في المقدمات المحتاج إليها قبل النظر في تفاصيل مسائل الكتاب

المقدمة الأولى: بـينـات

أرتب الحديث في فهم الكتاب واستكناه جواهره على مقدمات أجعلها مداخل لقراءة متأنية تطلب أول ما تطلب كشف غمة الحجاب، والظفر بصحبة أولي الألباب، المتصدين لإحياء ما اندرس من أصيل الأصول، وما أصابه من دعوى الشك والارتياب، وصرف النظر إلى فقه كان مبحث الصحابة رضوان الله عليهم صيرته الغفلة، وما كسبت أيدي الناس في عداد المفقودات، بعد أن انطفأ من الأمة ما كان مشتعلا من كوانين القلوب ومجاميرها، وأصابها من داء الأمم ما جعلها لا تقعد مقعد القرآن، ولا تستقي من مصدر الوحي ما ينير طريقها وينتشلها من وهدة الانحطاط والهوان، ولست تعدم من الأمة مجددا قائما استجمع الشرائط، وأخرج إلى الأمة ما استودعه دستورها من أعلاق وذخائر، ودلها على الفهم الصحيح، والمنطلق البين الصريح، ليكتمل رشدها ويشتد عودها ويتجدد إيمانها، فينطلق رهط منها مقتحما مراغما، مستجيبا للنداء ملبيا، وقد امتطى صهوة جواد الصحبة المنيف، مخلصا القلوب من شوائب الفتنة وكدرها، فلم تطلب غير الله، ولم تظفر بسواه، وهي في سلك جند الله قد درجت، وفي معمعان الجهاد في سبيل الله قد ثبتت، وعلى نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استقامت، وبذلك تدور سنة الله في صالح العبد آخرة وفي صالح الأمة دنيا وأخرى(1)، فمعرفة طب القلوب ودوائها مقدمة أساسية لفقه سنة الله عز وجل الماضية في العباد ومصائر الرقاب.

وإن الناظر في كتاب سنة الله وفي غيره من كتب الأستاذ المرشد حفظه الله يلحظ الموافقات الإلهية في زمن إخراج الكتاب، وعجيب تصرف الله عز وجل فيما تدبجه أنامل وتخطه أقلام من كان للخلافة مجددا، وبالنبع متصلا، وللصحبة والجماعة جامعا، وللسلوك الجهادي النبوي الصحابي باعثا، فلا غرو أن يكون ما يكتبه الرجل بحرا لا تكدره الدلاء: بحر لا يساجل وجم لا يحافل. فها أنذا في هذا اللفيف المبارك أجلس في محراب المدرسة المنهاجية متتلمذا، متنسما من عبير موافقات الرجل ما به أزيل غبش الرؤية وضباب الفهم، طالبا آثار الصحة والعافية لجسم الأمة السقيم، وفكرها العليل الكسيح، وقد نابذته الشواغل عن رب كل مشتغل وشاغل، وانسحبت عليه معطيات الساحة الواقعية فأعمته عن طلب الدليل، والتوسل بخير كتاب أنزل، وأعظم نبي أرسل، لكن لا يعدم الخير في هذه الأمة المحققة للواعد الناجز، والأمر الفاصل الحاسم، فلها الكرة والغلبة بعد السقطة والكبوة، ولها الجولة الحاسمة مع روح الجاهلية، والله يهيئ لنصره من يشاء.

فأما من سولت له نفسه درك مبتغى الرجل بمجرد المُشَامَّة، والمطالعة المبتسرة المجتزأة، واضطراب الفكر وعلته، دون أن يكلف نفسه عناء طلب الدليل، واستجلاب الفهم الصحيح القويم، والتساهل في البحث والتنقير، والانفكاك عن الجد والتشمير -كما قال شيحنا أبو حامد رضي الله عنه-، فأخلق به أن يكون من الذين {لا يعلمون من الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون}(2).

