زكرياء أحد هواة الصيد على الشاطئ. بعد استكمال تكوينه بالجامعة، وتخرجه من المدرسة العليا للأساتذة بمكناس، واعتزاله العمل النقابي والحزبي، درج على ارتياد المحيط بحثا عن صيد وافر. إنه يقضي أغلب أوقات فراغه في شبه تأمل للبحر وانتظار وقوع الحوت في الشرك الذي ينصبه له. نصحه أحد أصدقائه  وهو طبيب- بذلك لكي يتسنى له الاختلاء بنفسه واسترجاع هدوئه ومن ثم عافيته، حيث إنه كان حامي الطبع، نابي العبارة، يغلي الغضب في عروقه منذرا بالعواصف الهوجاء…

كان الوقت صيفا، والجو حارا يغري بالاستجمام. فاختار لممارسة هوايته مكانا بالقرب من شاطئ مهدية. شد الرحال وأعد لوازم الصيد ورمى بالطعم ثم أخذ من فوق الصخرة التي يجثم عليها يتتبع حركة الأبدان العارية وهي بين استحمام وتشمس ولعب ولهو.

لاحظ تغيرا في حركة المصطافين؛ هناك حلقة إنشاد هنا، وحلقة ألعاب هناك، وسباق شد الحبل هنالك. شاهد أناسا يصلون، وآخرين يلعبون الكرة… شعر أن وسط هذا الصخب خيطا رفيعا يجعل هذا الحشد منسجما متناغما. أراد أن يستطلع عن كثب ليعرف الخبر اليقين استجابة لرغبته الفضولية على غير عادته، لكن انغماسه في بركة الصيد كان أعمق.

دقت الساعة الرابعة بعد الزوال فإذا بأناس مختلفي الأعمار، منهم من كسي وجهه لحية، ينتظمون في صفوف على عرض الشاطئ. الصف الأول لجمع الأزبال في شكل كومات، الصف الثاني لوضعها في أكياس بلاستيكية صغيرة، والثالث لوضعها في أوعية كبيرة الحجم. كانت عملية التنظيف تجري بشكل بديع التناسق وقد علت الزغاريد والتهليلات.

لاحظ فجأة بعض رجال التدخل السريع الذين كانوا بمقربة منه وقد أعدوا هراوات ومضخات مياه وقنابل مسيلة للدموع يتجردون من ألبستهم ويتوجهون في جماعات صغيرة إلى الشاطئ. ولم تمض سوى دقائق حتى كونوا كتلة بشرية وسط الزحام فأخذت أصواتهم تتعالى وركلاتهم ورفساتهم توزع. أخذ المصطافون يهربون في فوضى عارمة، فتوالت الأمواج البشرية متجهة نحو الرصيف، مخترقة كل ما تجده أمامها. وتعالت الأصوات وكثر الضجيج والبكاء والنحيب، هناك المكسور والجريح… واختلطت الأصوات وراج بينهم أن الإخوان يضربون بالسلاسل والعصي، وبينهم القصابون والعاطلون وحاملو الأثقال…

لكن سرعان ما هدأ الجمع. فانطفأ فتيل الفتنة بالسرعة التي استعر بها؛ لما وصلت الحشود إلى الرصيف أرسلت النظر إلى الشاطئ فوجدت الصفوف الثلاثة منهمكة في جمع الأزبال وأن النصف الآخر من الشاطئ لازال على هدوئه وسكينته وأن الأمر لم يكن سوى خدعة ممزوجة دون طعم. رجع الجميع القهقرى وبحث كل عن مفقوده ورجعت الأمواج إلى حيث كانت في هدوء ووقار.

هنيهة بعد اكتمال المشهد، جمع زكرياء أمتعته واتجه نحو الحافلة. هنا رأى الإخوان وهم متفرقون في أنفار من فردين وثلاثة أفراد. تناهى إلى سمعه صوت أحد الركاب وهو يتحدث عن إرهاب “الخوانجية” ودمويتهم وعن حصيلة عملهم الوحشي من كذا جريح وكذا مكسور وكذا طفل ضائع…

في الغد ذهب إلى المكتبة ليشتري جريدته المفضلة فوجد عنوانا عريضا في الصفحة الأولى: “جماعة إسلامية تحاول الاستيلاء على شاطئ مهدية: شهادات حية عن أعمال العنف والضرب الإرهابية. انظر ص 6-7 “. وفي عنوان آخر: “كان تدخل رجال الأمن الحازم في محله للضرب على يد كل من تسول له نفسه المساس بأمن الوطن وسلامته”…

يحمل زكرياء في صدره حقدا غائرا للظلاميين والرجعيين من أيام الجامعة حيث يشهد حي “ظهر المهراز” بفاس على معارك ومناورات ومد وجزر بين اليسار والرجعيين الدمويين المتزمتين!!!..

* * *

* * * * * * *

التاريخ : 27 يوليوز من نفس السنة.

الساعة : الرابعة والنصف صباحا.

المكان : غرفة نوم زكرياء.

ينبعث ضوء من نافذة الغرفة…

المؤذن يهلل… ثم ينادي إلى الصلاة…

يسمع صوت مزلاج الباب. يخرج صاحبنا من بيته متجها صوب المسجد…

يُسمع الإمام وهو يتلو في صوت شذي مؤثر: “يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين”.