بسم الله الرحمن الرحيم. (رب زدني علما). اللهم اغفر لي ما أخطأت وما تعمدت، وما أسررت وما أعلنت، وما جهلت وما تعمدت.

نزلت علينا دلالة الله في القرآن: (يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم)(سورة الصف، الآية: 10) وتنزلت فينا دلالة رسول الله صلى الله عليه وسلم حية بيننا، نموذجا شاهدا حاضرا، معلِّما هاديا رؤوفا رحيما صاحبا أسوة: “ألا أدلكم على شيء إن فعلتموه تحاببتم؟”. لم تَكن دلالة الرسول صلى الله عليه وسلم ودلالة إخوانه من قبله من النبيئين مجردَ تبليغ، وإن كان التبليغ ركنا من أركان الدلالة، وإنما كانت مُعَايشةً وسياسة وتلَطُّفا وخفضَ جناحٍ وقيادةً آلت إلى اتباع وإيمان، ورفع الاتباع إلى محبة الشخص الرسول، ورفعت محبة الرسول إلى محبة الله، وأوجبت محبة الله عبده المتقرب بالفرض والنفل، ومن الفرض الآكد اتباع الرسول وحبه، إلى مراتب الاصطفاء والفلاح.

أمر إلهي أسَّس المسيرة: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحْببكم الله)(سورة آل عمران، الآية: 31) وخبر إلهي قدسي أخبر بمراحلها: “وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه”. ولم تنقطع المسيرة ولم تُرفَع في فضاء الروحانية والشوق إلى زمان مضى وانقضى، بل حافظَ على شروطها الحُبِّية الواصلة بين العباد والله سنة الحب في الله، وفضيلة الصحبة في الله، ووجود أولياء الله إخوان رسول الله في أرض الله.

إثر وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقعت للصحابة رضي الله عنهم دهشة لخبر عظُم عليهم، حتى شَهَرَ عمر بن الخطاب سيفَه يُهدِّدُ من زعم أن محمداً قد مات. ثم رجع عمر وبقيَتْ دهشة غياب الشخص الكريم. روى الترمذي عن أنس بإسناد حسن قال: “لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كل شيء. وما نفَضْنا الأيديَ من دفن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنا لفي دفنه، حتى أنْكَرْنَا قلوبنا”.

حضورٌ أضاء له كلُّ شيء، وغيابٌ ذهِلت له القلوب. ما قبل التبليغ اللساني وما بعده وما وراءه نورانيَّة تتعرفُ عليها القلوب وتحبها، وتُنكر القُلوبُ قلوبَها لغياب شخص وضع الله له غاية القَبول في الأرض.

بعد ذلك أفاق الصحابة من الذهول، وانتخبوا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق، فأدَّت الصديقيَّة منذئذ ما كانت تؤديه النبوة من وظيفة الحضور والشهادة بين الناس والهداية والدلالة، وكان التبليغ العلمي اللساني العقلي جزءا من المسألة لا كل المسألة. بقيت الوراثة القلبية والتحاب في الله بين المومنين جوهرَ الدين. بقيت سنة الله في التابع والمتبوع قائمة وستظل إلى يوم القيامة.

وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتسلسل المدد القلبيِّ الفتحيِّ الحُبِّيِّ من بعده حين قال: “يأتي على الناس زمان يغزو فيه فِئَامٌ من الناس (جماعات) فيقولون: هل فيكم من صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم! فيُفتح لهم. ثم يأتي على الناس زمان، فيغزو فِئام من الناس فيقال: هل فيكم من صاحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون نعم! فيُفتح لهم. ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من صاحب من صاحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون نعم! فيُفتح لهم”. رواه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

بركة متسلسلة، وفلاح ونصر. وإن التابعين فَمَن بعدهم إلى يوم القيامة لتَشُم أرواحُهم نسيمَ الحب والقرب من عِشْرَة أصحاب القلوب النيرة الخيرة، وتحوم حولها، وتقتبس منها نوراً ومحبة ورَوْحاً. روى الإمام مالك في الموطإ بسند صحيح عن أبي إدريس الخولاني قال: “دخلت مسجد دمشق، فإذا فتى براقُ الثَّنايا، والناس حوله. فإذا اختلفوا في شيء أسندوه إليه، وصدَروا عن رأيه. فسألت عنه، فقالوا: هذا معاذ بن جبل. فلما كان الغد هَجَّرْتُ إليه، فوجدته قد سبقني في التهجير، ووجدته يصلي. فانتظرته حتى قضى صلاته، ثم جئته من قِبَل وجهه، فسلمت عليه، ثم قلت والله إني لأحبك في الله! فقال: آللّهِ! فقلت آللّه! فقال: آللّه! فقلت آللّه! فأخذ بحُبْوة ردائي، فَجَبذَني إليه وقال: أبْشِرْ! فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “قال الله تبارك وتعالى: وجبت محبتي للمتحابين في، والمتجالسين في، والمتزاورين في، والمتباذلين في”.

