بسم الله الرحمن الرحيم. (رب أدخلي مُدْخَلَ صدق وأخرجني مُخرَجَ صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا). رب أعني ولا تعن علي، وانصرني ولا تنصر علي، وامكُر لِي ولا تمكُر علي، واهدني ويسر هُدَايَ، وانصرني على من بغى عليَّ،رب اجعلني لك شاكرا، لك ذاكرا، لك راهبا، لك مِطْواعاً، إليك مُجيبا مُنيبا تقبل توبتي، واغسل حوبتي، وأجب دعوتي، وثبِّتْ حجتي، واهد قلبي، وسدد لساني، واسللْ سخيمة قلبي.

الطريق الصادقة الصاعدة التي إن استقام عليها العبد في إرادته وجه الله، لا تصْرِفُ إرادة الدنيا وجهَه، طريق تقرب إلى الله عز وجل وتوصل إليه. إنها طريق الولاية والسبق لدرجات القرب من الله عز وجل. وتتحقق الولاية للعبد. ويُحْرِزُ على السبق والقُربى حين تكلل جهوده في طاعة مولاه وحبه والوفاء له والسير إليه بحب المولى عبده ذلك الحب الخاص الذي تَشرئب إليه أعناق الرجال. روى الإمام البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله قال: من عادى لي وليا فقد آذَنته بالحرب. وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه. وما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يُبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها. وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه. وما ترددت عن شيء أنا فاعِلُه تردُّدي عن نفس المؤمن، يكره الموت، وأنا أكره مَساءَتَه”.

هذا الحديث القدسي العظيم سندٌ قَوي لزيادة بيان ما أثبته القرآن وأثبتته السنة من أن الله جلت عظمته يحب من عباده خاصَّةً يُفْرِدُهم عن الناس هم أولياء الله. وحول هذا الحديث نَشِبَتْ بين طوائف العلماء خلافات وتأويلات. أفرده بعضهم بالتأليف لمزيد العناية به، كما فعل الشوكاني في كتاب “قطر الولي في حديث الولي”، وأنكره بعضهم مع ثبوته في أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى لَمّا ضاقت حُوَيْصِلَتُه عن قبول المعاني الجليلة التي يتضمّنها، كما فعل الذهبي حين زعم أنه: “حديث غريب جدا، ولولا هيبة الجامع الصحيح لعددته من منكرات خالد بن مخلد”. وخالد بن مخلد راو من رجال إسناد الحديث، تجاوز القنطرة بتَزكية البخاري له، ويريد الذهبي غفر الله له أن يرده على أعقابه.

حديث جليل عظيم تفسر بعض معانيه فصول هذا الكتاب. نقف هنا على كون حب الله عبدَه ذلك الحب الخاص هو مطلب كل متقرب إلى الله، محب لله، مطيع لله، طامع في الله، مريد لله، فائز بالله.

وحب الله الخالق المنعم مغروزٌ في الفِطَرِ الكريمةِ المَعْدِنِ، تَطْمِرُه الطّوامر وتُبرزه من مكامنه صحبة من “ينهض بك حاله، ويدلك على الله مقاله”. لا ينكر حب العبد لربه واستجابة المولى الودود بحبٍّ أكبر إلا جاحد مُعاند، أو مُعطل فاسد. “فكل ما فطرت القلوب على محبته من نعوت الكمال فالله هو المستحق له على الكمال. وكل ما في غيره من محبوب فهو منه سبحانه وتعالى. فهو المستحق لأن يُحب على الحقيقة والكمال. وإنكار محبة العبد لربه هو في الحقيقة إنكار لكونه إلها معبودا. كما أن إنكار محبته لعبده يستلزم إنكار مشيئته، وهو يستلزم إنكار كونه ربا خالقا. فصار إنكارها مستلزما لإنكار كونه رب العالمين، ولكونه إله العالمين. وهذا هو قول أهل التَّعطيل والجمود”.

