حدثان بارزان وخطيران استهدفا المغرب في دينه وأمنه واستقراره. حدثان كان لهما دور كبير في تغيير مجرى ومنحى الأحداث في المغرب، وكانت لهما تداعيات كبرى، تجاوزت آثارها الحدود لتبلغ مختلف أصقاع العالم.

الحدثان وقعا على فترتين متباعدتين، لكن قدَّر الله أن يكونا في نفس اليوم وفي نفس التاريخ وفي نفس الشهر: الجمعة 16 ماي.

الحدث الأول مضى على تاريخ وقوعه خمسة وسبعون سنة، وهو ما عرف ب ” الظهير البربري ” الذي أصدرته السلطات الاستعمارية الفرنسية في يوم الجمعة 16 ماي 1930، حدث هز المغرب وكان يهدف إلى تخريبه وتمزيقه، والإجهاز على عنصر التماسك الذي يجمع أهله.

والحدث الثاني، الذي نستقبل في هذه الأيام الذكرى الثانية لوقوعه، هو تفجيرات الدار البيضاء في يوم الجمعة 16 ماي 2003، تلك الفاجعة التي أرعبت وروعت الآمنين وأثارت زوبعة من التداعيات كان المغرب في غنى عنها.

يا لتدبير الله وتصريفه ! حدثان يلتقيان في كثير من الأمور، يلتقيان في التوقيت، وفي الأهداف والمرامي..!

فهل أبالغ إذا ادعيت بأن مدبري تفجيرات الدار البيضاء أرادوا إحياء ذكرى إصدار الظهير البربري بتلك البشاعة وذلك الإجرام، ويخلصوا إلى تحقيق ما فشل في تحقيقه المستعمر من خلال الظهير، من إثارة للبلبلة والفرقة واستعداء طرف ضد آخر…؟

ما هذا القدر وما هذا التزامن ؟ اللهم إننا ما سألناك مثل الذي كان، ولا نعترض على ما كان، لكننا نسألك اللطف في الأمر كله.

فرق تسد..لاحظ المستعمر في الحدث الأول كيف أن المغاربة يشكلون، ومنذ الفتح الإسلامي، عنصرا واحدا، كيانا متحدا قويا، تنكسر على جدرانه كل محاولات التفرقة والتشتيت، وتنبهوا، وما كان الأمر بخاف عليهم، بأن سر ذلك التماسك وتلك العزة والقوة يكمن في الدين الإسلامي وفي اللغة العربية لغة القرآن، فعمدوا إلى استصدار ذلك الظهير اللئيم لضرب ذلك السر في معقله.

“إن الفصل الأول من معاهدة فاس المؤرخة بتاريخ 30 مارس 1912، والمتعلقة بتنظيم الحماية في المغرب، ينص على أن السلطات العليا الفرنسية سوف تقوم بالإصلاحات اللازمة في الميادين الإدارية، والقضائية، والتعليمية.. وعلى عدم المساس بممارسة شعائر الدين الإسلامي والمؤسسات الدينية..

غير أن سلطات الحماية سوف تتناقض مع مقتضيات هذا الفصل من المعاهدة وذلك حينما نص الفصل الأول من “الظهير البربري” الذي أصدرته على منح “اجْماعات” القبائل البربرية كل الاختصاصات الجنائية التي كان يتمتع بها قواد المخزن. أما الفصل الثاني من الظهير فقد أنشأ محاكم خاصة سميت “المحاكم العرفية” والتي اختصت بالشؤون المدنية والتجارية والعقارية، وكذا ما يتعلق بالأحوال الشخصية والميراث. أما الميدان الجنائي فقد ألحق بالمحاكم الفرنسية بمقتضى الفصل السادس من الظهير البربري” (1).

“لقد أرادت سلطات الحماية أن يكون صدور الظهير البربري مدخلا لتقسيم المغرب إلى عرب يقيمون في المدن، وبربر يقطنون في الأرياف والبوادي، على أن يتم في مرحلة لاحقة إلغاء الشريعة الإسلامية بالنسبة للتقاضي بين أفراد القبائل البربرية ومن ثم إلغاء المحاكم الشرعية، وإنشاء محاكم مدنية تطبق الأعراف البربرية القديمة.. وفي خطوة لاحقة… يُمنع تعليم القرآن لأبناء البربر وذلك يعني تلقائيا منع تعلم اللغة العربية ثم تتوج بعملية تنصير أطفال البربر.

