انسجاما مع مبدأ الحوار الذي أضحى سمة ملازمة لدعوة العدل و الإحسان, وحرصا على استثمار فرص التواصل الجاد و البناء, شاركت الأستاذة ندية ياسين في أشغال ندوة الإسلام والديمقراطية بالولايات المتحدة الأمريكية, التي نظمتها مؤسسة “بيركلي” للدراسات الحكومية التابعة لجامعة كاليفورنيا و ذلك يوم الجمعة 22 أبريل 2005 , وقد امتدت أشغال هذه الندوة من الساعة التاسعة صباحا إلى حدود الساعة السادسة بعد الزوال, كما حظيت هذه الندوة بدعم و تعاون مؤسسات و أقسام أكاديمية متعددة, منها تلك التابعة للمركب الجامعي ب “بيركلي” ومنها أخرى كمؤسسة المجموعة الأوروبية للأمن, و المركز الوطني للبحث العلمي بباريس .

و قد سعى المنظمون من خلال هذه الندوة إلى تجاوز الإطار المحدود الذي يطبع المقاربات الأكاديمية الصرفة التي تروم دراسة الإسلام و المسلمين, محاولين بالمقابل رصد الجوانب الحقيقية لواقع الإسلام و حياة المسلمين و الوقوف عند الإشكالات التي تطرح في هذا الصدد, من قبيل رصد آثار العولمة على المسلمين فكرا و ممارسة و علاقة الإسلام بالعولمة, البحث في العلاقة بين الإسلام و الديمقراطية, النظر في كيفية إعادة قراءة الإسلام على ضوء المستجدات العالمية…, و التعليل الباعث على تناول قضايا الإسلام على هذا النحو حسب الأرضية المنظمة للندوة – هو أنه حينما يفشل الفاعلون الأكاديميون أو يعجزون عن معالجة هذه الأسئلة و التطرق إليها, فانهم بالضمن يستقيلون و ينسحبون مفسحين المجال للصحفيين و العاملين في دوائر الأمن, و لا أدل على ذلك من أحداث 11 شتنبر .

