بسم الله الرحمن الرحيم. (رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين). اللهم أحسنت خَلقي فأحسن خُلقي.

للمؤرخ الكبير أحد حكماء المسلمين، أبي زيد عبد الرحمان بن خلدون “قدر مشترك” مع الصوفية. ليس مذكورا من أهل الفن، لكن له مشاركة واطلاعا ورأيا يبدو منه الاهتمام الكبير. له رسالة سماها: “شفاء السائل لتهذيب المسائل” وسع فيها الفصل الذي خصصه في المقدمة الشهيرة للتصوف.

وكانت المسألة التي ورد بها الكتاب من علماء الأندلس قد أثارت بين فقهاء تلك العدوة خلافات ومناظرات منذ القرن الثامن فما بعده. شارك في السؤال والمناظرة والمراسلة إمام الأصوليين في ذلك العصر وهذا أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله. وناهيك به سائلا ومناظرا ومراسلا!

تدور هذه الرسالة حول سؤال ورد على الفقيه المؤرخ المقرب في بلاط فاس في موضوع كان ولا يزال مثارا للخلاف. قال: “وقّفني بعض الإخوان أبقاهم الله على تقييد (أي كتاب) وصل من عدوة الأندلس وطن الرباط والجهاد، ومأوى الصالحين والزهاد، والفقهاء والعُباد، يخاطب بعض الأعلام من أهل مدينة فاس، حيث المُلك يزأر، وبحار العلم والدين تزخر، وثواب الله يُعدّ لأنصار دين الله ويذخر. طالبا كشف الغطا في طريق الصوفية، أهل التحقيق في التوحيد الذوقي والمعرفة الوجدانية، هل يصح سلوكه والوصول به إلى المعرفة الذوقية، ورفع الحجاب عن العالم الروحاني تعلما من الكتب الموضوعة لأهله، واقتداء بأقوالهم الشارحة الوافية بشروط البداية والنهاية، كالإحياء (للغزالي) والرعاية (كتاب للحارصث المحاسبي). أم لابد من شيخ يتبين دلائِلَهُ، ويَحذرُ غَوائِلَهُ، ويُميِّز للمريد عند اشْتِباه الواردات والأحوال مسائلَه، فيتنزل منزلةَ الطبيب للمرضى، والإمام العادل للأمة الفوضى”.

هذا هو السؤال: ما موقع الكتب وفائدتها ومردوديتها في السلوك القلبي؟ وهل لابد من شيخ يُسلِّمه المريد زِمامَه كما تستسلم “الأمة الفوضى” للإمام العادل، وكما يستسلم المريض للطبيب؟

ويبدأ فقيهنا الحكيم العبقري الجواب بالإشارة إلى تميّز الطائفة عن سائر علماء الإسلام بعد عهد أتباع التابعين قائلا: “ثم اختلف الناس، وتباينت المراتب، وفشا الميل عن الجادَّة، والخروجُ عن الاستقامة، ونسي الناس أعمال القلوب وأغفلوها وأقبل الجَمُّ الغَفيرُ على صلاح الأعمال البدنيَّة والعناية بالمراسم الدينية من غير التفات إلى الباطن ولا اهتمام بصلاحه. وشُغِل الفقهاء بما تعم به البلوى من أحكام المعاملات والعبادات الظاهرة حسبما طالبهم بذلك منصبُ الفُتْيَا وهدايةِ الجمهور. فاختص أرباب القلوب باسم الزهاد والعُبّاد وطُلاب الآخرة، منقطعين إلى الله، قابضين على دينهم كالقابض على الجمر حسبما ورد (في الحديث). ثم طرقت آفة البِدَع في المعتقدات، وتداعى العُبّاد إلى مذاهبَ شتى، هذا معتزلي ورافضي وخارجي، لا ينفعهم شيء من أعمالهم الظاهرة والباطنة مع فساد المُعْتَقَد الذي هو رأسُ الأمر. فانفرد خواص السنة المحافظون على أعمال القلوب، المقتدون بالسلف الصالح في أعمالهم الباطنة والظاهرة، وسُموا بالصوفية”.