وبالفعل شرع الفرنسيون في فتح مدارس تابعة للكنائس في البوادي والقرى والمداشر وقد شيدوا عشرات الكنائس، وكان ذلك الاتجاه يعوزه المنطق، إذ لا يعقل في بلد مسلم كالمغرب لا توجد به إلا نسبة قليلة من الأجانب أن تشيد كل تلك الكنائس، وتنتشر في القرى والمدن والمداشر النائية وإلى جانبها المدارس التبشيرية وأديرة الرهبان والراهبات “(2).

“كان المخطط يرمي إلى إشعال نار الفتنة بين البربر والعرب، والسؤال الذي يُطرح، لماذا ؟.. الإجابة عنه بسيطة وسهلة – يقول المهدي بنونة -كانت فرنسا تسعى لإدماج المغرب في فرنسا وهي… على اقتناع أنه لا يمكن أن يكون هناك (فرنسي مسلم).

وهذه السياسة البربرية يقول علال الفاسي “.. هي آخر ما اهتدى إليه الفكر الفرنسي للقضاء على مكونات المغرب… وإدماجه في حظيرة العائلة الفرنسية.. وكان يقف حجرة عثرة في سبيلهم هؤلاء السكان الأصليون المتمسكون بإسلامهم وبوحدتهم” (3).

ففيما يخص التعليم، جاء في أطروحة الأستاذ جودفورى دمويين gaudefroy- Demonbynes (عَمَلُ فرنسا بالمغرب فيما يخص التعليم صفحة) 119 قوله: “من الخطر أن نترك كتلة ملتحمة من المغاربة تتكون، ولغتها واحدة، وأنظمتها واحدة، لابد أن نستعمل لفائدتنا العبارة القديمة ” فرق تسد “.إن وجود العنصر البربري هو آله مفيدة لموازنة العنصر العربي.” (4).

آلة مفيدة..!

“وقال موريس جلاي  Mauric le glay أحد موظفي الإقامة العامة في مقال بعنوان )المدرسة الفرنسية لدى البربر): “يجب أن نحذف تعليم الديانة الإسلامية واللغة العربية في مدارس البربر، وأن نكتب اللهجات البربرية بحروف لاتينية… يجب أن نعلم البربر كل شيء ما عدا الإسلام”(5).

“كان قصد الاستعمار الفرنسي حين أصدر قانون الظهير البربري القاضي بأن يحكم البربر بالعرف البربري لا بالشريعة الإسلامية أن يفرقوا المغاربة المسلمين أمتين يحكمهما قانونان. وكان للبربر أعراف في المسائل الاجتماعية والسياسية بعضها يلتقي تماما مع الشريعة الإسلامية كعرف الاختيار التشاوري الانتخابي الاختياري لرئيس القبلية وقائدها. وبعضها كان يصطدم مع شرائع الإسلام” (6).

الرد المسجدي”أود بكل نزاهة وتجرد أن أسجل للتاريخ وللأجيال الصاعدة حقيقة انطلاقة الشرارة الأولى لمقاومة الظهير البربري المشؤوم… وذلك بذكر اسم اللطيف في المسجد الأعظم بمدينة سلا يوم الجمعة 27 يونيو 1930م، والتي أعطت أكبر انتفاضة للشعب المغربي قاطبة ضد الاحتلال والوجود الأجنبي في هذه البلاد” (7).

“طبيعي أن لا تقف كتلة الشباب إزاء هذه التدابير مكتوفة الأيدي… وسرعان ما بدأت الجماهير تحتشد في مساجد سلا أولا، وفي الرباط وفاس وغيرها من المدن المغربية..

وفي أوائل جوان سنة 1930 اشتد حماس المصلين فخرجوا متظاهرين في الشوارع.. وبالجملة فقد كانت هذه المعركة فاتحة عهد كفاح وطني في الداخل والخارج… فقد بدأت حركة التحرير الجديدة، وولدت كتلة العمل الوطني”(8).

“كانت الحركة الوطنية روحا وطنية صرفة خالصة سرت في أوصال الشعب المغربي نشط دماءها الظهير البربري من حيث كان الاستعمار الفرنسي يحسب أن سيوهنُها.فيمكن اعتبار حركة “اللطيف” وما أعقبها ميلادا ثانيا للحركة الوطنية.