و لضمان أكبر قدر من النجاح لأشغال هذه الندوة و حصيلتها, تم استدعاء أزيد من عشرين من الأكاديميين المتخصصين و المسؤولين الحكوميين و الفاعلين السياسيين, فعلى سبيل الحصر فقط نذكر من ضمن المشاركين في تنشيط هذه الندوة إلى جانب الأستاذة ندية ياسين: أوليفر روي الباحث في العلوم الإنسانية و الاجتماعية المنتسب للمعهد الوطني للبحث العلمي بباريس و المستشار بوزارة الخارجية الفرنسية, كونتر مولاك السفير بوزارة الخارجية الألمانية و مبعوث وزيرها في قضايا الحوار مع العالم الإسلامي, مارك ساجمان أستاذ علم النفس بجامعة بنسلفانيا و الخبير في شؤون الأمن و الاستخبارات, أحمد علي بازيتش رئيس جمعية علماء البوسنة و الهرسك, خوسطو لوكنزا بالدا, قس كاثوليكي و رئيس المؤسسة البابوية للدراسات العربية و الإسلامية بروما, مارك لافين أستاذ التاريخ بجامعة كاليفورنيا و الخبير في قضايا الشرق الأوسط و تاريخ الإسلام و العولمة والاقتصاد السياسي. و قد تمت أشغال الندوة من خلال مدارسة ثلاث محاور ثم عقد مائدة حوارية في الأخير. خصص المحور الأول للبحث في آثار العولمة على ممارسة المسلمين لشعائرهم, و تناول المحور الثاني انعكاسات العولمة على الفكر الإسلامي فيما تطرق المتدخلون في المحور الثالث لمناقشة علاقة الإسلام بالقيم الديمقراطية . و قد وفق بعض المشاركون في هذه الندوة في طرح جملة من الأفكار اتجهت في غالبها إلى تصحيح بعض المغالطات المتعلقة بالنظرة إلى واقع الإسلام و تحليل أوضاع المسلمين, كما عرفت الندوة انتقادات واضحة و صريحة للمنحى الذي تتخذه سياسات الولايات المتحدة الأمريكية في مقاربتها للقضايا ذات الصلة بالعالم الإسلامي. من ذلك مثلا ما طرحه أوليفر روي حينما اعتبر أن دعم الولايات المتحدة للديمقراطية في العالم الإسلامي لا يتم بفرضها, بل بعدم توفير الدعم والتغطية للأنظمة الحاكمة المتسلطة هناك, كما أشار كذلك أحد المشاركين  محمد سبأ, أستاذ الأنثروبولوجيا بجامعة كاليفورنيا  إلى أن اختزال الديمقراطية في إجراء انتخابات هو تبسيط مخل لهذا المفهوم, و استدل بحالة العراق حيث امتنعت غالبية الشعب العراقي عن المشاركة في الانتخابات مما يجرد العملية الديمقراطية هناك من أية مصداقية . كما أكد السفير الألماني كونتر مولاك في إحدى مداخلاته على أنه من الخطأ أن ننظر إلى الإسلام على أنه مشكل ينبغي رصده أولا بهدف حله و الانتهاء منه في مرحلة تالية, كما أن الولايات المتحدة و هي تستميت في المحافظة على مصالحها الاستراتيجية و الحيوية لا تلقي بالا للآثار السلبية للسياسات التي تعتمدها في هذا الشأن, و أكد على أنه لا يمكن تصدير الديمقراطية أو فرضها . و قد كانت مشاركة الأستاذة ندية ياسين في هذه الندوة من خلال المائدة الحوارية التي شكلت آخر فقرة من فقرات الندوة , و التي خصص لها المنظمون أكثر من ساعتين, و قد أدار الندوة مدير مؤسسة “بيركلي “بروس كاين و شارك فيها كل من الباحث الفرنسي أوليفر روي و السفير الألماني كونتر مولاك, و علي فردوسي أستاذ التاريخ و علم السياسة , و حاتم بازيان المحاضر في جامعة كاليفورنيا و المتخصص في قضايا هجرة المسلمين. وقد عبرت الأستاذة ندية ياسين عن العديد من الأفكار التي تشكل نقدا واضحا و صريحا للسياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية خاصة ما يتعلق منها بالعلاقة مع المسلمين, فقد اعتبرت أن الرئيس جورج بوش الابن  و من خلال السياسات التي يقرها و يعتمدها – هو أحسن من يوفر العناصر المرشحة لعضوية الحركات المتطرفة , كما انتقدت الطريقة التي تروج بها الولايات المتحدة للديمقراطية (ديمقراطية سريعة التحضير على شاكلة القهوة سريعة التحضير), وعلى سبيل التوجيه أكدت أن أحسن وسيلة لدعم و ترسيخ الديمقراطية في الدول الإسلامية هي توفير المساعدة في مجال التربية و التعليم و القضاء على الفقر و أسبابه . كما أشارت إلى أن العالم الإسلامي هو ليس ذلك العالم الميت الجامد الذي لا يتحرك كما تروج لذلك بعض الأوساط الغربية, بل إن الأمور تتحرك والأحداث تتسارع .

و قد تركت مشاركة الأستاذة ندية ياسين في هذه الندوة انطباعات إيجابية, منها تلك التي ألمح إليها أستاذ علم التاريخ مارك ليفين, في أحد مقالاته التي حررها و نشرها عقب مشاركته في الندوة و ذلك حينما تحدث عن المسؤولة في حركة إسلامية مغربية جماهيرية تحيل في مداخلاتها على العديد من المفكرين الغربيين بطريقة سلسة و منفتحة.

وقد استثمرت الأستاذة ندية ياسين حضورها في الولايات المتحدة الأمريكية و مشاركتها في هذه الندوة لإجراء العديد من الاتصالات و الحوارات الفكرية و السياسية و الإعلامية والتي حاولت من خلالها التعريف بدعوة العدل والإحسان والتعبير عن الرغبة في التأسيس لعلاقات يحكمها التواصل و الحوار و لا يطبعها منطق العنف.

*** استفدنا في تحرير مضامين هذا المقال من المصادر الآتية :

Berkeley Daily Planet Edition Date: Tuesday, May 10, 2005

http://igov.berkeley.edu

http://www.ContraCostaTimes.com/04-23-2005

شاهد شريط الندوة