من كتاب “الإحسان” للأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله

بسم الله الرحمن الرحيم. (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به). (حسبي الله. لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم).

في الفصول السابقة كنا نرمق طالب الحق من وجهة صلته بالله حين يذكره ويدعوه ويستغفره ويحبه ويتقرب إليه، وحين يصحب من يدله على الله ويتحبب إليه ويستمع إليه ليتعلم الإيمان قلبُه من قلبِه، وحين يصدق في نيته ويخلص ويخطو خطاه على سواء الصواب.

في هذا الفصل والفصول اللاحقة نعتبر طالب الحق وهو يصارع النوازع النفسية الاجتماعية التي تكدّر صفوه وتٌعَوِّصُ سيره وتغلبه على وجهه، يريد هو الله وتريده الدنيا والنفس والشيطان لغير الله.

نعرف صدق السالك من بذله للدنيا، أي من إعطائه ما في يده من جاه ومال ابتذالا للدنيا واستهانة بها في جنب الآخرة ثم في جنب الله. نعرف صدقه من إخلاصه وتقواه ومجانبته المباهاة في طلب العلم. نعرف صدقه من إخلاص عمله بمقتضى علمه، نعرفه من سمته، من تؤدته، من اقتصاده، من جهاده.

في شوط البذل يطلع علينا وجهان من وجوه الشر يَتَلَمَّظانِ لسفك مروءة السالك وخلُقه ودينه. وجهان لغرائز مغروزة في بشريتنا تفتح طلعتُها المُخزية إلى السقوط هُوّاتٍ، وتتراءى مع مثيلاتها في الآخرين من حولنا، من صديق وعدو ومنافس، فيكوِّنُ تجاورُها وتحاوُرُها وتعاملها منظر النفاق الاجتماعي، والتحاسد، والشح، والرياء، والتظالم، والتسلط.

قال طبيب القلوب وحبيب علام الغيوب رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما ذئبان جائعان أُرسِلا في زريبةِ غَنَمٍ بأفسد لها من الحرص على المال والحسب في دين المسلم” 1 .

غريزتا حب المال والحرص على جمعه وحب الجاه والرئاسة جماع الشرور الاجتماعية. من منْبَعهما في عمق جذور النفس البشرية الفردية تجري آفة الغِنَى الحرام والحُكم الحرام. والتمثيل النبوي، على نبينا الصلاة والسلام، لتكالب الوحشين على دين المسلم حين يستيقظان فيه ويعتُوان عليه يعطي صورة بالمواجهة والمقابلة لفتكهما بدنيا المحرومين والمظلومين والمحقورين. فمال المعدُوِّ عليهم من الناس وشرفُهم هما القيمة الدنيوية التي سطا عليها الذئب البشري ففسد دينه. فإن ساد في الناس التعامل بالمثل والتسارُع والتنافُس على المال والسلطان، وهو قمة الحسب والجاه، فسدت دنيا الجميع، وفسد دين الجميع، وخسر الجميع الدنيا والآخرة.

تجنَّب الزهاد من هذه الأمة والصوفية الصادقون الشراسة الذئبية باعتزال الغابة الاجتماعية السياسية وتركوها لضواري العدوان والسلطان العاض والجبري منذ سطو الفئة الباغية الأموية وانقلابها. ولم يَسْلَم عالم الزهاد والصوفية من ملاحقةِ ذئبيَّة الحرص على المال والحسب، بل سرعان ما تقمص الذئبان الجائعان الحيّان في نفوس البشر الزيَّ الصوفي، وتكلما بلغة الصلاح، واصطنعا السمعة والكرامة والحُرمة. وجمع قوم المال، وقعد قوم في صدور المجالس تحيط بهم هالة العظمة، أدعياءَ ذئاباً.

في أفق الخلافة الثانية على المنهاج النبوي نستبصر التربية النبوية من زاوية طب القلوب. وإنك تستطيع أن تؤلف حزبا قويا، وتثور على الظلم باسم الإسلام، وتقتل التضامن الوحشي بين ذئبي المال والسلطان في غيرك، وتكسر صرحه. لكن إن تصديت للحكم، وسقطت الدولة بين يديك وما معك رجال قهروا ذئبيتهم النفسية، وهذبوها، وصعّدوها في أعمال بنّاءة، فلن تكون ثورتك الإسلامية، اسما ونية في أول المسار، إلا تجربة أخرى للصراع الدائم بين النفوس البشرية المائلة مع الهوى، المُلحدة المائلة عن الله.