المقدمة الثانية: القلوب منبع الطاقة البشرية المحركة للتاريخ

الكتاب إلحاح وإفصاح وبيان عن مكمن الداء وموطن البلاء: القلوب عندما تقسو ويعلوها دخن الجاهلية، واختلاط الفتنة، وما الأحداث الهائجة المائجة من حروب طاحنة، وانقطاع أرزاق، واستبداد وقهر، إلا نتائج لما يعلو القلوب، فينساب الإنسان من قمم الإحسان والترقي وطلب ما عند الله عز وجل متسافلا، متساقطا، متسلطا، وتلك هي مجاري سنة الله في الإنسان الذي غفل عن فقهها، ولم يطلب الدليل الكاشف لسرها المبين لمغمضاتها الدال على منابعها وأصولها في زمن اختلاط الحق بالباطل، فعلى قدر انحلال القلوب وانسلاخها عن الدين تقع المصائب والطوام، ويدخل الله عز وجل الأمة مصارع الابتلاء ومقارعه، إذ القلوب منبع الطاقة البشرية المحركة للتاريخ(3)، وأي حراك للتاريخ خارج فقه القلوب ودوائها حراك خداش، فعلى قدر صلاح القلب يدور صلاح أفعال العباد، وعلى قدر فساده تفسد حركة التاريخ وتضطرب، ونحن عندما نتحدث عن الفقه القرآني السني للتاريخ وارتباطه بفقه القلوب، فليس ذلك إهمالا منا للأسباب الأرضية، لكن، للإنسان في هذه الدنيا معنى واتجاه، ولأفعاله الأثر الأول فيما يصيبه ويصيب المجتمع من بلوى(4)، وهذه الحقيقة التي يؤكدها الأستاذ المرشد في سفره هذا التحفة، وانبنت عليها نظرته التحليلية المتميزة لمجرى التاريخ ومصائر الأمم، انزوت حركة تفكير الإسلاميين بعيدا عنها، فأصاب حركتهم من لوثة الغفلة ومزالق التسطيح ما أذهل الكثيرين عن تبين الطريق الصحيح، فأذهلتهم الساحة الواقعية عن سماع كلمات الله عز وجل في الآفاق وفي الأنفس، وهذا الذهول المعرفي القلبي صاحب التنظيرات في أغلبها مبتسرة يعلوها ضجيج في الفهم وغبش في الرؤية، وجملة الأمر في التحقيق أن أدهى ما يلقاه السالك للطريق فقد الدليل، مع ذهن لعدم نور الفرقان كليل، وقلب بصدمات الأضغاث عليل، فيمشي على غير سبيل، وينتمي إلى غير قبيل(5)، رحمة الله عليك أيها الشاطبي.

القلب بيت الحكمة إن صحب فصفا، وأزهر فأنور، ولا سبيل لذلك بدون تربية، فهي العملية التي تعقب وتصحب وتلي حركة الإنسان في سلوكه إلى الله عز وجل، والكتابة التي لا تعبر عبر القلب إلى الحق، والرجوع من الحق إلى الخلق، كتابة لا يستقيم أودها، فالكلام مهما غني إذا خرج عن الحق أحرق المبنى، وذبح المعنى، وليس قلب الأشياء والمعاني سوى القلب.

كتاب سنة الله يعبر عن استقامة الروح الخالص في مقابل اعوجاج البيانات العربية الثقافية وانحرافها، وانكسارها، وتيهها، وغفلتها، إننا نعثر في الكتاب على إخلاص للحقيقة في وحدتها وتجليها، وعن شفافية الروح واستقامة السر، كل هذا يجعل من هذه الكتابة القلبية العالمة مصدرا للرؤية المتجددة في اكتشافها وكشفها عن الحقيقة القرآنية، ومن هنا نعبر إلى المقدمة الثالثة.

المقدمة الثالثة: الفقه القرآني السني للتاريخ

يطرق الكتاب فيما يوجهه من رسائل حقيقة مهمة وهي علاقة هذه الأمة بقرآنها في وقت تعددت فيه مصادر الأخذ على أمة مغلوبة على نفسها، وعلى مثقف بائس مسكين يرضع صباح مساء مما يحلبه من ثدي الثقافة السطحية المنسحبة الناطقة باسم منطق الساحة البئيس، الخالية من روح القرآن، وروحانية المسجد، ومما تنقله الفضائيات المتلصصة من أعلى السطوح من خبر الناس، وضجيج صراعاتهم، وتهافت التحليلات المضيعة للمبنى والمعنى، فيما بقي الأستاذ المرشد حفظه الله في محراب القرآن المتجدد المتدفق، مشرفا من برج سعادته الدائمة المتتلمذة على الحقيقة القرآنية التي لا يأخذها كسوف ولا يسترها حجاب، على واقع الناس ناظرا إليه بإيزاء القرآن، ومن أعالي التاريخ لا من أسافله، فالجهاز العلمي إن ابتعد في مفاهيمه ومقاصده عن الحقيقة القرآنية تحول إلى ركام وصب في نهر داء الأمم كما يذكر ذلك الأستاذ المرشد حفظه الله، فالرجل يكتب بعبارات مشحونة بالمعنى، فكلما ازداد الإنسان قربا من مصدر الوحي وشمسه ازداد من نفسه بعدا، وتحقق بربه قربا، والمنقطعون عن هذه الروح القرآنية المتسامية يتسافل بهم التفكير فتستفزهم الأحداث ويهرعون وراء كل صيحة يعتقدونها الخلاص، ولله در من قال: الباطل يستعير الألسنة ولا يوردها موردها، والحق لا يستعير لسانا من غيره.

