يختلف الناس في نظرتهم للجامعة باختلاف منطلقاتهم وتوجهاتهم وانتظاراتهم. فالأكاديمي يراها مؤسسة لازدهار الفكر وتطوير البحث العلمي وانتشار المعرفة. والسياسي يعتبرها أرضية لاستنبات مذهبه وسوقا لترويج أفكاره، تفتح ساحتها لنشاطه ويتخذها منطلقا جماهيريا باتجاه باقي فضاءات المجتمع. وتنظر إليها الدولة على أنها منبع أطرها المستقبلية الذين تنتظر مؤسساتها ودواليبها أن يغنوها ويطوروها بمؤهلاتهم. وعند الآباء والأولياء، تمثل الجامعة منبع الأمل في حصول أبنائهم على وظائف اجتماعية هي من ثمرات سنوات التعلم والتلقي والبحث.

تلك هي الصورة المثالية التي ترتسم في الأذهان عن الجامعة. إلا أن واقعنا الحالي، بما يحبل به من تناقضات، وما ينخره من مشاكل وتباينات، جعل هذه الصورة تتغير، فأصبحت قيمة الجامعة تتضاءل إلى أن قبعت اليوم في موقع الملام ووضعت في قفص الاتهام على مستويات متعددة.

فمع المحاولات الحثيثة للتملص من العبء المالي للجامعة، أصبح مخطط الدولة منصبا على إفراغ هذه المؤسسة التكوينية من محتواها العلمي، وضرب بعدها الثقافي، بينما باتت الأولوية لتحجيم حرية الجامعيين أساتذة وطلابا وإداريين، وقتل إبداع الشباب، وتقديم كل وسائل الدعم والتحفيز للتسيب والميوعة والدناءة الأخلاقية. وقد استطاعت سلطة الدولة أن تفرض هذا الإيقاع لما غابت سلطة المجتمع، ولما فرط بثوابت المروءة والشرف والأخلاق. فالكيانات السياسية والهيآت النقابية والتنظيمات الشبابية جلها، قبلت بالوضع الجديد تبعا لهواها السياسي ولتعاملها النفعي مع سلطة لا تبخل عن ” إكرام ” الموالين. معظم الفصائل الطلابية مالت إلى هذا الخيار حتى ولو كلفها ذلك القطيعة مع الجماهير، بل حتى ولو كان الثمن الموت البطيء أو الانقراض. وفي صفوف عامة الطلبة، وجد تيار الميوعة الجارف ضالته لما ضعفت مناعتهم ضد الدخيل واهتزت قناعتهم بالأصيل. أما الأسر  التي اقتنعت بأن الجامعة أضحت الملجأ الأخير والاضطراري لأبنائها  فإنها أصبحت تشمئز من مؤسسة انحصرت وظيفتها في تصدير ألوف العاطلين إلى شوارع تستقبلهم بجحافل العساكر المتخصصة في تكسير العظام وتهشيم الجماجم ولي الأذرع المتوضئة.

بين الجامعة / المبدأ و”المثال”، وبين الجامعة / الواقع هوة سحيقة يضيع فيها العلم ويتيه الشباب، ويتعشش العبث والملل والكسل. بين هذه وتلك، تنتهب الميزانيات التي من المفترض أن تكون للبحث والباحثين، وتحرف المناهج والبرامج التعليمية تحت تأثير هاجس التسلط والإخضاع في فضاء يجب ألا تعلو فيه سلطة القهر على سلطة العلم. بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون مجال للتحرك والمدافعة والمقاومة رغم الإكراهات والعقبات، في سبيل إنقاذ الممكن، وإصلاح أوضاع جامعية فاسدة على بناء قويم. ولحركة الطلاب الناهضة المجاهدة دور حاسم في هذه المهمة التي تعتبر واجبا عينيا على كل صادق مخلص.

أمام واقع الجامعة المهاجمة المحاصرة، وبالموازاة مع الدفع الطلابي (بكسر الطاء)، لا بد أن يتصدى شباب الدعوة في الكليات والمعاهد والمدارس العليا لمختلف العلوم الكونية والشرعية، ويلجوا كل ميادين الأنشطة الإبداعية. وليس هناك شك  والثقة في الله سبحانه كبيرة، والأمل فيه تعالى عظيم  أن ذلك سيثمر أفكارا منيرة واقتراحات قوية وأعمالا مباركة تتجاوز ذهنية الشكوى والبكاء إلى ذهنية العمل والعطاء. ودون هذا المبتغى توكل على الله واجب، ورجولة تبنى وتكتسب، وواقع يدرس، وعقليات وأفكار ومذاهب تحارب، وواجبات وحقوق تؤدى.