وكان أمناء الرسالة، ورثة الحب في الله المقرِّبِ إلى الله من بعد أصحاب رسول الله، أولياءَ الله الذين أحبهم الله بعدما تقربواإليه بالفرض والنفل حتى أكرمهم بذلك السمع والبصر واليد والرجل والسؤال المستجاب والإعاذة والقبول في الأرض. تابع ومتبوع بإسناد قلبي متّصل إلى يوم القيامة. ولا ولاية لك أيها الفقيه في الأحكام الظاهرة على هذا الموضوع لتتكلم فيه، وتُفْتي بأنه زعم مرفوض مرفوض مرفوض!

اسمع الخبر الصحيح من نبيك صلى الله عليه وسلم عساك تهتدي وتقتدي.

هاك حديثا عظيما يثبت الله به قلوب من يشاء رواه ابن حبان في صحيحه، وروى الإمام أحمد وأبو يعلى والحاكم حديثا بمعناه وصححه. أعطيك رواية أبي داود للحديث عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن من عباد الله لأناسا ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياءُ والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله”. قالوا: يا رسول الله! تُخبرُنا من هم؟ قال: “هم قوم تَحابوا برُوح الله على غير أرْحام بينهم، ولا أموال يَتعاطونها. فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم لعلى نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس”. وقرأ هذه الآية: (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون)(سورة يونس، الآية: 62).

توقّف بعض العلماء في معنى هذا الحديث، لأنهم تعاظموا أن يكون الأنبياء يوم القيامة يغبطون من ليسوا أنبياء ولا شهداء بمكانتهم من الله. ولا مزاحمة في الأمر، وما ينبغي للولاية أن تزاحم النبوة. ينصرف الأنبياء إلى مواطن الشفاعة في أممهم يوم العرض، والشفاعة تشريف زائد، بينما يبقى الأولياء على منابر النور بالقرب الإلهي. فهي لحظة وموقف. ولا مزاحمة.

إنها سنة إلهية ماضية إلى يوم القيامة أن يكون في سلسلات الولاية تابع ومتبوع. قال الشيخ عبد القادر الجيلاني قدس الله روحه: “إن الله عز وجل أجرى العادة بأن يكون في الأرض شيخ ومريد، صاحب ومصحوب، تابع ومتبوع من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة”. وذكر رحمه الله كيف كان آدم بعد نزوله من الجنة محتاجا إلى شيخ، “وجبريل عليه السلام أستاذه وشيخه،(…) ثم هلم جرّاً، تعلم شيت بن آدم من أبيه آدم، ثم أولاده منه، وكذلك نوح النبي عليه السلام علم أولاده، وإبراهيم عليه السلام علم أولاده، قال تعالى: (وأوصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب((سورة البقرة، الآية: 131) أي أمرهم وعلمهم، وكذلك موسى وهارون، علما أولادهما وبني إسرائيل، وعيسى عليه السلام علم الحواريين. ثم إن جبريل عليه السلام علم نبينا صلى الله عليه وسلم(…) ثم تعلم الصحابة رضي الله عنهم منه صلى الله عليه وسلم، ثم التابعون منهم، ثم تابعو التابعين منهم قرنا بعد قرن، وعصرا بعد عصر(…) فلا ينبغي له (المريد) أن ينقطع عن الشيخ حتى يستغني عنه بالوصول إلى ربه عز وجل، فيتولى تبارك وتعالى تربيته، ويوقفه على معاني أشياء خفيت على الشيخ، ويستعمله فيما يشاء من الأعمال، ويأمره، وينهاه، ويبسطه، ويقبضه، ويُغنيه، ويُفقره، ويُلقنه، ويُطلعه على أقسامه (ما قسم له من رزق) وما سيؤول إليه أمره. فيستغني بربه عن غيره”.

نصحوك! نصحوك! وعلموك إن كنت موضعا للتعليم. واصبر حتى أسَمِّعَك ما يقصدون بالوصول والأمر والنهي بعد زمان الوحي، والبسط والقبض، والاستغناء بالربِّ وسائر هذه المعاني الرقيقة الراقية.

في أي شيء كان الصحابة رضي الله عنهم الذين ورثوا الإيمان، وعُلموه قبْلَ القرآن، وأوتُوه بالصحبة والمحبة؟ وفي أي شيء كان الأولياء المشايخ الصوفية أهلُ النور الذين حملوا عصرآ بعد عصر وقرنا بعد قرن أمانةَ الرسل، وسرَّ طبِّ القلوب، وإكسيرَ علاجها، وجُرثومة إحيائها؟

كان الصحابة رضي الله عنهم في جهاد الذلة على المومنين والشدة على الكافرين والإنابة لرب العالمين. وانْحَسر السادة الأماجد النورانيون من بعدهم عن الميدان الجهادي، جلُّهم لا كلُّهم، فكانوا أحلاس بيوتهم، فرغوا من الشأن العام ليتفرغوا لشأن التربية الخاص.