يعول الأستاذ المرشد حفظه الله على قراءة مزدوجة لسنة الله عز وجل، تنظر أول ما تنظر في آيات الله عز وجل، وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم المبينة لمسلسل البلاء وأسبابه، وعوامله، ومسؤولية كل مسؤول عنه ونتائجه، وعواقبه، لترسم في المقابل المشروع المقترح للخروج من دوامة الابتلاء، ألا وهو المنهاج النبوي، وهو مدخل ضروري لفهم صحيح، وإرادة ربانية، وعمل موفق غير معكوس ولا منكوس.

إن الفرق شاسع بين من يكتب مجددا للخلافة على منهاج النبوة، وبين من استهوته الأحداث واستفزته، ونظر في علاقات العباد وهو في غفلة عن رب العباد وهذا ما وقع لكثير ممن يكتب عن الإسلام.

إن فهم حركة الكون خارج فلك سنة الله عز وجل شرود وانتكاس، فمن يفكر وهو بعيد عن جوهر الحقيقة القرآنية وشمس السنة المحمدية لن ينتج إلا هوسا، ولن يفكر إلا تفكير أزمة. الأستاذ المرشد يضع الحقيقة القرآنية المنطلق وهادي السبيل، ويمضي في تحليل الواقع والنظر إليه من هذه المعالي المشرقة مقترحا مشروعه التجديدي التغييري على التاريخ، وهذا الفقه التاريخي الراسخ القدم في المنابع، الناظر إلى حركة الكون وتفاعلاته نظرة المتيقن في موعود الله عز وجل، المنطلق في تذليل العقبات والعراقيل التي تعوق المشروع، وتقف أمامه، عبر فقه قلبي يستوعب ويعيد تربية الإنسان محور العملية التغييرية من إنسان سالب متسافل، إلى مقتحم مشارك، يفهم جوهر وحقيقة المشروع المنهاجي المتكامل، فهو ترتيب لحركات الناس واهتمامهم، وتقلبات الأحداث ومجاريها وفق سنة الله الماضية، ومنطق السالك الذي يتحرك في غمار الأحداث ومدلهماتها، ناظرا لانحراف الناس بانحراف قلوبهم عن الفطرة والإيمان.

يعيد الرجل ترتيب حركة الفكر واتجاه، بل يضفي مضامين جديدة على مفاهيم وتفسيرات ظلت سائدة ردحا من الزمن عند علمائنا رحمهم الله ملتمسا العذر للجميع، كاشفا عن دلالات قرآنية أكثر عمقا، لها امتداد سلوكي وآخر واقعي ينظر فيه الرجل لمستقبل هذه الأمة وما ينتظرها.

إن القراءة الصابرة المتأنية التي ينطلق منها الأستاذ المرشد حفظه الله جعلت أفقه الاستيعابي يمتد ليستوعب حركة الإنسان في عالم مضطرب موار، معيدا ترتيبها وفق أولويات، ومطالب، واستشرافات مستقبلية.

وهذا يخلص بنا إلى منهج الرجل في الكتابة وقراءته المستوعبة المتكاملة.