ما بال الفصائل الطلابية تتراجع عن تأطير الجماهير؟ وما بال تنظيمات المجتمع، السياسية والشبابية خاصة، تسحب اهتمامها من الجامعة التي كانت تتصارع  بالأمس القريب  من أجل السيطرة عليها؟ أهو اختيار نابع من توجه استراتيجي، أم هو اضطرار أملاه قهر الزمان لأفكار لم تقم على تخمين رصين وهمم لم تبن على أساس متين؟

سلطة القهر وإدارة القمع وتخطيط الارتجال وتحطيم الرجال كلها عوامل تفل الحديد، فكيف لا تنال ممن لم يوطن نفسه على مجابهة الفساد تأدية للثمن وطلبا للمعالي. وهذه المعالي حين تنحصر في المكاسب الأرضية وغنائم المال والمنصب والجاه تهبط بأصحابها إلى دركات الذل والمهانة. لا يصمد على المبدأ ولا يثبت في الطريق إلا من كانت همته مرتبطة بالسماء، ويكون قصده نيل المعالي الحقيقية قهرا للنفس وعزة على الأعداء في الدنيا، وكرما وجزاء في الأخرى. وتلك هي سبيل الطليعة المؤمنة المجاهدة.

الرجل الطليعي في الجامعة  ذكرا أو أنثى  لا تشوش أحداث الساحة وتقلبها وصخبها على صفاء قلبه، ولا يمنعه ضيق الوقت وكثرة الالتزامات من مناجاة ربه. ولا يدفعه عنف الإدارة وصراع الفصائل إلى السماح في حسن أدبه، ولا يؤدي به استشراء الميوعة وتساهل الأقران في الأخلاق إلى التفريط بسمته. القتامة الفتنوية التي عمت الشارع والجامعة لا تحجب عنه نور الفتح الذي أصبحت العلامات الباهرة على قربه ظاهرة.

القائد الميداني لا يفرط بالمبادئ والأصول. مواقفه الصعبة تبدو أحيانا غريبة أو مغالية في القوة ، والثبات عليها يتطلب منه تحملا لأذى هو سنة الله في الدعوات. هذا الثبات يتحقق حين يدرك اقتناعا راسخا أن بذل المهجة والصبر على المحنة، واجب يمليه شرف حمل الرسالة حتى لا يمن على الدعوة المنصورة بإذن الله؛ وأن الجزاء الأخروي بالكينونة مع النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين، هو غير ما يطلبه من حبس همته عن حقيقة المعالي ورضي بمجرد منصب هنا أو إكرامية هناك.

الطليعي المجاهد هو الذي يثبت الصفوف، ويشحذ العزائم، وينشر الأمل. فهو لا يكتفي بمن معه يتتبعهم ويؤطرهم، وينكفىء عن عامة الطلبة. بل إن من أولى أولوياته أن يعطف على جماهير الطلاب محبة وخدمة وتوعية وتوجيها ونصحا.

“المناضل” المسؤول لا يملك المال يصرفه لعشرات المحرومين ظلما من منحهم، ولا يملك الرأسمال ليبني المدرجات والقاعات يسد بها العوز في المرافق، ولا يملك القرار يصلح به فساد السياسة التعليمية والسياسات العمومية. لا يملك كل ذلك، لكنه لا يعذر في عدم امتلاك سر حيازة إمامة الجماهير ما دام مفتاحه بيده. والمفتاح هو أخلاقه، تؤدته وحلمه، يسره وبشره، حنانه وصبره. تلك هي الوصفة الأخلاقية التي نسع بها الطلبة والناس أجمعين.

لا يعذر “الطليعي” أيضا مهما كثرت انشغالاته، وتعددت ارتباطاته، وتضاعفت مسؤولياته، في أن يتهاون في دراسته وتكوينه، لأن امتلاك ناصية العلم باب من أبواب النجاح الضرورية حيث إن الجامعة قبل أن تكون فضاء للمطارحات الفكرية والتدافع السياسي، فهي مؤسسة للتحصيل العلمي.