اعتدت الحركة الوطنية بنفسها، واكتشفت قوتها، وتنظمت فيما بعد أحزابا قادت البلاد إلى الاستقلال”(9).

“جاء رد فعل المغاربة على صدور الظهير البربري قويا وعنيفا، ومن مؤشرات إخفاق اللعبة الاستعمارية أن القبائل البربرية كانت أول من انتفض ضد ذلك الظهير المشؤوم، فقد حدثت ثورات تناهضه في آيت حمو، وفي إقليم وجدة، وإقليم تافيلالت (الراشيدية الآن) وفي الأطلس المتوسط والأطلس الكبير والرحامنة ومراكش وناحية آيت ساغروشن وخنيفرة وخريبكة وارحامنة وعلى طول واد أم الربيع” (10).

“وكان يوم 16 مايو من كل عام، يوما للحزن في المغرب، وكان كذلك يوما يضرب فيه الناس عن العمل ويعتصمون بالمساجد بعد صلاة العصر، ويقرؤون اللطيف.. ” اللهم يا لطيف نسألك اللطف فيما جرت به المقادر، ولا تفرق بيننا وبين إخواننا البرابر” ثم تُكرر كلمة يا لطيف يا لطيف لآلاف المرات” (11).

“اعتبر الفرنسيون ترديد هذا الدعاء بمثابة تعبئة سياسية ضدهم لذلك منع الناس من ترديد دعاء اللطيف خاصة في يوم 16 مايو.

والذي أغضب الإدارة أكثر (فرنسا) من كل هذا هو استفحال هذه الدعاية في الأوساط البربرية، وانبعاث الوعي القومي في نفوس إخواننا من أبناء المغرب وأصبحوا يتغنون بالأناشيد التي تبكي حالهم وما يكيده المستعمر كقول أحدهم ترجمة عن اللسان الأمازيغي:

لا نعرف من قديم الزمان إلا أننا والعرب إخوان متحدون متصلون أليس إسلام الأمازيغ أبوه عربي؟.

وقوله: يريد الأعادي أن يفرقونا ويذكوا نار العداوة بيننا لتتم سيادتهم علينا.”(12).

كأنهم يرددون “اللطيف” من جهتهم ويقولون: اللهم يا لطيف نسألك اللطف فيما نزل من الكرَب ولا تفرق بيننا وبين إخواننا العرب.

أراد المستعمر أن ينعزل سكان المغرب الأمازيغ عن إخوانهم العرب في تنظيم شؤونهم الاجتماعية وتصريفها على أساس العرف الذي كان سائدا عندهم قبل اعتناقهم للإسلام، فماذا كان رد فعل المغاربة بقطبيه الأمازيغ والعرب؟ هرعوا إلى المساجد واستنجدوا بالواحد الفرد الصمد وسألوه أن يلطف بما جرت به المقادر وأن يحفظ ويديم وحدتهم وتماسكهم ويفشل مساعي وتخطيط المستعمر

فكان ما عرف باللطيف ونظمت مظاهرات حاشدة تجوب المدن انطلاقا من المساجد للتعبير عن رفض المغاربة للظهير المشؤوم.

كان الظهير البربري بمثابة الوقود الذي أشعل فتيل المقاومة، نشأ عنه بزوغ وظهور جديد لمعنى الجهاد والنضال، تلك المعاني التي تحكمها نية خالصة لله.

أرأيت حينما يكون المنطلق واحدا، حينما تجتمع النيات والإرادات الصادقة من أجل التغيير والبناء السوي على أساس مشترك متفق عليه، لا تزيغ به الأهواء ولا تجنح به الأمزجة هنا وهناك، أرأيت كيف تكون النتيجة وكيف تكون الحصيلة ؟ تحرر ومَضَاء و بناء ونماء..

ظهرت الحركة الوطنية بعد هذا الحدث الكبير، وأخذت تشق طريقها في دروب المقاومة وهي تستلهم وتستحضر دائما أن الذي جمع وحفز وعبأ هو الغضب لدين الله، الغضب ضد المستعمر الكافر الذي أراد أن يفرق المغاربة ويشتت وحدتهم، فكان ذلك بمثابة الموجه والقائد لرموز الحركة الوطنية في جهادهم ونضالهم، بناء على ما بدأه أسلافهم أمثال محمد بن عبد الكريم الخطابي الذي كان لا يَعْتَدُّ بشيء في جهاده ضد المستعمر أكثر مما يَعتد “بالإيمان والإيمان وحده”.

