4) ضبط الفروع الفقهية بالقواعد

ذلك أن الفروع الفقهية يعسر استقصاؤها والإحاطة بها على وجه التفصيل، فكان لزاما على العلماء تمهيد قواعد واستخراج أصول تتنظم مجموعة أحكام في علقها، فاستفرغوا جمام الذهن في استقراء كلي للنصوص الشرعية وإجماع الفقهاء، تيسيرا على المفتي إذا لم يهتد إلى وجه الارتباط بين الفرع وأداته& يقول الزركشي في “المنثور في القواعد”: “ضبط الأمور المنتشرة المتعددة في القوانين المتحدة هو أوعى لحفظها وأدعى لضبطها وهي إحدى حكم العدد التي وضع لجلها& والحكيم إذا أراد التعليم، لابد له أن يجمع بين بيانين: إجمالي تتشوف إليه النفس، وتفصيلي تسكن إليه”. ويقول كذلك: “معرفة الضوابط التي تجمع جموعا والقواعد التي ترد إليها أصولا وفروعا، بها يرتقي الفقيه إلى الاستعداد لمراتب الاجتهاد”(1) وإذا كانت المسائل الفرعية على اتساعها وبعد غايتها لها أصول معلومة وأوضاع منظومة، فهي هي أصول قد تكون ديدنا لأهل الإجتهاد في تخريج الفروع المستجدة، لاسيما وهي ضوابط مضطردة ودلالتها قطعية ، ثم إن هذه القواعد تكشف عن حقيقة مراد الشارع من الأدلة وتكسب قوة الإقتناع بالحكم. أما سلخ نص من سياقه ونظمه وسبب وروده وقصد الشارع منه ورتبته مع المحكمات الكليات، ثم استخراج حكم غريب منه، هو ضرر على الشرع والمكلف سواء بسواء .

لذا تجد الأول من أهل النظر والتحقيق مصنفين لهذه القواعد تحريرا وترصيفا، كالأصول والضوابط للإمام النووي، والقواعد الصغرى لسلطان العلماء عبد العزيز بن عبد السلام السلمي، والقواعد النورانية لأبي العباس ابن تيمية، والقواعد والفوائد الأصولية لعلي بن عباس البجلي الحنبلي & إلىغير ذلك من المصنفات، فضلا عن قواعد منثورة في كتب النظار الأحناف، كأصول البزدوي وأصول السرخسي وأصول الشاشي، وأصوليي الشافعية كالجويني في برهانه، وأبي إسحاق الشيرازي في التبصرة، والإسنوي في التمهيد، والشافعي الإمام في الرسالة، وكذا أصوليي المالكية، كابن العربي في المحصول، وأبي الوليد الباجي في الإشارات في الأصول، وأبي إسحاق الشاطبي في الموافقات &

من تلكم القواعد “الأمور بمقاصدها” و”الضرر يزال” و”الضرر لا يزال بضرر آخر” و”الضرورات تبيح المحظورات” و”المشقة تجلب التيسير” و”العادة محكمة”ً ويدخل فيها قول الأصوليين “الوصف المعلل به، قد يكون من مقتضيات العرف”، وفي باب التخصيص “تخصيص العموم بالعادة”، ومن القواعد “درء المفاسد أولى من جلب المصالح” و”درء المفسدة العليا أولى من درء غيرها”، و”جعل المعدوم كالموجود احتياطا”، و”ما أوجب فيه الشارع التتابع لم يجز تفريقه قطعا” كصوم رمضان، و”التحريم المتوقع لا يؤثر في الحال عدم الحل، كما أن الحل المتوقع لا يؤثر في منع الحل في الحال” كتصرف الزوجة في جميع الصداق بمجرد العقد، وإن كان لا يستقر ملكها عليه إلا بالدخول، وتصرف الأجير في الأجرة المقبوضة وإن لم تنقض مدة إجارته، وفي باب التحريم هناك “التحريم يتعدد وتعدد أسبابه”، وفي النادر “النادر إذا لم يدم يقتضي القضاء” كالمربوط على خشبة يصلي ويعيد فإذا حوصر كثيرا لم يعد، و”النادر إذا دام يعطى حكم الغالب” كجواز قصر الصلاة عند المسافر وإن لم تلحقه مشقة، و”النسيان يرفع الإثم في الإتلافات لا الضمان” ولذلك تجب الدية في قتل الخطأ، و”النظر إلى الظاهر أو إلى ما في نفس الأمر؟”، و”الوصف التام لا يقوم مقام الرؤية” كما هو في البيع. و”وقت الشيء يتنزل منزلة الشيء إذا كان ركنا” كمضي مدة مسح الجورب توجب النزع وإن لم يمسح. و”يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الإبتداء” و”يغتفر في الشيء إذا كان تابعا ما لا يغتفر إذا كان مقصودا” كالحاج الذي قطعت يده وسقط الشعر منها فلا فدية عليه & إلى غير ذلك من القواعد التي تنير السبيل للمفتي وتكسبه دربة الإستنباط وضم شوارد الأحكام بمأخذ واحد يجمعها.