قال هذا شيخ الإسلام ابن تيمية الذي أورد حديث الولاية في بداية كتابه “الفرقان بين أولياء الرحمان وأولياء الشيطان”، ولم يتوقف فيه كما توقف الذهبي، بل بنى عليه واهْتَبَل به. والعجب لرجل من أهل الحديث مذهبُه إثبات الصفات وإمضاؤها كما جاءت، يتحول مُعطلا لِمَا يسمع من جلال ولاية الله لعبده المحبوب حتى لَيَكون سمعَه وبصرَه ويدَه ورجلَه! عجب! ثم عجب! ثم عجب لمن يحارب المؤوِّلين في الصفات عُمْرَه، ويذهب هو يؤول ويعطِّل في مثل هذا الخبر العظيم الذي بلَّغه من لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. والحمد لله أن هنالك هيبة الجامع الصحيح تحول دون المحرفين ودون طمس معالم الطريق.

حب العبد ربَّه وحب الرب عبدَه هو قطب رحى الدين. وكلما كان العبد أشد إيمانا كان أشد حبا لله. قال الله تعالى: (والذين آمنوا أشد حبا لله). (سورة البقرة، الآية: 165) هذه المحبة بين العبد وربه، منك إليه ومنه إليك، هي: “عقد الإيمان الذي لا يدخل فيه الداخل إلا بها، ولا فلاح للعبد ولا نجاة له من عذاب الله إلا بها(…). ولهذا كانت أصدق الكلام، وكان أهلها أهل الله وحزبه، والمنكرون لها أعداءه، وأهل غضبه ونقمته فهذه المسألة هي قطب رحى الدين الذي عليه مدارُه. وإذا صحت صح بها كل مسألة وحال وذوق. وإذا لم يصححها العبد فالفساد لازم له في علومه وأعماله وأحواله وأقواله. ولا حول ولا قوة إلا بالله”.

والمومنون في حبهم لله مراتب، فالعامة يحبونه لما يغذوهم به من نعم ومِنَن، وخاصة أهل الله يحبونه عبودية وإخلاصا وشوقا. وكل هذه العواطف فروع لشجرة المحبة المغروزة في الفطرة الإنسانية، تبْرز من داني الفطرة وقاصيها إلى الوجود، فيقذف الله بها، وهي حق، على كل باطل مشكِّك مُعطِّل، فيدمغه فإذا هو زاهق. “أما بعد، فإن الله سبحانه غرس شجرة محبته ومعرفته وتوحيده في قلوب من اختارهم لربوبيته، واختصّهم بنعمته، وفضّلهم على سائر خليقته. فهي شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء توتي أكلها كل حين بإذن ربها” ويضرب الله الأمثال للناس، والله بكل شيء عليم.

رابطة الحب بين العبد وربه مغناطيس يجذب، ويُقَرِّب، ويُبَلِّغ المقامات العليا. قال سلطان العلماء: “إن المحبوب أبدا يسلُب بلطافةِ خاصِّيةِ محبته، ويجذب أجزاءها إليه بقوة سلطانه عليه. كما أن المغناطيس تعلقت به أجزاءُ الحديد، وانجذب إليه بذاته، فهو يدور معه حيث دار، وينجذب إليه حيثما سار. فمِن أوصاف الحب الميلُ الدَّائم، بالقلب الهائم، ومخالفة اللائم. إن من أراد كشف هذا السر الخفيّ، والكشف الجليّ، فليتدبر قوله عليه السلام مخبرا عن ربه عز وجل: “لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا وفؤادا”.

قال: “فهمنا من ذلك أن علاقة وصلة المحبة لما اتصلت بها لطافة وصْلة المحبوبية، واستمسك بعروة حتى أحبه، قَوي سلطان المحبوبية على سلطان المحبة فأفناه عن ذاته، ونَفاه عن صفاته، ثم أقام ببقائه عن فنائه، وخيم بصفاته عن فنائه. تبدلت الصفات بالصفات، وقام الوجود بالوجود، فجاءت خِلَعُ الجود على يد: “فَبي يسمع وبي يبصر”.