16 ماي 1930، الهدف منها كان هو دفع المغاربة المسلمين إلى الانسلاخ عن دينهم الذي نظم شؤون حياتهم، وعدل في القسمة وحكم بين الناس بالقسط، وآخى بين سكان المغرب الأمازيغ وإخوانهم العرب، ورفع الضيم والحرج عن المرأة في مالها ودينها واستقلال قرارها ورأيها.. وربْطِهم بتقاليد وأعراف كان فيها ظلم لكثير من الخلق لأنها صادرة عن البشر، صادرة عن أهواء وأمزجة وميولات، صادرة عن نفوس تحكمها حاجات وتتجاذبها رغبات..

أتحدث عن الإسلام وعن شريعة الإسلام، ولا أتحدث عما فعله بعض المسلمين باسم الإسلام، لا أتحدث عن الذين حكموا البلاد دهرا من الزمان بالظلم والطغيان، وجعلوها وراثة بينهم، ثم استحالت جبرية..لا أتحدث عن الفقه الذي أفتى للمتسلط بالسيف مخافة أن يفتتن الناس، وفي الفتنة قد سقطوا وأسقطوا..!

لقد سمع العالم في غضون شهر مارس 2005 عبر القنوات الفضائية خبر ما حدث لسيدة باكستانية واسمها “مختارا ماي” بسبب احتكام أهل قريتها إلى العرف الذي يقضي عندهم في بعض النوازل، بتجريد المرأة من لباسها وعرضها عارية على الناس، بل واغتصابها من طرف كل ذي قلب مريض وعديم المروءة والإنسانية على مرءى ومسمع من الملأ..

نستغفر الله لما يقع بين ظهرانينا، وفي بلاد تنتسب إلى الإسلام، اللهم لا توا خذنا بما يفعله السفهاء منا.

الخطر المسجدي ما الذي تغير بعد سبعة عقود ونيف في عقلية بعض المغاربة ؟

كيف أصبح في المغرب من يفجر نفسه ويقتل غيره من الأبرياء بدون حق ؟

ما هذا الذي طرأ على واقعنا كي نجد من بيننا من يحمل مثل هذا الفهم ويختار مثل هذا السلوك ؟

لماذا تعاطي بعض أصحاب “الرصيد النضالي” ، ورثة “الحركة الوطنية” التي رأينا ما حفزها، وما أيقضها ومنح لها الولادة الثانية بسبب “الظهير البربري” مع حدث تفجيرات 16 ماي 2003 بذلك المنطق الذي لا يعبر عن نضج ومسؤولية أصحابه ؟

لماذا ذلك التحامل المبالغ فيه والذي عبر عنه الحداثيون عندنا، مفاده أن خطاب الحركة الإسلامية في المغرب هو الذي كان وراء ما حدث في 16 ماي بالدار البيضاء؟

ما هي الخلفيات التي تؤطر هذا التحامل المجاني على كل الإسلاميين بدون بينة ؟

هل فعلا هناك ما يدعو إلى التخوف من خطاب الحركة الإسلامية على أمن المغرب واستقراره؟

هل ثبت أن دعت هذه الحركات إلى تبني خيار العنف كأسلوب ومنهج في العمل ؟

أم أن استطلاعات الرأي وتقديرات الملاحظين والمتتبعين في الداخل والخارج كانت ترجح بقوة إمكانية فوز حزب العدالة والتنمية ومن وراءه سنده ورصيده “حركة التوحيد والإصلاح” بأغلبية معتبرة في الانتخابات الجماعية التي كانت ستجرى في 26 شتنبر 2003، وهو في كل الأحوال، ما يُعتبر بالنسبة لهؤلاء المتخوفين فوزا للتوجه الإسلامي!؟

فكانت الضربة الفاجعة بمثابة الخندق الذي هوى بتلك التقديرات وأُهيل عليها من أثقال وأكوام التعليمات من الداخل والخارج.. وكأنهم وجدوا الظروف مناسبة للتخلص من خصم طالما تحينوا له الفرص..