5) اعتبار رتب المصالح والمفاسد وأنها على غير وزان واحد

إذا كان الإحسان منحصرا في جلب المصالح ودرء المفاسد وكان أعلاه احسان العبادات وهو أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، ثم الإحسان للخلائق بجلب المنافع لهم ودرء المضار عنهم، فإن هذه ً المصالح متفاوتة، إذ تنقسم إلى الحسن والأحسن، والفاضل والأفضل، كما تنقسم المفاسد إلى القبيح والأقبح والرذيل والأرذل، ولكل واحد منها رتب عاليات ودانيات ومتوسطات وغير متساويات، ومصالح الإيجاب أفضل من مصالح الندب، ومصالح الندب أفضل من مصالح الإباحة، كما أن مفاسد التحريم أرذل من مفاسد الكراهة(2)” وهناك أدلة طافحة في كتاب الله تعالى تدل على ما نحن فيه، ففي رتب المصالح هناك قوله تعالى: “أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين” فمصلحة السقاية والعمارة مرجوحة ومتفاوتة عن مصلحة الإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيل الله، وفي رتب المفاسد قول موسى صلى الله عليه وسلم لأخيه هارون عليه السلام لما وجد بني إسرائيل عابدين للعجل: “قال يا هارون مامنعك إذ رأيتهم ضلوا؟ ألا تتبعني أفعصيت أمري؟ قال يبنؤم لا تاخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي” فمفسدة عبادة العجل مرجوحة ومتفاوتة عن مفسدة أعظم منها وهي تفريق بني إسرائيل”. وفي تعارض المصالح بالمفاسد قول الخضر عليه السلام لموسى صلى الله عليه وسلم: “أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك ياخذ كل سفينة غصبا” فتم تقديم مصلحة إبقاء السفينة في ملك المساكين ولو ارتكبت مفسدة خرق السفينة بثقب لأنها مفسدة كمالية تعارضت مع مصلحة ضرورية. يقول العز بن عبد السلام: “إذا تعارضت المصلحتان وتعذر جمعهما، فإن علم رجحان إحداهما قدمت”(3) فإذا كانت المصلحة ضرورية على مصلحة الحاجي كتقديم مصلحة الحفاظ على النفس الضرورية على مال غير الحاجي للأمين الذي أوشك على القتل من لدن قطاع الطريق& وإذا كانت المصلحة ضرورية قدمت على مصلحة الكمالي كتقديم مصلحة بناء المستشفيات على الإحتفالات التحسينية أو كتقديم إنشاء محطة إعلامية إسلامية على الإعتمار تكرارا& وهكذا فالفهم هو الذي يستحضر مرتبة الأمرين المتعارضين ثم يوازي بينهما بعد معرفة مرتبة كل مصلحة، أما إقامة الدنيا من أجل الأصبع في التشهد أو البسملة في الصلاة أو تقديم الرجلين أم اليدين في السجود على قضايا كلية كقضية المديونية والتخلف العسكري وتبعية الغالب في أموره كلها وتزوير إرادات الشعوب فهو فهم منخرم خرق لا يرقع لحصر الإسلام كله في رسوم وأشكال ومباني كالحرص على تقصير الثوب ومظهر الزي والإعراض عن جهاد السلف وعبادة السلف وخلق السلف &

