”.

فهما إذن حريتان: حرية هي جنة الدنيا، و لذة القلب، ونعيم الروح وغذاؤها، يتحرر بها المرء عن كل ما سوى الله عز وجل، وينجذب بالكلية عبدا خاضعا لله. إنها الحرية التي يسعى إلى ترسيخها الإسلام دين الله الذي جاء لينقل البشرية من مستوى الدوابية اللاصقة بأرض الشهوات الفانية إلى قيمة الإنسان الخليفة في الأرض المكرم عند الله، والمعد للآخرة ونعيمها أو سعيرها.

وحرية هي بهجة للنفس الأمارة بالسوء، وسجن للقلب، وغم للروح، فهي مجلبة لنكد التفسخ، وعناء الانحلال.

إنها حرية الهوى المتحللة من كل خلق ودين، الداعية إلى الفوضى العارمة، والإباحية الماجنة، وهذا ما فصله الحبيب المرشد بيانا شافيا حيث اعتبر أن: “الحرية في التصور الإسلامي ليست هي حرية الهوى، حرية كل واحد يمارس نشاطه وفق مصالحه، بل هي حرية الإنسان من أنانيته التي تحبسه عن بلوغ كماله الروحي، وحريته من هواه وانضباطه تحت راية القرآن، يدخل في الجماعة؛ لأنه لا حرية للإنسان إلا داخل تضامن اجتماعي يقيه طغيان الفئة المناهضة أو طغيان الدولة”.

ويزيد الأمر جمالا بربطه للحرية مع معاني المسؤولية، وجعلهما صنوان لا يفترقان في الوسيلة والغاية: « إن حرية الإسلام ومسؤوليته لها معنى واحد، هو أن نسير إلى الأمام بيقظة ومضاء نقتحم كل عقبة ونستحلي كل مر وتقوي على كل مكروه». (الإسلام غدا ص:680).

لقد بين لنا الحق عز وجل في سورة البلد أن اقتحام العقبة هو أولا فك رقبة، وما عامة الخلق إلا رقاب مرهونة في عبودية العادة والغفلة والأنانية، ولا طريق لتحريرها إلا بسلوك محجة المنهاج النبوي، منهاج اقتحام:

ـ عقبة الأنانية المستعلية القاعدة بالإنسان عن طلب معالي الإحسان.

ـ وعقبة الغفلة الحاطة للإنسان في درك الدوابية عن مقام حريته في رضى ربه.

ـ وعقبة العادة الجارفة بالنفوس الكالة الكسولة نحو مريج الدعة والعجز والإهمال.

فالحرية المسؤولة تحتاج إلى تربية شمولية تلامس القلوب فتبعثها حية من موات، وتساور الأرواح في معراجها السامي المجدد للميثاق الأزلي )ألست بربكم(، وتجاري العقول في تفكرها الآفاقي والأنفسي لتنفي عنها غبش الظنون والأوهام، وتحرر الأجساد من طاغوت المتألهين المارقين قياما بأمر الله وطلبا لوجهه الكريم، وجهادا في سبيل المستضعفين.

فالحرية المثمرة للحياة الطيبة في الدنيا والآخرة سلوك قاصد منضبط يندرج في مشروع عظيم الآفاق، مترامي الأطراف يؤهل الإنسان لاستحقاق الخلافة في الأرض، بعيدا عن أي تخبط عشوائي يهلك الحرث والنسل، والجزاء الأوفى في الآخرة.

اقتحام للعقبات، وإقدام على تجشم المكاره صعُدا إلى ذروة الجهاد والمجاهدة. قال الله تعالى: “والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله مع المحسنين” (سورة العنكبوت).

إنه لا حرية حقيقية بدون تربية، وإنه لا تربية بدون صحبة ولي مرشد.

السجن وصحبة الأولياء:”ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم”

“جمال وجلال” و”عطاء ومنع” و”قبض وبسط” توحي هذه الثنائيات إلى نوع من التدابر والمفارقة، والحقيقة عكس ذلك، فهما وجهان لحقيقة واحدة عزيزة الوجود ساطعة الأنوار: المعرفة الكاملة المتجلية في أسماء الله الحسنى وصفاته العلى.

إن هذه المعرفة الكامنة في الفطرة النقية، ليست سطورا تحويها صفحات سفر ضخم بقراءة فصوله وحفظ كلماته يسطع لك قبس من شعاعها الوهاج، بل هي عطاء رباني يهبه الكريم الوهاب لخواصه من خلقه الأنبياء وحوارييهم وورثتهم جيلا بعد جيل، فيعقلوا علم اليقين قوله عز وجل:” يفعل ما يريد” (البقرة 253، الحج 14). ويـبصروا عين اليقين أن الله عز وجل “لا يسأل عما يفعل وهم يسألون” وأنه “كل يوم هو في شأن”، يقدم ويؤخر، يرفع ويخفض، ويقبض ويبسط، ويعز ويذل، ويعطي ويمنع عطاء غير مجذوذ، و منعا غير ممدود.

إن السجن مرآة عاكسة لصور الجلال والقهر والجبروت لما يحويه من غصص الوحشة، ومرارة السلب، و كاسف البال، فهو رحاب حيوي تتجلى فيه صفات عبودية الجلال بأبهى صورها، بحيث لا يجد المؤمن بدا من أن يستسلم كرها للقدر، ماشيا في ركابه، منكسا الرأس تحت مطارقه، منتظرا الفرج من ربه، تتقاذفه رحابة الصبر والاحتساب حينا، وآلام الضجر والقنوط حينا آخر.