منذ زمان التابعين، وفي عصرنا بصفة خاصة، غلب اسم “عالم” على عقول المسلمين، وحمل الاِسمَ أغزرُ الناس اطلاعا وأكثرُهم جمعا للمعلومات، وأقدرُهم على الإفصاح والخطابة. وانعزل “العارف” الرباني في حيزه، “وأصبح علم الآخرة مطويا”، يبحث عنه الراغبون المريدون بشروط أهمها الانزواء عن العامة.

المطلوب الآن وبعد الآن استجماع ما تفرق بعد زمان الصحابة، واكتساب الشخصية الجهادية الصحابيَّة، واستصحاب ما ترثه أجيالنا من علماء الدين الأولين والآخرين استئناساً به لا عبئا ثقيلا، اجتهادا نستضيء به نحن لنقول كلمتَنا من إزاء القرآن ومن مشارف الصحبة. من أهم ما يُجْلِي عنا سحابَ الفتنة وينفُض عنا غبارَ التقليد القرونيِّ اقتباسُنا لما عند رجال الله أولياء الله من كنوز “الخوف والحزن والتفكر والمجاهدة ومراقبة الظاهر والباطن، واجتنابُ دقيق الإثم وجليله، والحرصُ على إدراك خفايا شهوات النفوس ومكايد الشيطان، إلى غير ذلك من علوم الباطن”.

بعد عهد الصحابة “هبَّت عاصفة عقلية جامحة بعثها “علم الكلام”، الذي كان الشغلَ الشاغل للمسلمين في القرون الأخيرة. وكانت هذه العاصفة عاتية شديدة، انطفأت بها كوانين القلوب ومجامرها. وإذا كانت لا تزال بقية من جمرات الحب والعاطفة فقد كانت كامنة في الرماد، مغلوبة على أمرها. وقد أصبح المسلمون بعدما كانوا شعلة من الحياة وجذوة من النار رُكاما بشريا أو فحما حجريا بَعُدَ عهده بالنار والحرارة”.

من تحت الرماد نقْتبس الجذوة الحُبيَّة، لا مناصَ من أخذ جَوهر ديننا عن الأكابر أهل المعرفة والنور وإن محاولة تخطي عصور الرُّكام قفزاً بلا زاد قلبيٍّ يؤصل نسبتنا للنبوة والصحبة لَمغامرة في فضاء الإسلام الفكري الثقافي إلى غير وِجهةٍ. قال الشيخ عبد القادر رحمه الله: “اصحبوا شيخا عالما بحكم الله عز وجل وعلمه يدلكم عليه. من لا يرى المفلح لا يُفلح! من لا يصحب العلماء العمال فهو من نَبْضِ التراب لا أب له ولا أم. اصحبوا من له صحبة مع الحق عز وجل”.

من لا أب له ولا أم في الربانية والحب في الله صحبته نَكَدٌ.

قال الإمام الشافعي يشكو “نبض التراب” في عصره:

إنـي صحبـت أناسـا ما لهم عــدد *** وكنت أحسب أني قد ملأت يـدي

لمـا بلـوت أخـلائـي وجـدتهــم *** كالناس في الغدر لم يُبقوا على أحد

إن غبت عنهم فشـر النـاس يشتُمـني *** وإن مرضت فخير الناس لم يَعُـدِ

وإن رأوني بخيـر ســاءَهم فرحـي *** وإن رأوني بشـرٍّ سـرهم نَكَـدي

وقال:

كن سـائرا في ذَا الزمـان بسيــره *** وعن الورى كـن راهبا في دِيـرهِ

واغسل يديـك من الزمـان وأهلــه *** واحذر مودّتهم تنـلْ مـن خيـره

إنـي اطلعت فلم أجـد لي صاحبــا *** أصحبُـه في الدهـر ولا في غيره

فتـركت أسفـلهم لكثــرة شـــره *** وتركت أعلاهم لقـلـة خيــره

وقال :

لم يبق في الناس إلا المكـر والملَـقُ *** شوْكٌ إذا لُمسـوا زهـر إذا رُمِقُـوا

فـإن دعتـك ضروراتٌ لِعشــرتهم *** فكن جحيمـا لعـل الشوْكَ يحترق

قال هذا في القرن الثاني الفاضل، وكم من رُكام بعده تراكم!

وقلت:

جَـانِبْ رِفـاقَ الخَنَــا لا تَغتَررْ بهمُ *** وَاصْحَب خَليلَ التُّقى فالطَّبع يُسْتَرَقُ

واسْلكْ سَبيـلَ الأُلَى زَكَّـوْا نُفُـوسَهم *** وفي الجِهاد بعهد اللَّه قـد صدقـوا

بـادرْ لجمْعِهــمُ واقْصـد لِقصدِهـمُُ *** واسْمعْ لنصحهمُ، ما عنْدَهُم مَـلَـقُ