6) معرفة وقائع الناس وأعرافهم

استقراء لفتاوى جهابذة الأمة من الفقهاء،ألفيناها مراعية لمآلات الفعل،وما يستتبع الفتوى من نتائج عند التطبيق خوفا من جر مفاسد على المكلف أو غيره& يقول الإمام الشاطبي في ذلك: “إن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو الإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل مشروعا، لمصلحة فيه تستجلب أو لمفسدة تدرأ”(4)، ولا يكون الإطلاع على مآلات المكلفين إلا بفهم أحوالهم ومعاشهم وجزئيات واقعهم لأنه محل تنزيل هذه الأحكام، فكان لزاما على المحققين معرفة النص وفهمه ومعرفة واقع تنزيله، وإلا كان الفقه فقه نظر وتجريد، لا فقه عمل وتسديد، وهو مخالف لتعريف الفقه أصلا الذي هو استنباط للأحكام العملية، لا التجريدية المثالية التي لا علاقة لها بالواقع، ومن ثم أعطى الفقهاء الألباء الواقع منزلة كبرى في فقه التنزيل لتوضع تصرفات الناس كلها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في سياج الشريعة خروجا لهم من العهدة، وإسعادا لهم بقوانين الخالق سبحانه، وهو شرط في المفتي ولاسيما القاضي، يقول ابن القيم رحمه الله في الإعلام: “ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم أحدهما فهم الواقع و الفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علما& والثاني فهم الواجب في الواقع وهو فهم حكم الذي حكم في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر،فمن بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجرا& فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله”(5)، فمعرفة الناس وأحوالهم وعوائدهم وعرفياتهم أصل عظيم يحتاج له الفقيه لصياغة فتوى جالبة للمصلحة الشرعية ودارئة المفاسد عن الناس،لأن الفتاوى تتغير بتغير الزمان والمكان والعوائد والأحوال& وذلك كله من الدين، لا سيما في هذا الواقع المعاصر المتشعب الذي يقتضي من الفقيه إدراكا ولو قدرا ضئيلا من علم الاجتماع وعلم النفس وعلم التربية والاقتصاد والتاريخ والسياسة والقوانين الدولية& ونحوها من الدراسات الإنسانية الكاشفة عن وقائع الناس وأحوالهم وأعرافهم& لا بد من فهم كل هذا لإدراك وجهة النصوص وأبعاد مدلولاتها لترى وكأنها تعمل في وسط حي إصلاحا وتغييرا له& أما إذا أعرض المفتي الساكن الحالم عن ذاك واستمسك بفتاوى التجريد، معالجا نوازل خاصة بعصر مغاير لعصرنا فإن فتواه ستبقى ميتة معزولة عن وقائع الناس وأحوالهم& غريبة كل الغرابة عن مصالحهم& حبيسة أوراق مهترئة& وفي ذلك جهالة في الدين، يقول الإمام القرافي في (الإحكام): “إن استمرار الأحكام التي مدركها العوائد-مع تغير تلك العوائد-خلاف الإجماع، وجهالة في الدين(6)، وقال في (الفروق) ناصحا: “فمهما تجدد من العرف اعتبره، ومهما سقط أسقطه، ولاتجمد على المسطور في الكتب طول عمرك !& والجمود على المنقولات أبدا ضلال في الدين، وجهل بمقاصد علماء المسلمين، والسلف الماضين”(7).