نؤجل الحديث عن علوم الأولياء وأذواقهم ومعارفهم مثل الفناء والبقاء والوجود بالوجود إلى سائر ما يعبر به كل معبر. ما يبلغ متكلم بلاغة المصطفى صلى الله عليه وسلم وأمانته ودقته وصدقه. غاية اسْتِفادتنا من كلامهم رضي الله عنهم أن نستمع عسى تَبلُغُ نبرة من نبرات صدقهم مَغَابِنَ فطرتنا. قال الشيخ أحمد الرفاعي: “أيْ بُنَيَّ! اعلم أن حبيب القلوب سبحانه إذا أحب عبدا أطْلع سره على جلال قدرته، وحرك قلبه بمراوح ذكر مِنّته، وسقاه شَربةً من كأس محبته، حتى يُسكره به عن غيره. وجعله من أهل أنسه وقربه وصحبته، حتى لا يصبر عن ذكر ربه. ولا يختار أحدا عليه، ولا يُشغل بشيء دون أمره”.

سُقي القوم من قبلنا رضي الله عنهم شراب المحبة بكاسات دهاقٍ في خلوات المجاهدة والرياضة والتفرغ الدائم لذكر الله. ومطلب المجاهدين المشتاقين إلى ربهم في مستقبل القومة لله، والتحزب لله، وإقامة الخلافة على منهاج رسول الله، ينبغي أن يكون عند مقام من وصفهم الله عز وجل في كتابه العزيز حيث قال: (فسوف ياتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المومنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فـضل الله يوتيه من يشاء والله واسع عليم). (سورة المائدة، الآية: 54).

هنيئا لأحباب الله أولياء الله رحيقَ المحبة سُقوه قروناً طويلة في ظلال الخلوات، وأهنأُ منه ما سُقِيَه الصحابة تحت ظلال السيوف، وما يوعد به “الإخوان” بعد الصحابة تحت ظلال البنادق وأزيز الصواريخ وعجيج دواليب الدولة الإسلامية، تعْمر الأرض، وتنشر لواء العزة بالله، وتبلغ للعالمين رسالة الله.

ادعاء حب الله دون إعطاء براهين الصدق العمليَّة كذب وأمانٍ وأحلام. لستَ هناك حتى يَنقلعَ من قلبك حبُّ ما سوى الله من دنيا مُوثَرة وهوى مُتبع وأنانية طاغية! لستَ هناك حتى يرى اللهُ ورسولُه والمومنون عملَك عند الأمر والنهي! قال الغزالي: “لا ينبغي أن يَغْتَرّ الإنسان بتلبيس الشيطان وخِدَعِ النفس مهما ادعت محبة الله تعالى ما لم يمتحنها بالعلامات، وما لم يُطالبها بالبراهين والأدلة. والمحبة شجرة طيبة أصلها ثابت، وفرعها في السماء، وثمارُها تظهر في القلب واللسان والجوارح”.

وذكر رحمه الله سبعة أدلة على ثبوت محبة الله في قلب العبد، منها “حب لقاء الحبيب بطريق الكشف والمشاهدة”، و”أن يكون مُؤْثرا ما أحبه الله تعالى على ما يحبه في ظاهره وباطنه”، و”أن يكون مستهترا بذكر الله”. و”أن يكون أنسُه بالخلوة ومناجاته لله تعالى وتلاوة كتابه”، و”أن لا يتأسف على ما يفوته مما سوى الله عز وجل”، و”أن يتنعم بالطاعة، ولا يستثقلها”، و”أن يكون مُشْفِقاً على جميع عباد الله، رحيما بهم، شديدا على جميع أعداء الله”.