الهدف في الحدثين كان واحدا، وهو تخريب البلاد وترهيب العباد.

المستهدف هو ما يجمع المغاربة، وحدتهم ودينهم وتماسكهم واستمساكهم بوطنيتهم وهويتهم الإسلامية التي ترفض التقسيم على أساس عرقي أو الترويع باسم الدين.

في 16 ماي 1930 لم تتحكم الأيادي التي حركت “الظهير البربري” في رد فعل المغاربة، كان وجود المستعمر الكافر كافيا لينقلب السحر على الساحر.

لكن في الحدث الثاني يوم 16 ماي 2003، يظهر بأن مدبري الجريمة الشنعاء قد أحكموا اختيار الظروف التي فعلوا فيها فعلتهم، الأجواء كانت أجواء انتخابات، وأي حادث كان سيقع، من الطبيعي أن يستغله أي طرف ضد الآخر، ومن أقدار الله أن الحدث ارتبط واستهدف أماكن يعتبرها البعض ويرى البعض، وليس الإسلام.. وليس الحركة الإسلامية، أن التعامل معها ينبغي أن يكون على ذلك النحو من العنف، وبتلك الشناعة.. فألصقت التهمة بالإسلاميين.

هنا حصل الاختلاف، وهو اختلاف عميق وخطير.. !

ففي الوقت الذي هرع فيه الناس إلى المساجد أثناء إصدار “الظهير البربري”، واحتموا بربها وسألوه أن يلطف بما جرت به المقادير، هرع بعض مثقفينا ورجال السياسة والإعلام..إلى الكاميرات وأعمدة الصحف ليدلوا بتصريحات مجانية مجانبة للصواب تُلقي اللائمة على خلفية تفجيرات البيضاء على الإسلاميين المغاربة بكل أطيافهم، وسخروا في حملتهم تلك كل ما أوتوا من دهاء وخداع وتمويه وتشويه للحقائق واستباق للتحقيق، كأنهم يسارعون ويسابقون الزمان على أمر ما يحرصون على أن لا ينفلت من بين أيديهم، وكأن القدر منحهم وفتح لهم بابا ما كانوا ليلجوه لولا تلك الأحداث ..

استباق كاد أن يعصف بكثير من المكتسبات التي راكمها الفعل التواصلي بين مختلف الفاعلين في بلدنا.

المسجد الذي أنقذ المغاربة في الأمس والذي تُوجَّه إليه اليوم أصابع الاتهام بأنه يغذي روح الكراهية وخطاب العنف، ويدعو إلى التطرف.. وكأن منابره مشاعا يعلوها من شاء ليرمي الناس بمثل ما يتفوه به بعض حداثيينا زورا وبهتانا، والجميع يعرف قدر حرص وزارتي السيادة، الأوقاف والشؤون الإسلامية، ووزارة الداخلية، على أن لا يَعْلُوَنَّها إلا كلُّ مستأمن على ما مصلحة النظام الحاكم ، فهل يدعو النظام المغربي إلى التطرف وتبني خطاب الكراهية ؟

اتهام باطل وافتراء جائر هذا الذي جاءوا به، ليس في مساجد المغرب من يدعو أو يحرض على الكراهية والحقد، وأنَّى يكون ذلك، وكيف ومن أين عسى لخطيب أو واعظ مسجدي أن يستقي ويستجمع حججه، والنصوص القرآنية والحديثية، التي قد يدعم ويعضد بها دعوته إلى العنف ؟

ليس في القرآن ما يدعو إلى كراهية الآخر لذاته وجنسه أو للونه ودينه يقول تعالى:

{ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا. إن أكرمكم عند اله أتقاكم}(13).

ويقول عز وجل: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين}(14).

كما أن السنة النبوية، ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم وصح عنه من حديث أو فعل أو تقرير، لا أجد فيه أيضا ما يدعو إلى العنف على الناس مؤمنهم وكافرهم “أنتم الطلقاء”.

قال عليه الصلاة والسلام في حديث رواه الشيخان عن أمنا عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله”.

وفي رواية لمسلم: “إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف”.

إلا أن يكون غضبا لحرمات الله وحدوده، فما غضب صلى الله عليه وسلم أشد من غضبه أن تنتهك حرمات الله.

