تصديــر الكتاب بقلم الدكتور علي الغزيوي

يزخر التراث العربي الإسلامي بمجموعة من الكنوز الغنية بمقوماتها وعناصرها الحضارية الشامخة وقيمها الخلقية الرفيعة. وقد تجاوز بعضها حدود النسبية وارتقى إلى المطلق فاكتسى الصبغة العالمية، واكتسب القيم الإنسانية الخالدة الأصيلة، وارتبط بالحس النبيل في الإنسان أيا كان، لاتصاله بجانب المروءة فيه، وبما يتفرع عنها من فضائل النبل والشهامة والإحسان وغير ذلك من الفضائل المطلقة التي لا يختلف فيها اثنان. ولا سيما بعد أن انصهرت في بوتقة الإسلام فازدادت سموا وشموخا، وغدت قيما حضارية سامية ينتفع بنو البشر بالتحلي بها سلوكا وسيرة في كل مكان وزمان، ولا غرو في ذلك فقد قال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”.

وبالنظر إلى ما لهذا المجال من جاذبية وسحر، فقد مال إلى التأليف فيه عدد من ذوي المروءة والإحسان ،المتشبعين بالقيم الخلقية الرفيعة في الإسلام، الحريصين على نشر المودة والإخاء وتعميق روح الإحسان، وتهذيب سلوك الناس لإسعادهم في الدارين. ويأتي كتاب “مرآة المروءات وأعمال الحسنات” للأديب الموسوعي أبي منصور عبد الملك بن محمد الثعالبي النيسابوري (ت.429هـ) في مقدمة هذه المصنفات المتميزة مادة ومنهجا وأسلوبا، ليس لأهمية موضوعه في تراثنا الخلقي والعمراني فقط، ولا لمكانة مؤلفه وذيوع صيته ومؤلفاته في المشرق والمغرب فحسب، ولكن، بالإضافة إلى هذا وذاك، لما يتميز به من شمول وإحاطة بأنواع السلوك وما يتطلبه معيار المروءة فيه، ولكونه يعني بالجانب الخلقي الذي هو أساس استمرار التواصل ومنبع الدفء في العلاقات الاجتماعية. وهو جانب افتقدناه أو كِدْنَا في عالمنا الذي غلبت عليه المنفعة والمادية، حتى عز العثور على الفرد المتخلق ذي المروءة والنبل، وبافتقاده تنهار المجتمعات والأمم كما قال الشاعر أحمد شوقي رحمه الله تعالى:

فَإِنَّمَا الأمَمُ الأخْلاَقُ مَا بَقِيَتْ *** فَإِنْ هُمُ ذهَبَتْ أَخْلاَقُهُمْ ذَهَبُوا

ومن حسن الحظ أن كتاب “مرآة المروءات” قد سلم من الضياع فعرفه الناس مطبوعا بأرض الكنانة منذ عقود من السنين، غير أن تداوله لم يعد اليوم ميسرا بعد أن غدا نادرا لافتقاد نسخه. ولكن، كما وُجد في هذه الأمة من يضطلع بالتصنيف في هذا الموضوع الحيوي الطريف النافع في السنين الماضية، فقد كان لابد أن يتصل فيها الخير فيوجد اليوم من زرع الله فيه بذرة الإحساس بأهمية القيم الخلقية النبيلة وضرورة سيرورتها بين الناس، فتبنه بحدسه التربوي القويم، وبفطرته الصافية إلى ما يترتب عن تداول مثل هذا المصنف وشيوعه بين الناس من قيم تربوية توجيهية كفيلة بوصل الماضي بالحاضر، وإحياء روح الفضيلة في النفوس، فسارع إلى سد الفراغ، وتولى ملء الثغرة مأجوراً مجازى بإذن الله تعالى.

وهكذا قيض الله لهذا الكتاب من يعيده إلى الذاكرة، بعد أن غدا نسيا منسيا أو كاد، ويحييه ليتجدد تداوله والانتفاع به، ألا وهو الباحث الطموح الشاب الأديب الأريب، ذو الخلق الرفيع، والمتشبع بنبل المروءة وصادق الإحسان، الأستاذ المحقق سيدي يونس علوي مدغري حفظه الله تعالى وزاده توفيقا، وجعل هذا العمل الطيب راجحا زكيا في ميزان حسناته. فقد تصدى لنصه فقرأه قراءة سليمة، وذيله بما يضيئه من التخريجات والهوامش المفيدة في غير إفراط ولا تفريط. وكل ذلك يؤكد ما كنت قد لمسته فيه عند أول اتصال له بي طالبا جادا طموحا متخلقا، حريصا على الاستفادة والإفادة ، ثم ما أبان عنه من ارتقاء محمود في أدواته المعرفية والمنهجية وهو ينجز رسالته لنيل دبلوم الدراسات العليا، ثم وهو يهيئ لنيل دكتوراه الدولة، وما يعبر عنه من انشغالات بالبحث وقضاياه، تمثلت في حرصه على زيارة عدد من خزانات المخطوطات في المغرب والمشرق وأوروبا، وفي تطلعه إلى اكتشاف الجديد أو المفيد، وكل ذلك في تواضع جم، وأدب نبيل،واحترام صادق لأساتذته وشيوخه وعلماء الأمة.

