روى الإمامان البخاري ومسلم رحمهما الله عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امراة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه.

قال الإمام ابن رجب الحنبلي: ” … واتفق العلماء على صحته وتلقيه بالقبول وبه صدر البخاري كتابه الصحيح وأقامه مقام الخطبة له، إشارة منه إلى أن كل عمل لا يراد به وجه الله فهو باطل لا ثمرة له في الدنيا ولا في الآخرة، ولهذا قال عبد الرحمان بن مهدي: لو صنفت الأبواب لجعلت حديث عمر في الأعمال بالنيات في كل باب. (…) وروي عن الإمام الشافعي رحمه الله أنه قال: “هذا الحديث ثلث العلم، ويدخل في سبعين بابا من الفقه.

تيمنا بهذا الحديث النبوي الشريف وتأسيا بمن سبقوني بإحسان رضي الله عنهم أجمعين أحببت أن يكون هذا الحديث مفتاحا لما سيأتي بعده مما يكتب وينشر إن شاء الله. غير أني في هذه العجالة لن أسرد ما أورده الشراح في الباب؛ إنما أركز على الجانب العملي لدرس النية والإخلاص. أي ما السبيل وما الفعال للظفر بهذه العملة الصعبة المنال؟

1- النية:

أ. ما المقصود بالنية؟

تقول العرب: نوى الله فلانا أي حفظه كأنه قصده بالحفظ والحياطة. والنوِي الصاحب الذي نيته نيتك. النية القصد – عزم القلب – أي انبعاثه نحو ما يراه موافقا. نية الأمر: الوجه الذي ينويه المسافر من قرب أو بعد.

والنية في الاصطلاح تقع بمعنيين، أحدهما بمعنى تمييز العبادات بعضها عن بعض والثاني بمعنى تمييز المقصود بالعمل هل هو الله وحده أم الله وغيره. وهذه هي النية التي يتكلم فيها العارفون .وفي القرآن يعبر عنها بألفاظ مقاربة مثل الإرادة. كما في قوله تعالى: “منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة”. وقوله عز من قائل: ” تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة” وفي قوله تعالى: “من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نوته منها وماله في الآخرة من نصيب”.

ب. ما السبيل لتعلم حسن النية؟

السؤال العملي هنا هو كيف تكتسب النية والإرادة؟ كيف تُتَعلم؟ أين؟ ومع من؟ …يخبرنا المولى الكريم أن الأمر سعي وحركة من طالب الدرجات العلى في الآخرة “ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مومن فلنحيينه حياة طيبة” وهنا نفرق بين الإرادة بما هي حركة وسعي واقتحام دائم ومحاولة متكررة وبين الأماني وهي خمول وتواكل وتلكؤ وانتظار عاجز “وغرتكم الأماني”.

رأس مال لابد منه لمن يتاجر مع الله عز وجل: نية، همة، إرادة، عزمة، وَتبة وإن أردت الاختصار قل صدقا.

وكأني بالسؤال العملي ما زال يطرح بصيغة أخرى. كيف يزكو رأس المال وينمو؟ خاصة إن تجاوزت الهمة طلب الآخرة لتطلب وجه الله عز وجل؟ آية في كتاب الله عز وجل ترسم لنا هذا البرنامج العملي: “واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه” برنامج عمل أو قل مشروع عمر يتكون من ثمانية بنود:

أولا: الصبر: “واصبر” وعلى الصبر مدار الأمر كله و”الصبر شطر الإيمان” كما أخبر بذلك الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم .

ثانيا: صبر النفس: “واصبر نفسك”، والنفس بيت القصيد وموضوع التطبيق حتى تُقتل صبرا كما تقول العرب .

ثالثا: المعية والصحبة: “مع” وهي كالواردة في سورة الفتح “والذين معه”.

رابعا: الجماعة: “الذين يدعون ربهم”.

خامسا: الدعاء والذكر: “يدعون ربهم”.

سادسا: الدوام وهو عنوان الصدق وبرهانه: “بالغداة والعشي”.

سابعا: الإرادة بعد النية والعزم: “يريدون”.

ثامنا: إرادة وجه الله، “يريدون وجهه”.

سؤال آخر هو من الأهمية بمكان يقول فيه صاحبه: ما الحيلة إذا كان رأس مالي قليل؟ ماذا يعمل من لم يستطع أن يأخذ بتلابيب النفس ويرغمها لتصحب المومنين بل لتموت صبرا بمعيتهم؟ ما العمل إذن؟

في كتاب الإحسان للأستاذ عبد السلام ياسين نجد جوابا لسؤالنا وتحديدا في فقرة المنزلة العظمى حيث يحيلنا الأستاذ المرشد على الإمام السهروردي رحمه الله الذي قال بعد أن ذكر حديث إنما الأعمال بالنيات: “… وكل من كانت بدايته أحكم كانت نهايته أتم. (…) ومن لم يهتد إلى النية بنفسه يصحب من يعلمه حسن النية”. نعم “من يعلمه حسن النية”.

من يعلمه، حسن النية .هذا هو الجواب الشافي لسؤالنا الملح: كيف تُتعلم النية؟ من يعلم، من ينبش، من يفتش، من يقشقش، من يسلط الضوء الكاشف على النفس وغوائلها، من يفضحها، من يأخذ بتلابيبها لتدعن وتسلم، من يسمع القلب ذكر الله ليخشع ويلين؟

الأمر في بدايته ونهايته وفي كل مراحله صحبة وجماعة وإلا ضاع العمر وتغيرت الوجهة وتعثرت الخطى وانتكست الهمة وتمرغت في الوحل وبالتالي لم يتجاوز صاحبها حضيض الأماني .

هذا عن سؤال النية، ونترك الحديث عن الإخلاص لحصة لاحقة إنشاء الله رب العالمين وإلى ذلكم الحين وفي كل حين نسأل الله أن يجعل عملنا كله صالحا ولوجهه خالصا وأن لا يجعل لأحد فيه شيئا. آمين والحمد لله رب العالمين.