ويَخلُص عالمنا الفحل إلى صُلْب الموضوع فيحدد أهداف التصوف في ثلاث مجاهدات: “مجاهدة التقوى وهي رعاية الأدب مع الله في الظاهر والباطن بالوقوف عند حدوده مراقباً أحوالَ الباطن، طالبا النجاة، وإنه التصوفُ عند الصدر الأول منهم. ثم مجاهدة الاستقامة وهي تقويم النفس وحملُها على الصراط المستقيم حتى تصير لها آداب القرآن والنبوءة، بالرياضة والتهذيب، خُلُقاً جِبِلِيَّةً، طالبا مراتب الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين. ثم مجاهدة الكشف والاطلاع، وهي إخماد القُوى البشرية كلِّها حتى الأفكارَ، متوجهاً بكلية تعقله إلى مطالعة الحضرة الربانية،طالبا رفع الحجاب، ومشاهدة أنوار الربوبية في حياته الدنيا، ليكون ذلك وسيلة إلى الفوز بالنظر إلى وجه الله في حياته الأخرى التي هي غاية مراتب السعداء”.

وبعد أن يبين أن المجاهدة الثّالثة، مجاهدة الكشف، تنطوي على المجاهدتين الأوليَيْن وتَنْبَنِي عليهما يُبَيّن أن همة المريد تقفُ به عند حدود مطلَبه، وأن طالب التقوى والنجاة قد لا يكون له باعث أعلى ليطلب مراتب الاستقامة، وأن طالب الاستقامة المجتهدَ لنيلها قد لا تسمو إرادته إلى أعلى ليطلب وجه الله و”مشاهدة أنوار الربوبية في حياته الدنيا”.

ويخلص إلى محور السؤال والخلاف وهو ضرورة الشيخ فيقول: “ثم اعلم أن افتقار هذه المجاهدات إلى الشيخ المُعلِّم، والمربي الناصح، ليس على سبيل واحدة. بل هو في بعضها أكمل وأولى، وفي بعضها أحق وآكدُ، وفي بعضها أوْجبُ، حتى إنه لا يمكن بدونه(…). أما مجاهدة التقوى التي هي بالورع فلا يضطر فيها إلى الشيخ، إنما يكفي فيها معرفةُ أحكام الله وحدودِه، أخِذَتْ من كتاب أو لُقّنَتْ من مُعلم أو تُدُورِسَت من أستاذ(…). وأما مجاهدة الاستقامة التي هي التخلق بالقرآن وبخلق الأنبياء فمحتاجة بعض الشيء إلى الشيخ المعلم لعُسر الاطلاع على خُلُق النفس، وخفاءِ تلوُّناتِ القلب، وصعوبةِ علاجها ومُعانَاتها(…)، فإذن يتأكد طلب الشيخ في حق صاحب هذه المجاهدة، والاقتداء فيها بسالكها المطلع على عللها(…).

قال: “وأما مجاهدة الكشف والمشاهدة التي مطلوبُها رفع الحجاب والاطلاعُ على العالَم الروحاني وملكوتِ السماوات والأرض، فإنها مفتقرة إلى المعلم المربي، وهو الذي يُعبَّر عنه بالشيخ، افتقار وجوبٍ واضطرارٍ، لا يسع غيره، ولا يمكن في الغالب حصولُها بدونه”.

رحمك الله أبا زيد! كنت تحدثنا عن المريد الطالب رفع الحجاب ليشاهد أنوار الربوبية، فإذا بك بعد حين تشتغل مع مريدك بالأكوان و”الاطلاع على العالم الروحاني وملكوت السماوات والأرض”! وأين الأكوان من المُكَوِّن ما شاء الله كشف لك من عوالمه وملكوته، وما زوى عنك فأنت عبد للأكوان إن تعلقَتْ همتُك بالأكوان ومطالعة ما دون الله، مُتَهاوِياً عن المطلَبِ الأوحد، مطلبِ الرجال، وجهِ الله.