المقدمة الرابعة: كل كلام يبرز وعليه كسوة القلب الذي منه برز

بلغة تصل الكتابة بالغيب يكتب الأستاذ المرشد حفظه الله، هذه الوصلة القلبية النبوية في الكتابة عز من يطلبها في زمن تراكمت فيه الفتن، وعلى دخن الجاهلية تفكير الناس وعلاقاتهم، يكتب الرجل بقلم متصل لا منقطع يشرب من المنابع ويستقي من النبع، وإنما ظلت علة الأقلام انقطاعها عن المدد الإلهي، ومغارف القلوب التي صقلتها الصحبة والذكر، وإنما الألسنة مغارف القلوب، لا تتغذى هذه الكتابة النيرة المزهرة، المتصلة المتتلمذة على المقعد القرآني من حثالة الطعام الفكري الثقافي البائت، ولا من ترداد القوالين الغافلين بل تنهل من المعين الثر الأنور الأزهر، لقد جالت أفكار الرجل آيات الكتاب العزيز، ونظرت في السنة المطهرة، وهدي السلف نظرات إفادة وتجديد، وقرأت التاريخ وفق القرآن، فكانت نعم المورد للوارد المتعطش إلى أحلى موارد الفهوم.

كتب الرجل الكتاب منذ ما يقرب من عشرين سنة، استجدت أمور، وتغيرت أحوال، وسقط في الحفرة الصدامية من سقط، وننتظر المزيد، وبقيت روح الفهم المنهاجي المتتلمذ على مائدة الوحي حية متّقدة، وكذلك هي كتب المجددين المؤيدين المأمرين، تتغير الأحوال والظروف وتبقى آلة الفهم والدرك لأحوال الناس وحركاتهم، وتقلب مصائر الأمم، وإنما العلة علة فهم وتلق وجلوس في مدرسة الوحي، وافتراق صحبة عن جماعة، هذه القراءة الفاحصة تعيش مع الأحداث ولا تستفزها، وتراقب مجاري الساحة الواقعية، بقلب مطمئن ولكن بعين فاحصة، مستخلصة الدروس والعبر، راسمة خطة العمل ومشروع الخلاص الفردي والجماعي.

إن الأستاذ المرشد في قراءته المبدعة المجددة يعيد تصحيح ما رسمته القراءات المنحبسة الضيقة دون أن يفرط في الأصول، عبر قراءة رفيقة رحيمة، لا يغلب عليها طابع الأحكام والتقريرات، بل تستمد من أسلوب الانطلاقة الواعية من المشترك إلى إعادة قراءة وترتيب المختلف قراءة تستمد أصولها من مقعد الوحي وهديه.

يعيد الرجل الكتابة إلى أصولها الأولى، إلى المنابع الأصلية والأصيلة للتلقي، وإنما يكتب الرجل وقدمه راسخة في زمن الغيب، الزمن الأصلي الذي انسحبت عليه غفلة الإنسان وغوايته، وخلوده إلى الأرض. لا يظفر الرجل في مكتوباته بغير المطلوب، ومن اعتقد أن المطلوب غير الله عز وجل فما شم رائحة ما أزعج الرجل وحرك وجدانه، فالأستاذ المرشد صاحب رؤية محورها الإنسان تريد إعادة صياغته وإعادة تربيته.

مكتوبات الرجل منقطعة عن العلائق متعلقة بالحقائق، فهي يقظة دائمة لا يغفل فيها الكاتب عن الحق، فهو يجتذب أرواح المعاني قصد الاستدلال بالأقوال والأعمال والأحوال على الحق عز وجل، فهو لسان حال الحقيقة القرآنية في تحسسه وتذوقها وطلبها للحق وإخلاص الوجهة والقصد له سبحانه.

المقدمة الخامسة: المواجهة الحاسمة مع روح الجاهلية والسببية الغيبية الخاصة بهذه الأمة