وعلماؤنا الذين مارسوا هذا الفن غاية الممارسة، وكانوا في الذروة من الفهم الثاقب لمآلات الأفعال، ومعرفة مقتضيات الأحوال& كانت فتاويهم موفقة سديدة، أسعدت الناس وأقنعتهم بأن كل ما كان فيه خير للناس فثمّ شرع الله، وكل فتوى ألحقت ضررا بهم،وجرت مفاسد عليهم فهي عارية عن مقصود الشارع مضادة له! يقول ابن القيم رحمه الله: “فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها،ورحمة كلها، ومصالح كلها. فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث،فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل& “(8) ومن الأمثلة الموضحة لذلك: “أخذ معاذ بن جبل -رضي الله عنه-قيمة الزكاة من أغنياء اليمن كالأثواب عوض الشعير قائلا لهم: “ائتوني بخميص أو لبيس آخذه منكم مكان الذرة والشعير، فإنه أهون عليكم وأنفع للمهاجرين بالمدينة” لأن ذلك أصلح لواقعهم، علما بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال له: “خذ الحب من الحب، والشاة من الغنم، والبعير من الإبل”، فأخذ روح النص -رضي الله عنه- و مقصده ومعناه لا ظاهره ورسمه ومبناه. ومن ثمّ أجاز عمر بن عبد العزيز إخراج قيمة الأطعمة بالنقود من زكاة الفطر، لأن الإغناء وهو علة النص يتحقق بها. وربما كان بالقيمة أولى وأوفى، ومن الأمثلة لذلك في اعتبار القصد عند تغير الواقع(9)، الاجتهادات العمرية كامتناعه -رضي الله عنه- إعطاء الزكاة للمؤلفة قلوبهم “لأن الله أعز الإسلام وأغنى عنهم”، وعدم قطع يد السارق لترجيح المانع -وهي مجاعة عام الرمادة -على المقتضي- وهو إقامة الحد& وترك ابن تيمية -رحمه الله- الإنكار على التتار السكارى بقوله لأصحابه “دعهم، فإنما حرم الله الخمر، لأنها تصد عن ذكر الله، وعن الصلاة، وهؤلاء تصدهم الخمر عن سفك الدماء، ونهب الأموال”(10) فيه مراعاة للواقع ومقاصد الشريعة في الحلية والتحريم، وقد حكوا عن الإمام أبي زيد القيرواني المالكي -رحمه الله- أن أصحابه أنكروا عليه اتخاذ كلب للحراسة برغم كراهة مالك له، أجابهم بقوله: “لو كان مالك في زماننا لأتخذ أسدا ضاريا!” إلى غير ذلك من الأمثلة التي تؤكد أن لتغير العرف والزمن والحال أثرها في تغير الفتوى وتكييف الأحكام، ومن كان غافلا عن مصالح المجتمع ومفاسده، وما يدور في العقول من أفكار، وفي الأنفس من نوازع، وفي الحياة من مجريات ووقائع، وانعزل في برج عاجي، وقبع في دير نائي& لا يعد أبدا من أهل الاجتهاد والفتيا والحكم في شريعة الإسلام& لذا تجد الأول من الجهابذة غير ملتزمين بمحل واحد لطلب العلم بل جالوا الآفاق مرتحلين بحثا عن الشيوخ، ومعرفة بأحوال المكلفين&

يقول ابن عابدين في رسالته (نشر العرف فيم بني من الأحكام على العرف): “إن كثيرا من الأحكام تختلف باختلاف الزمان لتغير عرف أهله، أو لحدوث ضرورة أو لفساد الزمان، بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أولا للزم منه المشقة والضرر بالناس، ولخالف قواعد الشريعة المبنية على التخفيف والتيسير، ودفع الضرر والفساد(11).

7) مراعاة الفروق الفردية واختلاف طبائع المستفتين

فالناس مختلفون في فهومهم واستعداداتهم وميولهم وطبائعهم وأمزجتهم وهذا يقتضي مراعاة لأحوالهم من لدن المفتي، فالرسول صلى الله عليه وسلم راعى طبيعة الأحباش ذوي المزاج المنبسط فأذن لهم بالرقص واللعب في مسجده الشريف وقال لهم عليه الصلاة والسلام: “دونكم يا بني أرفدة ! وراعى حداثة سن زوجه عائشة -رضي الله عنها- فأذن لها أن تنظر إليهم قائلا: “أتشتهين تنظرين؟” قالت نعم، فأقامها وراءه حتى إذا ملت قال حسبك فقالت نعم فقال اذهبي”(12) ومن ثمّ قالت هي مقعدة هذه القاعدة: “فاقدروا قدر الفتاة الحديثة السن، الحريصة على اللهو”(13) وراعى عليه الصلاة والسلام طبيعة الأنصار الذين كان يعجبهم اللهو فقال لعائشة: “يا عائشة ماكان معهم لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو”(14) وفي رواية: “ياعائشة هل غنيتم عليها، أو لا تغنون عليها؟ إن هذا الحي من الأنصار يحبون الغناء”(15) وراعى عليه الصلاة والسلام فقه ونجابة فقيه الصحابة سيدنا معاذ بن جبل -رضي الله عنه- فقال له: “ما من عبد يشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار” فقال معاذ يارسول الله أفلا أخبر الناس فيستبشروا؟ قال عليه الصلاة والسلام: “لا، إذا يتكلوا(16) وهذا الإسرار بالبشرى كانت خاصا بفقيه ولم يحمل على الشمول والعموم فافهم! ولهذا تجد البخاري مترجما لذلك بـ: “باب من خص بالعلم قوما دون قوم…” ومستشهدا على يقول سيدنا علي عليه السلام: “حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟ قال الحافظ في الفتح: “فيه دليل على أن المتشابه لا ينبغي أن يذكر عند العامة. ومثله قول ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: “ما أنت بمحدث قوما حديثا لاتبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة(17)، وهكذا تجد الأئمة كمالك رضي الله عنه يكره تحديث الناس بأحاديث ظاهرها الحشو والتجسيم كحديث الجارية، والإمام أبي يوسف في الغرائب& وضابط ذلك -كما قال الحافظ- أن يكون ظاهر الحديث يقوي البدعة، وظاهره في الأصل غير مراد، فالإمساك عنه عند من يخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوب، والله أعلم(18) قال الإمام أبو طالب المكي في قوت القلوب: “كل لكل عبد بمعيار عقله، وزن له بميزان فهمه، حتى تسلم منه وينتفع بك، وإلا وقع الإنكار لتفاوت المعيار”(19) وما اختلاف أجوبة الرسول صلى الله عليه وسلم عن السؤال الواحد إلا دليل ناصع عن مراعاته للفروق الفردية للسائلين، ومن ذلك الوصايا المختلفة لاختلاف من طلبوا الوصية فلقد قال لواحد عندما قال له أوصني: “اتق الله حيثما كنت..(20).