هذا مبلغ ما يتحدث به خطباءنا، وليس كل الخطباء، فمنهم من لا يهتم بأمور الدنيا وحال الأمة وهمه فقط ومبلغه من العلم، أن ينذر العباد بعذاب رب العباد، غافلا عن رحمة وحلم رب الناس بكل الناس، وفرحته تعالى بعودة المذنب وتوبته، غافلا عن هجمة العدو على ديارنا يسيم العباد ذلا وتحقيرا وتعذيبا..!

صف المسجد !كنا في غنى عن كل هذا التنابز، وكان الأحرى أن ينتبه العقلاء من أبناء هذا البلد ويدركوا أن ما حدث إنما عشَّش وترعرع بيننا بسبب اختلافاتنا الواهية وتباعد الأطراف الفاعلة في المغرب عن بعضها البعض، و عدم جرأتها على المكاشفة من أجل تصحيح المسار، وقيادة المغرب نحو سكته التي انحرف عنها حينما انحرفت النية وتاه القصد.

كان الأجدر أن نترك الفاجعة تمر في هدوء دون تهويل، نراقب ونتابع ونحلل المعطيات ونستجمع كل القرائن، في تعاون وتنسيق، لنتوج كل هذا المجهود بجولات من الحوار الجاد والمسؤول من اجل استجلاء أسباب ما وقع، وتحديد واقتراح الخطوات التي من شأنها أن تجنبنا وقوعه مرة أخرى.

كان ينقص حداثيينا كثيرا من النضج والصبر والتؤدة، كان رد فعلهم سريعا متهورا غير مدروس ولا يستوعب حقيقة الأشياء

لن اذكر الأسماء أو الألوان السياسية التي انساقت وراء هذا المنحى، فهي معروفة لدى الخاص والعام، أود فقط أن أشير إلي أن حماية المغرب، والحفاظ على أمنه ووحدته، والذود عنه لا يكون بالقطع بتوجيه الاتهام إلى هذا الطرف أو ذاك، فالكل مستهدف، والكل معني..

بل ينبغي أولا أن نقضي على الأسباب التي أنعشت تلك الأفكار الهدامة ببلدنا، وينبغي أن نمنع استفحال ظاهرة العنف واجتثاثها من أصولها، وهذا المسعى لابد له من قدْر معتبَر من الثقة المتبادلة بين مختلف الفاعلين في البلد، ولابد له من تعاون وتنسيق.. ومدخلُ كل هذا هو الحوار والتواصل اللذان ينبغي أن يضلا اللغة السائدة بين كل المغاربة.

فمن أجل عودة وأوبة إلى ما جمع الأمازيغ والعرب في الأمس، إلى المعقل الذي وحد وألف بين المغاربة، والخندق الذي زعزع كيان المستعمر وأفشل خطته لفصل وتشتيت وتمزيق المغرب.

إلى 16 ماي ثالثة، لكنها تصحيحية.. أدعو نفسي وأدعو كل غيور إلى لطيف المسجد، وسماحة المسجد، ورفق المسجد، وصف السجد.. حيث يحب الله، وكما يحب الله ويرضى لعباده.

الهوامش: 1- أكنوش، عبد اللطيف: تاريخ المؤسسات والوقائع الاجتماعية، ص 130  133.

2- بنونة، المهدي: المغرب.. السنوات الحرجة، ص 24.

3- الفاسي، علال: الحركات الاستقلالية في المغرب العربي، دار الطباعة العربية، تطوان، ص 141.

4- نفسه، ص 142.

5- نفسه، ص 143.

6- ياسين، عبد السلام: حوار مع صديق أمازيغي، الطبعة الأولى 1997، مطبوعات الأفق الدار البيضاء، ص 240.

7- نفسه ن ص 302.

8- الفاسي، علال: الحركات الاستقلالية في المغرب العربي، ص 148.

9- ياسين، عبد السلام: حوار مع صديق أمازيغي، ص 247.

10- بنونة، المهدي: المغرب… السنوات الحرجة، ص 24  25.

11- نفسه، ص 25.

12- الفاسي، علال: الحركات الاستقلالية في المغرب العربي، ص 152.

13- سورة الحجرات، الآية 13.

14- سورة الممتحنة، الآية 8.