يعلن الأستاذ المرشد في كتابه هذا المواجهة الحاسمة مع جرثومة المرض- روح الجاهلية: اليهود لعنهم الله- لاقتلاعهم من الجذور، ولا يتركها لهوى الأشخاص ونزواتهم، بل يؤصّل لها تأصيلا يستمد قوته الدافعة من المنابع الأصيلة والأصلية لهذه الأمة، ويرتب لها ترتيب عجيبا، ويقدمها للقارئ اللبيب في طي صفحات متعددة من كتابه يعول فيها الأستاذ المرشد على وعد الله، وهل يخلف الله وعده؟ يرسم الرجل الخطة، ويخط المنهاج قارئا وناظرا في عاقبة المفسدين، باحثا عن كلمة الله في مصائر الأمم، مشرفا على الساحة الواقعية بإزاء القرآن، متصفحا للأحداث، متتلمذا على السنة النبوية المطهرة تلمذة ذكية، معلنا عن قاعدة منهاجية ذهبية مفادها: إن التصدي المنحصر في قتال أعراض المرض دون قتال جرثومة المرض جهد ضائع وكرة خاسرة(6)، وهذه الحقيقة سكت عنها الكثير، فيمضي محللا لأسباب الصراع ومستقبل القضية فلا تحفل في تحليله هذا إلا بكدمات تصيب عمق هذه الأمة بمقتل، وكأن الصراع قد حسم غير واضع في حسبانه أن السببية الغيبية الإيمانية الخلقية التي خص الله بها هذه الأمة فاعل قوي في حسم المعركة، وإن تأخر بها ركب اللحاق روح الجاهلية، “إنه سبحانه يمد الحضارات بالمال والبنين كما أمد بني إسرائيل بذلك وجعلهم أكثر نفيرا. جعل لهم ذلك بلاء واستدراجا وزينة في الدنيا ليكون وقوعهم في صيحة أو صعقة أو خسفة أو ريح صرصر عاتية كما فعل بعاد وثمود وقوم لوط وغيرهم”(7)، وأن الله عز وجل يجعل للبسط والقبض أطوارا، وللنقمة والجزاء أوانا(8)، وقد دق أوان خراب حضارتهم، فهاهي ذي الروح التي ستقاتل روح الجاهلية، وقواعد الإسلام كما يسميها الرجل تنتشر في كل بقعة من بقاع الأرض، وغدا يخرجها الله عز وجل لتنفيذ وعده، وها هي ذي الربانية عازمة، وما هي إلا لحظات ويقضي الله أمرا كان مفعولا، ولا بد لجند الله وهم يستعدون للمواجهة التي لا مفر منها إلى استعادة كمالات العلم، وحيوية العمل، وصدق الإرادة، والصبر على الشدائد في نصر الله، خاصة وموعد الآخرة بيننا وبينهم يقترب كما يقول الأستاذ المرشد حفظه الله، وانظر إلى يقترب رحمك الله لتعلم أن الرجل لا يعبث بالمصطلحات، ولتلمس التوفيق الإلهي المصاحب لكلام الرجال وإن كتب منذ عشرين سنة.

وهاهو الأستاذ المرشد حفظه الله وهو يختم سفره هذا القيم لا يتركك تصارع المجهول، فليس التاريخ عنده مباراة بين الأمم مفتوحة على المجهول(9)، بل يعدك للقاء الله عز وجل، ويفصل الرجل لما قبل الخلافة وما بعدها في طيات هذا الكتاب ويشير إشارات عجيبة نقف عندها بإذن الله عز وجل الحنان المنان ونحن نصحب هذا السفر التحفة وقد يدوم بنا التسيار بحثا في مكنون الكتاب الحلقات ذوات العدد. نختم هذا اللفيف بوصية الأستاذ المرشد حفظه الله وهو يضع نقطة نهاية سفره قائلا: وصلنا إلى نقطة النهاية في هذا اللقاء أخي المومن وأختي المؤمنة، فليكن زادنا للجهاد تقوى الله، وليكن هجيرنا لاإله إلا الله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وإخوانه من بعده.(10)

الـخاتـمة

هذا ما اقتضاه الخاطر المكدود على عجره وبجره، وما جادت به القريحة المقروحة من أوابد أفكار ومقدمات عنت لي وأنا أطالع هذا السفر القيم البديع وأقول مقتبسا من عند الشيخ أبي حامد رضي الله عنه مختتما مقالتي هاته: وآمل من الله غفرانا لا يدرك أقصاه، وعفوا لا ينتهي مداه، إذا عنت الوجوه وخرست الألسن وجفت الشفاه، وخضعت الرقاب، وجحظت الأعين، وسجدت الجباه! فما أحسن عبد بربه ظنه إلا أرضاه وآتاه سؤله ووفاه، فهو الجواد الكريم الفرد الصمد الإله.

الهوامش:

(1) سنة الله، ص52.

(2) سورة البقرة، الآية: 87.

(3) سنة الله، ص41.

(4) نفسه، ص 41/42.

(5) الموافقات في أصول الشريعة، 1/15.

(6) سنة الله، ص45.

(7) نفسه، ص277.

(8) نفسه، ص270.

(9) نفسه، ص315.

(10) نفسه، ص334.