قال الإمام الجنيد: سمعت سريّاً يقول: “إن الله عز وجل سلب الدنيا عن أوليائه، وحماها عن أصفيائه، وأخرجها من قلوب أهل وداده، لأنه لم يرضها لهم”.

وقال الجنيد رضي الله عنه: “الزهد خلوُّ القلب عما ليس في اليد”. وقال عبد الله بن المبارك المحدث المجاهد مؤلف كتاب “الزهد”: “الزهد هو الثقة بالله مع حب الفقر”. ولنفهم كلمة شيخ مشايخ الحديث عبد الله بن المبارك هذه ينبغي أن نعلم أنه رضي الله عنه كان يتجر ويجمع المال الغزير، فيحج عاما ويحج معه طائفة من الفقراء على نفقته، ويغزو عاما.

سأل رُويم الصوفي شيخه الجنيد عن الزهد فقال: “الزهد استصغار الدنيا ومحو آثارها من القلب”.

وعن الورع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة: “يا أبا هريرة! كن ورعاً تكن أعبد الناس. وكن قَنِعاً تكن أشكر الناس. وأحبَّ للناس ما تحب لنفسك تكن مومنا. وأحسن جوار من جاورك تكن مسلما. وأقِلَّ الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب”. رواه ابن ماجة عن أبي هريرة بإسناد حسن.

قال الأستاذ القشيري: “الورع ترك الشبهات”. وقال يحيى بن معاذ: “الورع على وجهين. ورع الظاهر وهو أن لا تتحرك إلا لله تعالى، وورع الباطن وهو أن لا يدخل قلبك سواه تعالى”. وقال أبو هريرة رضي الله عنه: “جُلساء الله تعالى غداً أهل الورع والزهد”.

كان الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه أزهد الناس. قال: “الزهد ثلاثة أوجه: الأول ترك الحرام وهو زهد العوام. والثاني ترك الفضول من الحلال وهو زهد الخواص. والثالث ترك ما يشغل عن الله وهو زهد العارفين”.

قال الإمام الشيخ عبد القادر رحمه الله ورضي عنه: “يا غلام هذا الزهد ليس هو صنعة تتعلمها. ليس هو شيئا تأخذه بيدك وترميه. بل هو خَطَوات أولها النظر في وجه الدنيا، فتراها كما هي على صورتها عند من تقدم من الأنبياء والرسل وعند الأولياء والأبدال الذين لم يَخْلُ منهم زمان. إنما تصح رؤيتك لها باتباع من تقدم في الأقوال والأفعال. إذا تبعتهم رأيت ما رأوا. وإذا كنت على أثر القوم قولا وفعلا، خلوة وجَلوَة، علما وعملا، صورة ومعنى، تصوم كصيامهم، وتصلي كصلاتهم، وتأخذ كأخذهم، وتترك كتركهم، فحينئذ يعطيك الله نوراً ترى به نفسك وغيرك، يبيِّن لك عيوبك وعيوب الخلق، فتزهد في نَفْسِك وفي الخلق أجمع. فإذا صح لك ذلك جاءت أنوار القرب إلى قلبك، صِرْتَ مومنا موقنا عارفا عالما. فترى الأشياء على صوَرها ومعانيها. ترى الدنيا كما رآها من تقدم من الزاهدين المعرضين. تراها في صورة عجوز شوهاءَ قبيحة المنظر. فهي عند هؤلاء القوم على هذه الصفة، وعند الملوك كالعروس المَجْلِيَّة في أحسن صورة. هي عند القوم حقيرة ذليلة، يُحرقون شعرها ويَخرقون ثيابها، ويخمِشون وجهها ويأخذون أقسامهم في صحبة الآخرة. يا غلام! إذا صح لك الزهد في الدنيا فازهد في اختيارك وفي الخلقِ”. (الفتح الرباني، ص 136).