ثم يتحدث صاحبُنا الذي صرف عمرا طويلا في مراقبة تاريخ الأمم فخرج باستنتاجه العبقري ناقلا بأمانة أقوال الرجال أصحاب الفن، ويقول: “إذا كان السالك نُصْبَ عين الشيخ وبِمرأىً منه وتمحيصٍ لأعماله وسلوكه، والشيخ قد سلك، وعلم فاسدَ الأحوال من صالحها، وعما ينشأ صالحُها وفاسدُها، وكيف ينشأ، وما يكون منها واصِلاً، وما يكون قاطعاً، وكيف تترتَّب الأحوال المقدورة على الأعمال المقدورة، ومقدارُ الزكاء في الأعمال الذي يكون عنه الصفاءُ في الأحوال، وقد خبر ذلك كلَّه بالابتلاء والتجربة والمِرَانِ، ولم يُقلِّدْ فيه الكُتُبَ والأخبار. (إذا فعل السالك ذلك) استقام السلوك، وأُمِنَتْ المخاوف، وذهب الغرور”.

ويحاور عالمنا الجليلُ الحكيمُ طائفة الأخباريِّين العاكفين على الكتب، قال: “فقال لهم (المدافع عن ضرورة الشيخ): لِمَ اعتمدتم على الكتب وتركتم الاعتماد على شيوخ الطريقة، والقوم إنما اعتمدوا على الشيوخ وتركوا الكتب؟ فقالوا: أصل السلوك إنما هو بالكتاب والسنة وما نشأ عنهما. وها هي بأيدينا مسطورة، وناقلوها منتصبون لتعليمها. وشيوخُ هذه الطريقة من جُملتهم. فما الذي يمنع من السلوك دونَهم؟ فقال لهم: إن كان مجرُد النّقْل كافياً في حصول هذا المقصود أو غيرِه فليسْتَوِ في جميع أنواع العلوم والصنائع من حَفِظَ وصفَها ولم يُعانِهَا مع مَن عاناها بالفعل، ودخل فيها حالاً واتِّصافا”.

قال مستخْلصاً: “والحق أنه لابد للسالك من الشيخ، ولا يُفضي به النقل وحده إلى مطلوبه، لا مِنْ أجل التفاوت في التحصيلين (أي في كون الشيخ أوسع اطلاعا على الكتب وأحفظَ للنّصوص)، بل من أجل أنّ مدارك هذه الطريقة ليست من قبيل المُتعارَف من العلوم الكسبيَّة والصنائع، وإنما هي مداركُ وجدانيَّةٌ إلهاميّة خارجةٌ عن الاختيار في الغالب، ناشئةٌ عن الأعمال، على هيئات مخصوصة. فلا يدركُ تمييزُها بالمعارف الكسبية، بل يحتاج إلى الشيخ الذي يميزُها بالعِيان والشِّفاه (أي المشافهة)، ويعلم هيآت الأعمال التي تنشأ عنها وخصوصياتِ أحوالِها”.

لا يزال إلى جانب صنف المستهزئين بالصوفية والتصوف الذين يُصْدِرون الأحكام الجِزافَ على غير علم، صنفُ الذين يعْترفون بما عند الصوفية من حق، لكنهم في حيرتهم وزَحمة الدنيا عليهم، وربما أساسا لغياب المسألة الإحسانية الكامل عن أفُقهم، يُصِرّون على أن التصوُّف السنيَّ الذي تحتاج إليه الأمة في عصرنا هو تصوف ينحصر في ترقيق القلوب بقراءة كتب الغزالي ومُدارسة الإحياء وما أشبهه. كيف تُفهم هؤلاء الفضلاء أن الله عز وجل موجودٌ، وأنه يُحِب ويُحَب، وأن مناديَه في السماء والأرض ينادي : إن الله يحب فلانا من عباده فأحبوه، وأن العبد المتقرب إلى الله بالفرض والنفل يأتي وقت يحبُّه الله فيفعلُ به جل وعلا ما قرأناه في الحديث العظيم الذي توقف فيه الذهبي حيرةً وتردداً، وأن علماء فطاحل من هذه الأمة جَثَوْا على الرُّكب طيلةَ هذه القرون أمام الأولياء مشايخ الطريق يلتمسون بركتهم وتوجيههم وتسليكهم وتوصيلهم إلى الله عز وجل ؟ من يُفهم هؤلاء الفضلاء أنَّ وأنّ وأنّ؟

