قال الله عزّ وجلّ: “ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة”.

أخبرنا عليّ بن أحمد بن عبدان قال: أخبرنا أحمد بن عبيد قال: حدثنا الحسن بن العباس قال: حدثنا سهل قال: حدثنا سعيد بن مسلم، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، عن علقمة، عن عائشة، رضي الله عنهما، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “السخي قريب من الله تعالى، قريب من الناس، قريب من الجنة، بعيد عن النار.

والبخيل: بعيد من الله تعالى، بعيد من الناس، بعيد من الجنة، قريب من النار.

والجاهل السخيّ أحب إلى الله تعالى من العابد البخيل”.

قال الأستاذ: ولا فرق -على لسان القوم- بين الجود والسخاء، ولا يوصف الحق، سبحانه، بالسخاء والسماحة؛ لعدم التوقيف. وحقية الجود: أن لا يصعب عليه البذل.

وعند القوم، السخاء: هو الرتبة الأولى، ثم الجود بعده، ثم الإيثار؛ فمن أعطى البعض وأبقى البعض فهو صاحب سخاء، ومن بذل الأكثر، وأبقى لنفسه شيئاً، فهو صاحب إيثار، كذلك سمعت الأستاذ أبا عليّ الدقاق، رحمه الله، يقول: أسماء بن خارجة: ما أحبّ أن أرد أحداً عن حاجة طلبهامني؛ لأنه إن كان كريماً أصون عرضه، وإن كان لئيما أصون عنه عرضي.

وقيل: كان مورّق العجلي يتلطف في إدخال الرفق على إخوانه؛ يضع عندهم ألف درهم، فيقول: أمسكوها عندكم حتى أعود إليكم. ثم يرسل إليهم: أنتم منها في حلّ.

وقيل: لقي رجل من أهل منبج رجلا من أهل المدينة، فقال: ممن الرجل؟ فقال: من أهل المدينة، فقال له: لقد أتانا رجل منكم يقال له الحكم بن عبد المطلب فأغنانا. فقال له المدني: وكيف؟ وما أتاكم إلا في جبة صوف! فقال: ما أغنانا بمال، ولكنه علمنا الكرم. فعاد بعضنا على بعض حتى استغنينا.

سمعت الأستاذ أبا عليّ الدقاق يقول: لما سعى غلام الخليل بالصوفية إلى الخليغة أمر بضرب أعناقهم؛ فأما الجنيد فإنه تستر بالفقر، وكان بفتى علي مذهب أبي ثور، وأما الشحام، والرقام، والنوري، وجماعة، فقبض عليهم؛ فبسط النِّطع لضرب أعناقهم.. فتقدم النوري فقال له السّياف: تدري إلى ماذا تبادر؟. فقال: نعم فقال وما يعجلك؟ فقال أوثر عليِّ أصحابي بحياة ساعة. فتحير السيَّاف، وأنهى الخبر إلى الخليفة، فردهم إلى القاضي؛ ليتعرف حالهم؛ فألقى القاضي على أبي الحسين النوري مسائل فقهية، فأجابه الكل، ثم أخذ يقول: وبعد؛ فإنه لله عباداً قاموا بالله، وإذا نطقوا نطقوا بالله، وسرد ألفاظاً أبكى بها القاضي فأرسل القاضي إلى الخليفة، وقال: إن كان هؤلاء زنادقة: فما على وجه الأرض مسلم.

وقيل: كان عليّ بن الفضيل يشتري من باعة المحلة؛ فقيل له: لو دخلت السوق فاسترخصت.

فقال: هؤلاء نزلوا بقربنا رجاء منفعتنا.

وقيل: بعث رجل إلى جبلة يجارية، وكان بين أصحابه، فقال: قبيح أن اتخذها لنفسي وأنتم حضور؛ وأكره أن أخص بها واحداً، وكلكم له حق وحرمة. وهذه لا تحتمل القسمة، وكانوا ثمانين؛ فأمر لكل واحد بجارية أو وصيف.

وقيل: عطش عبيد الله بن أبي بكرة يوماً في طريقه، فاستسقى من منزل امرأة، فأخرجت له كوزاً، وقامت خلف الباب، وقالت: تنحوا عن الباب، وليأخذه بعض غلمانكم، فإني امرأة من العرب: مات خادمي منذ أيام، فشرب عبيد الله تسخر بي؟. فقال: احمل إليها عشرين ألف درهم. فقالت: اسأل الله تعالى العافية. فقال: يا غلام أحمل إليها ثلاثين ألف درهم، فردّت الباب وقالت: أف لك. فحمل إليها ثلاثين ألف درهم، فأخذتها فما أمست حتى كثر خطابها.