من الناس من يَزعم أن السلوك إلى الله عن طريق الحب أمر إرادي يتحقق بدون اعتبار الأمر والنهي الوارد بهما الشرع. ويتحدثون عن المحبة والدنو والقرب والعشق والهُيام وسائر هذه المصطلحات، ثم تجدهم عند الأمر والنهي مُتلَكّئين مُتهاوِنِين. هؤلاء عابثون مستهزئون، “لم يحققوا شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا رسول الله. فإن تحقيق الشهادة بالتوحيد يقتضي أن لا يحب إلا لله، ولا يبغض إلا لله، ولا يوالي إلا لله، ولا يعادي إلا لله وأن يحبَّ ما يحبه الله، ويبغض ما أبغضه، ويأمر بما أمر الله به، وينهى عما نهى الله عنه. وأنك لا ترجو إلا الله، ولا تخاف إلا الله، ولا تسأل إلا الله وهذا ملة إبراهيم. وهذا الإسلام الذي بعث الله به جميع المرسلين”.

محبة الله عز وجل الصادقة بِبَراهينِها، المُوَفِّية لشروطها من جانب العبد، الفائضة من العزيز الحميد نُزُلا مُباركاً، جنة في الدنيا معجَّلة لأحباب الله. قال ابن القيم: “سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: “إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة”.

وقال المحب:

إن المحـب نهــارُه مستوحـش *** بين العبـاد يسيــر كالمتفــرِّد

فالعـيـن منه قـريـرة بحبيبـه *** يرجـو لقـاء الواحـد المتـوحِّـد

يـا حُسْنَ موكبهم إذا ما أقبلــوا *** نحــو الإلـه مع النـبي محمـد!

وقال آخر:

أمـوت وما مـاتت إليك صبـابتي *** لا قُضيَـت من صدق حبك أوْطاري

مُناي،المنى كل المنى، أنت لي مُنىً *** أنت الغنى، كل الغنى،عنـد إِقتـاري

وأنت مَدى سُـؤْلي وغـاية رغبتي *** موضع آمـالي ومكـنـون إضْماري

تَحمَّـلَ قلبـي فيـك ما لا أبُـثـه *** إن طال سُقْمي فيك أو طال إضراري

وبين ضلوعي منك ما لك قَـدْ بـدا *** ولم يَبْـدُ بـاديه لأهـل ولا جَــار

وبي منك في الأحشاء داء مُخامِـرٌ *** فقد هَدَّ مني الركنَ وانبث إســراري

ألستَ دليل الركب إن هم تحيـروا؟ *** ومنْقـذَ من أشفى على جُرُفٍ هـار؟

أنَرْتَ الهـدى للمهتـدين ولم يكـن *** من النور في أيديهم عُشْـرُ معشـار

فَنِلْني بعفـو منك أحْيـى بقــربه *** أغثني بيُسْر منك يطـرد إعسـاري

وقال المحب الذاكر ذو البصيرة:

ذكـرك لي مـؤنـس يعـارضني *** يُــوعدني عنـك منك بالظَّفَــر

فكيف أنســاك يـا مَـدَى هِمَمي *** وأنت مـني بمـوضع النظـــر؟

وقال الإمام الشافعي يخاطب الدعِيَّ الكاذب:

تعصـي الإله وأنت تظهـر حبه *** هــذا محـال في القيـاس بديـع

لو كان حبـك صـادقا لأطعتـه *** إن المحــب لمـن يحب مطيـع

في كل يوم يبتـديـك بنعـمـة *** منـه وأنت لشكـر ذاك مطيـــع

وقلت وأنا العبد العاصي عفا الله عني:

تعصيه ويْحك زاعما بوقاحــة *** حبَّ المهيمن إن ذا لفظيـــــعُ

أبـدعت في شرع الوداد وخنْتَه *** إن المُحبَّ لمن يُحب مُطـيـــعُ

ما أنت مِن رِقّ الهوى مُتحـرِّرٌ *** ولأنت في وَحَـل الفُتون صريـعُُ