رُبَما يزعم زاعم من النُّفاة المكفرين الجاهلين، أو يجادل فاضل من المشتغلين عن طلب الله، أن ما تُسمونه سلوكا وطريقة وشيخا وتصوّفا أمور لم يأذن بها الله ولا أوجبها بمقتضى الشرع. لمثل هؤلاء يقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ترك شيئا يُسمّى مصحفا، ولا كتباً، ولا فقها، ولا أصولا، ولا دواوين للحديث، ولا مدرسة، ولا نحوا، ولا صرفا، ولا علوما تخصصية، ولا، ولا، ولا.

ويتقابل نفي مع نفي، ورفض مع رفض. وما أنت بمُسمع من في القبور.

وتعال قف بالباب مع الأحباب الذين نصحوك، قف بباب روح المصطفى صلى الله عليه وسلم عسى نفحةُ رضىً تهب على قلبك. قال ابن القيم رحمه الله بعد أن ذكر ما رواه البخاري من اهتزاز عرش الرحمان لموت سعد بن معاذ: “إذا كان عرش الرحمن قد اهتز لموت بعض أتباعه (صلى الله عليه وسلم) فرحا واستبشارا بقدوم روحه، فكيف بقدوم روح سيد الخلائق! فيا منتسباً إلى غير هذا الجناب، ويا واقفا بغير هذا الباب، ستعلم يوم الحشر أيَّ سريرة تكون عليها يوم تبلى السرائر”.

قال سيدنا بلال يحن إلى مكة حيث عرف الله بتعريف حبيبه رسول الله:

ألا ليت شعـري هل أبيتَـنَّ ليـلة *** بوادٍ وحـولي إذْخِــر وجَليـل؟

وهـل أرِدَنْ يومـا ميـاهَ مَجَنّـة *** وهـل يَبدُوَنْ لي شامَة وطَفيـل؟

وقال أبو العباس بن العريف يصون وُدّ الأحباب:

ما زلت مذ سكنـوا قلبي أصـون لهم *** لَحظي وسمعي ونُطقـي إذ هم أُنُسـي

حلـوا الفـؤاد فما أنـدى ولو قطَنـوا *** صخـرا لجـاد بماء منـه مُنبجـس

وفي الحَشـا نزلـوا والوهـج يجرحهم *** فكيـف قَـرّوا على أذكى من القبس!

لأنهضـنَّ إلى حـشـري بـحـبهـم *** لا بـارك الله فيمـن خـانهم فنَسِـي

وقال غيره:

جسمي معي غير أن الروح عنـدهم *** فالجسـم في غربة والروح في وطن

فليعجب النـاس مـني أنَّ لـي بَدَنا *** لا روح فيــه ولي روح بلا بـدن

وقال محب رحلوا عنه:

راحوا فباتَت راحتي من راحتي *** صِفراً وأضحى حبهـم لي راحــا

فتحوا على قلبي الهمومَ وأغلقوا *** باب السـرور وضيعوا المفتـاحـا

وقلت:

ما خُنْـتُ عهـدا للوداد أحبَّتي! *** وَتَلَقَّفَتْنِـي بعْدَكُــمْ أتْرَاحِـــي

زلَّت بِيَ الأقدامُ مُذ فارقتُكــمْ *** والنَّفسُ منِّــي مُزِّقـتْ بجـراحِ

لِلـّه أيـامُ الصفـاء تبـدَّدَتْ *** فمَتى تعُـود بِطِيبَتي أفراحِـــي؟