إذا كان تهذيب النفس وترويضها على الزهد في الدنيا أصلا من أصول التربية الإيمانية الإحسانية وشرطا من شروطها في خاصة الفرد المومن الذي نفض يده من كل شيء ليتفرغ لطلب الله في رفقة محدودة بعيدا عن المجتمع، فإن مشروطيَّتها آكدُ، وتحقيقها أبعد منالا، في حق المومنين العاملين جماعة، القائمين جماعة، لإحقاق الحق وإظهار دين الله. إن لم يُبطل القائمون الباطل في نفوسهم فلن يستطيعوا إبطاله في غيرهم. وإنَّ بناء النفس وتحصين النفس وتزكية النفس بإخراج حب الدنيا جملة وتفصيلا من القلب لهو البناء. وما يزكيها إلا الله، وما يُفلح في استئصال الجرثومة الذئبية إلا من ذكر الله.

إذا كان الصحابة رضي الله عنهم غير منَزَّهين عن تسلط الهوى عليهم، وهم النموذجُ، فما تقول فيمن قنعوا من الدين بإسلام فكري أجوف؟ ما نزه رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه حين خوفهم إفساد الذئبين الجائعين، بل خصَّص وعيَّن وحذَّر فقال لهم يوما وقد جاءهم رزق غزير بعد طول انتظار: “والله ما الفقر أخشى عليكم. ولكني أخشى عليكم أن تُبْسَط الدنيا عليكم كما بُسِطَت على من كان قبلكم فتنافسوها (أي فتتنافسوها) كما تنافَسوها وتُهلككم كما أهلكتهم” 2 .

ولم يطلب المصطفى المجتبى الطاهر المطهَّر صلى الله عليه وسلم المستحيل منا. لم يطلب القضاء الجذري على الذئبية فينا، إنما خاف تحوُّل القط الأليف المهذب الذي يجد في الحلال المشروع المضبوط المزموم مجاله الحيوي إلى نمر كاسر يَحْطِم الحدود ويكسر القيود. ثم إنه صلى الله عليه وسلم أعطانا نعتا من نعوت الأنفس الزكية التي اقتحمت العقبة إلى أعلى ولم تنجرف مع السيل الهابط.نَعَتَ لنا مطلبا عاليا نوظف فيه حدتنا الحسدية وعنادنا الحرصيَّ. قال صلى الله عليه وسلم: “لا حسد إلا في اثنتين: رجلٍ آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها، ورجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق” 3 . وأخرجا من حديث عبد الله بن عمر أنه صلى الله عليه وسلم قال: “لا حسد إلا في اثنتين. رجلٍ آتاه الله القرآن فقام به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وأطراف النهار”.

الحرص على الدين والعلم، والقرآن قوام الدين والعلم، ثم الحرص على المال والكسب، وهما القوام المادي الضروري للدين والعلم والقرآن جميعا، باعث مشروع معترف به موضوعةٌ له النعوت ليسير في ركاب المومن، وركاب جماعة المومنين، السائرين إلى ربهم من الدنيا إلى الآخرة، عَبْرَ الدنيا. ما في ديننا تعطيل ولا رهْبنة. وإن السلوك الجهادِيَّ الملائم لإعادة الخلافة الضائعة لا مكان فيه لزهادة متعفِّفةٍ هاربة. كيف والعالم من حولنا ضجة واحدة، عالية صاخبة، تعوي فيها ذئاب الرأسمالية ودبَبَةُ الاشتراكية!

خير الآخرة يفوتنا إن كانت الهمم الفردية والاهتمام الجماعي غاصت في مستنقع التنافس الرديء على الرئاسة الدنيوية. أما إن صعَّدنا التنافس إلى الآخرة فنِعِمَّا هي وهي خير. ومن سُبُل التنافس في الآخرة ونعيمها ومراتبها التسابق إلى إصلاح دنيا الأمة بكل جهد وبكل بذل. لا يحب الله العلو في الأرض لأنه فساد، ويحب العلو في الآخرة ويحث عليه. قال تعالى: وفي ذلك فليتنافس المتنافسون (سورة المطففين، الآية: 26) وقال الإمام الحسن البصري: إذا رأيت الرجل ينافسك في الدنيا فنافسه في الآخرة). وقال وهيب: إذا استطعت أن لا يسبقك إلى الله أحد فافعل). وقال محمد بن يوسف الأصبهاني العابد: لو أن رجلا سمع برجل أو عرف رجلا أطوع لله منه كان ينبغي له أن يحزنه ذلك). وقال غيره: لو أن رجلا سمع برجل أو عرف رجلا أطوع لله منه فانصدع قلبه لم يكن ذلك بعَجَب). قال رجل لمالك بن دينار: رأيت في المنام مناديا ينادي: أيها الناس؟ الرحيلَ الرحيلَ! فما رأيت أحدا ارتحل إلا محمد بن واسع). فصاح مالك وغُشي عليه.

من سبقك في درجات الآخرة فاتك بدائم أبدي، فأي شيء من متاع الدنيا ومالها وحسبها تبيع به آخرتك أو تُسقِط به قَدرك هناك بعرةٌ لا قيمة لها.