وهذا أمر تتقاسمه الطبائع البشرية، لأن الإنسان جبل على حب اختيار ما يسره في ظاهر وعاجل أمره، ويأبى ما ينكد صفو حاضره. قال تعالى: “وإنه لحب الخير لشديد” يقول الماوردي:” قوله وإنه لحب الخير لشديد يعني الإنسان، وفي الخير ههنا وجهان: الأول: المال قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. والثاني الدنيا، قاله ابن زيد. ويحتمل ثالثا: أن الخير ههنا الاختيار، ويكون معناه وإنه لحب اختياره لنفسه شديد”.

وأما أن يبصر المسجون بهاء عبودية الجمال وهو يرسف في قيوده، مستبشرا، راضيا، شاكرا المولى، فهذا هو معين الخصوصية، وسرها الدفين.

إن كمال المعرفة يقتضي أن يشهد المرء في معراجه الإيماني العبوديتين معا في تناغم وتلازم:

ـ ففي بحبوحة العطاء تشهد جمال المنعم فتشكره قولا وعملا فبئس العبد تشغله النعمة عن المنعم.، كما تعاين جلال المعطي وتخشى قهره، حذرا من أن تزهو نفسك وتطغى قال تعالى: “إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى “،ففي البسط تأخذ النفس حظها بوجود الفرح بالنعمة لا المنعم، وتنسى حقها.

ـ وفي ضيق السلب والمنع تشهد جمال المبتلي لك، وتنتظر وفود جوده، ووفور كرمه، لأنه يبتلي من يحب، ولأن القبض لا حظ للنفس فيه.

وهذا بالضبط ما أجمله ابن عطاء الله السكندري في حكمه البليغة:

” متى أعطاك أشهدك بره، ومتى منعك أشهدك قهره، فهو في كل شيء متعرف إليك، ومقبل بوجود لطفه عليك” ثم قال:” متى فتح لك باب الفهم في المنع عاد المنع عين العطاء” فكمال المعرفة إذن أن ترى المنع عين العطاء.

إن الذي يرتق فتق “الجمال والجلال”، ويرأب صدع “العطاء والمنع” هو صحبة كامل مكمِل يضع قدمي صدق الصاحب على جادة الهمة العالية والطلب الحثيث للمعالي، فيطير على جناحي” الجلال والجمال” عبدا ذليلا لمولاه على كل الأحوال، قاصدا سدرة المعرفة الخالدة، حتى يرى المنع من الله إحسانا وعطاء، والابتلاء منه اصطفاء واجتباء.

وإنه لمعنى يفقهه من طرق أبواب الكـَمل بأنامل الذلة، وذبح كبرياء نفسه وأنانيته بسيوف المحبة، وصبر واحتسب حتى جاءته بشرى التمكين من مالك الملك ذي الجلال والإكرام. “وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون”.

يقول القاصر عن درك منازل الرجال، القاعد على فراش الأنانية والاستكبار، الخلي من هم طلب وجه الله والآخرة: مالنا وللصحبة ونحن في رزية السجن نتجرع غصص البلاء ومرارة الازدراء؟

إن صحبة ولي وارث هي التي تصير محنة السجن حيث عبودية الجلال منحة ربانية تعبق بطيب الجمال، وتستروح أنس الجلال.

وقد رأينا تجليات هذا الكرم الإلهي الفياض في كل مراحل سجننا ـ بدءا من مخفر الشرطة إلى يومنا هذا  رأي العين، ولمسناه لمس اليد، فإذا بالسجن جنة وارفة الظلال، يانعة الثمار.

فما السر وراء هذا العطاء الذي لا ينفد، والمعين الذي لا ينضب؟

هل نحن الطلبة الذين فتح لنا السجن أبوابه ونحن في مقتبل الشباب والفتوة نرزح تحت نير شهواتنا، وسَوْرة أنانيتنا؟ أم أن الأمر أعمق من ذلك؟

السر الدفين، والترياق المجرب في “وكان أبوهما صالحا” أبوة روحية حانية تلف المرء في رداء العناية الربانية، ليلبس من حلل: الحفظ الدائم، والتيسير اللطيف والتسيير البديع ما يحفظ له قلبه وقالبه، ويخلفه في أهله و ذويه.

فكم سبقتنا من مجموعات إسلامية اصطلت بلظى السجن وويلاته، فلم تسلم من رشاشه القذر ولوثاته العفنة.

إن الوارث الكامل لرسول الله صلى الله عليه وسلم يضع عنك:

ـ إصر نفسك لتكون عبدا حقا لله.

ـ وإصر سجنك ليسكب الكريم الوهاب في قلبك وقالبك سابغ النعم الظاهرة والباطنة، ويغدق عليك جزيل العطاء دنيا وأخرى، “قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ” (يونس: 58).

ـ وإصر المدة وإن طالت [20 سنة سجنا] فلا تحسبنها إلا أياما وساعات.

إن الصحبة ترفع المؤمن من حضيض دوابيته الأرضية، ومريج أنانيته المستعلية إلى مرتفع بذل النفس والمُهَج لتحيى الجماعة المؤمنة الموعودة بالخلافة في عز وأمن وأمان.

إن المرء إذا عاش لذاته وخويصة نفسه ينقطع ذكره وينمحي أثره يوم يغادر عالمه الصغير، وبيته الحقير، أما إذا جعل ديدنه صناعة حياة أمته، و إعلاء دين ربه، فإنه لا ينقطع نسله، و لا يبهت حضوره إن رحل إلى عالمه الفسيح:عالم الشهادة و الشهود، لأنه سيبقى خالدا في ضمير الأجيال المتعاقبة رمزا للشموخ و الإباء، وسبيلا للتمكين والاجتباء. (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) (القصص: 5 ).

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

* المعتقل: محمد الزاوي

سجن بوركايز فاس

الثلاثاء 8 ربيع الثاني 1426 موافق 17 ماي 2005