وقال لآخر عن نفس السؤال: “لا تغضب”(21) وكررها وقال لثالث عن نفس السؤال كذلك: “تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة المكتوبة…(22) وقال لرابع: “لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله”(23) وقال لخامس: “قل: آمنت بالله، فاستقم”(23) وقال لخامس: “أملك عليك لسانك،وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك”(24) وأحاديث أخر من هذا الباب جاءت فيها وصايا النبي صلى الله عليه وسلم الجامعة المختلفة مراعاة لاختلاف أحوال السائلين وحاجاتهم(25) والعجب ممن يعلم الناس البسطاء الأميين أحوال الفرق الكلامية وما خاضوه من صراعات جدلية بدعوى تصحيح المفاهيم العقدية وهم يجهلون المعلوم من الدين بالضرورة فتراهم غير متقنين لوضوئهم وغسلهم وكان الأولى به تعليمهم الإيمان ومقتضياته ومايرفع به الحرج من الأحكام الشرعية المستنبطة من لدن الفقهاء المعتبرين بدون تعصب لمذهب ظاهري حرفي أومسلك حشوي تجسيمي.

الهوامش:

(1) المنثور في القواعد للزركشي (1/65).

(2) القواعد الصغرى للعز بن عبد السلام (1/36).

(3) نفس المصدر (1/60).

(4) الموافقات (2/300).

(5) إعلام الموقعين (1/86).

(6) انظر جوابه عن السؤال التاسع ص129.

(7) المصدر السابق ص231.

(8) إعلام الموقعين (3/3).

(9) فقه الزكاة للإمام القرضاوي (2/803).

(10) اعلام الموقعين (3/6) وانظر تيسير الفقه للمسلم المعاصر للإمام القرضاوي.

(11) رسائل بن عابدين (2/125).

(12) كتاب الجمعة عند البخاري رقم الحديث 897 وكتاب الجهاد والسير 2691 وكتاب صلاة العيدين عند مسلم رقم 1482 وغير ذلك.

(13) البخاري مع الفتح (454) باب أصحاب الحراب في المسجد.

(14) البخاري حديث (4567) باب النسوة اللائي يهدين المرأة إلى زوجها ودعائهن بالبركة.

(15) أخرجه ابن حبان في صحيحه رقم 5875.

(16) البخاري كتاب العلم رقم الحديث 125 وعند مسلم كتاب الإيمان رقم 47 وغيرهما&

(17) أخرجه مسلم في المقدمة _1/76.

(18) فتح الباري (1/225).

(19) انظر الإحياء لحجة الإسلام (1/57).

(20) الترمذي،كتاب البر والصلة رقم 1910 قال أبوعيسى هذا حديث حسن صحيح، وأحمد في مسند الأنصار رقم 20392.

(21) البخاري في كتاب الأدب رقم (5651) والترمذي في كتاب البرو الصلة باب ماجاء في كثرة الغضب رقم 1943.

(22) البخاري في كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة رقم 1310 ومسلم في كتاب الإيمان رقم 15.

(23) الترمذي في كتاب الدعوات باب ماجاء في فضل الذكر رقم الحديث 3297 وابن ماجة في كتاب الأدب باب فضل الذكر.

(24) مسلم في الإيمان باب جامع أوصاف الإسلام رقم55 والترمذي في الزهد (ما جاء في حفظ اللسان رقم 2334).

(25) الترمذي في الزهد باب ما جاء في حفظ اللسان رقم 2330.