قال الشيخ عبد القادر رحمه الله: عليكم بالتوبة والاستغفار والحياء منه سبحانه. اخلعوا ثياب الوقاحة عليه، تجنبوا حرام الدنيا وشبهاتها، ثم تجنبوا مباحاتها بهوى وشهوة، لأن تناولكم بالهوى والشهوة يشغلكم عن الله. قال النبي صلى الله عليه وسلم:)“الدنيا سجن المومن”. كيف يفرح المسجون في سجنه؟ما يفرح! لكنه بِشْرُه في وجهه وحزنه في قلبه. بِشْرُهُ على ظاهره والآفات تقطعه من حيث باطنُه وخلوتُه ومعناه. جراحاته معصبَّة من تحت ثيابه، يُغطِّي جراحاته بقميص تبسُّمه. ولهذا يباهي به ربه الملائكة. شجاع في دولة دين الله عز وجل وسرِّه. مازالوا يصبرون مع الله عز وجل ويتجرعون مرارة أقداره حتى أحبهم).

وقال الإمام الرفاعي رحمه الله: يا ولدي! إن ملكت عقلا حقيقيا ما ملت إلى الدنيا وإن مالت لك، لأنها خائنة كذابة تضحك على أهلها. من مال عنها سلم منها، ومن مال إليها بُلِيَ فيها. وفي الحديث)“حب الدنيا رأس كل خطيئة”. فكما أن حبها رأس كل خطيئة فكذلك بُغضها والإعراض عنها رأس كل حسنة. هي كالحية، لَيِّنٌ لمسُها، قاتل سمها. لذاتها سريعة الزوال، وأيامها تمضي كالخيال. فاشغل نفسك فيها بتقوى الله، ولا تغفل عن ذكره تعالى ذرة واحدة. وإن طرقك طارق الغفلة فاستغفر الله، وارجع لباب الملاحظة، واذكر الله، واستح منه. راقبه في الخلوات والجلوات، واحمده واشكره على الفقر والغنى).

حب الدنيا خطيئة كبرى في حق المومن، وبُغضها حسنة. وفي سلم القيم الدوابية الحضارية المادية حب الحياة علامة صحة وعافية.

اللهم إنا نسألك السلامة من كل بلية.

قال حكماء من هذه الأمة:

ومن ينفـق الأيـام في جمع مالـه *** مخـافة فقـر فالذي فعــل الفَـقْـر
إذا كنت في الدنيا عن الخير عاجزا *** فما أنت في يوم القيـامة صـانــع؟
لا تغبطـنَّ أخا حرص على سَعَـة *** وانظـر إليه بعيـن الماقـت القـالي
إن الحــريص لمشغول بثـروته *** عن السـرور بمـا يحـوي من المال
يا جامعا مـانعا والدهـر يرمقـه *** مـفـكـرا أيَّ باب منـه يـغلـقـه
جمعت مالا ففكـر هل جمعت له *** يا جـامـع المال أيـامــا تفـرقـه
المـال عنـدك مخزون لوارثـه *** ما المال مـالك إلا يـوم تُنفـقـــه
إن القناعة من يحلل بسـاحتهـا *** لم يلـق في ظلهـا هما يــؤرقــه
أيهــا المُـتعِـب جهـدا نفسـه *** يطلب الدنيا حـريصـا جـاهــدا
لا لك الـدنـيـا ولا أنت لهــا *** فاجعـل الهمَّيــن هما واحـــدا
أمـران مفترقـان لست تراهمـا *** يتشـوفـان لخـلطــة وتـلاقـى
طلب المعـاد مع الرياسة والعُلى *** فـدع الذي يفنـى لما هـو بـاقي
وقال عبد لله تحرر من رِبْقة العبودية لغيره فأصبح سيداً:

يــا ليتني صــرت شيئــا *** مـن غـيــر شــيء أُعَــــدُّ
أصبحـت للكــل مــولـى *** لأنـنــــي لــك عـبـــــد
وفــي الفـــؤاد أمـــور *** مـــــا تُسـتطــاع تُعَــــد
لكـــن كتمـــان حــالي *** أحــــق بــي وأسَــــــدُّ
وقلت:

لـقِّنـوا الأجيــالَ آياتِ الجهــادْ *** علِّموهـمْ سَـوْمَ بــذْلِ المُهَــجِ
داوِ دَاء الجُبنِ من مَصْلِ العنـــادْ *** واغتسل من وَصْمِ شُــح سَمِــجِ
مـا يُلقـاها سِـوى الغُـرِّ الشِّـدادْ *** هُمْ مـلاذٌ في المَحَــجِّ الحَــرجِ


[1] رواه عن كعب بن مالك رضي الله عنه الإمام أحمد والترمذي وصححه وابن حبان في صحيحه.\
[2] رواه الشيخان والترمذي عن المسور بن مخرمة رضي الله عنه.\
[3] أخرجه الشيخان عن عبد الله بن مسعود.\