وإذا كان ذلك راجعا إلى كريم مَحْتِدِه ، وأصل مَنْشَئِه، ونبيل سجيته، فقد نما وترعرع هذا النبات الطيب في تربة نقية خصبة، تغذيه تربيته الروحية القويمة، ونفحات طيبة يستنشقها مما يقرأ ويدرس ، ويكفي في هذا المجال التذكير بشغفه الكبير بكتاب “منطق الطير” للعطار و “كشف الأسرار عن حكم الطيور والأزهار” للشيخ عبد السلام بن غانم المقدسي، وكذلك بتحقيقه الموفق لكتاب”شجرة الكون” له أيضا، بما يوحي به هذا التوجه من جهة، وبما يتطلبه التعامل مع هذه المصنفات وفهمها من الاستعدادات، وهو بحمد الله يملك معظمها. كما أنه بإقدامه على خدمة كتاب “مرآة المروءات” الذي يمتح من الكتاب والسنة ويعتمد المأثور من حكم الأسلاف وأقوالهم، يؤكد إخلاصه لنهجه، وفقه الله ونفخ يجهده وجزاه جزاء المجتهدين من أمته.

بقلم الدكتور علي الغزيوي

أستاذ النقد الأدبي والأدب الأندلسي

بكلية الآداب ـ فاس ـ

بتاريخ: 09 ربيع الثاني 1419 هـ/فاتح غشت 1998م

مقدمة الطبعة الأولى للكتاب بقلم الدكتور يونس علوي مدغري

من جميل الموافقات أن وقفت -أثناء وجودي بخزانة برلين في مطلع العقد الماضي- على مخطوط لأبي منصور عبد الملك الثعالبي (المتوفى سنة 429هـ) موسوم “مرآة المروآت وأعمال الحسنات”. فأثار اهتمامي عنوان المخطوط ونفاسته، إذ يعود تاريخ نسخه إلى سنة 652 هـ. تصفحت المخطوط بشغف، فوجدته كتابا لطيفا نافعا، يستحق الاهتمام لثلاثة أمور:

الأول: لأهمية موضوع “المروءة” في التراث الأخلاقي والعمراني.

الثاني: لشهرة مؤلف الكتاب ومكانته في تاريخ الأدب العـربي.

الثالث: لأن الكتاب لم يطبع إلا مرة واحدة منذ قرن من الزمان، فهو في حكم الكتب المخطوطة لعزة وجود النسخ المطبوعة. هذا علاوة على الفقرات المبتورة، والتصحيفات الكثيرة في تلك الطبعة اليتيمة.

فما معنى “المروءة” عند العرب؟ وما قصتها في تراثهم قبل أن يتحدث عنها الثعالبي؟ ومن هو الثعالبي؟ وما شأنه في تاريخ الأدب العربي؟ وما صحة نسبة كتاب “مرآة المروآت” إليه؟ وماذا حمل من جديد إلى مفهوم “المروءة”؟&

تلكم مجموعة من الأسئلة ستحاول الإجابة عنها هذه المقدمة النقدية -إن شاء الله – وعما شابهها من مسائل التحقيق والنقد، الضرورية لجلو هذه “المرآة” الأدبية والحضارية الفريدة الممتعة.

الـمــروءة!؟

إن الباحث عندما يقف أمام كلمة ثَرَّة غنية كثيرة المعاني متعددة الإيحاءات، مثل كلمة “مروءة”؛ تشتد حاجته إلى معجم لغوي تاريخي، يدله على أصل الكلمة، والزمن الذي ارتجلت فيه، ويهديه إلى تطور معانيها عبر التاريخ، ويرشده إلى الأوساط التي استعملتها والمعاني التي حمّلتها… وهكذا تصبح الكلمة أمام الباحث مكشوفة معروفة لا غبار عليها. فإذا لم يجد – كما هو حال اللغة العربية اليوم – اضطر إلى أن يباشر عملية البحث بنفسه؛ وإذن فلا مناص له من نَخْل كتب اللغة، والأدب، والحديث، والتفسير، والتاريخ… للظفر ببغيته، والكشف عن المخبوء من لفظته.

لقد قادتني عملية البحث عن معنى المروءة وقصتها إلى نزهة منعشة في التراث اللغوي والأدبي والأخلاقي… وانتهت نزهتي في هذه الحدائق ذات البهجة الساحرة إلى أن لكلمة “مروءة” في تراث العرب مقاما عظيما، وأهمية خطيرة؛ إنها صفة إنسانية عزيزة المنال، وهي مطلب ذوي الكمال من الرجال والنساء على مر الأزمان.

لقد طُرح السؤال عن ماهية “المروءة” منذ العصور الأدبية العربية الأولى، وفي مختلف الأوساط الثقافية والاجتماعية. فاعتنى بالجواب عنه شعراء الجاهلية ونبلاؤها حسب مفاهيمها؛ كما طرحه الرسول -صلى الله عليه وسلم- على بعض من أتاه من أصحاب الوفود؛ وتطارحه الصحابة رضي الله عنهم بينهم، وتذاكروا في معاني المروءة؛ وتناوله التابعون، وتابعوهم، ومن جاء بعدهم من محدثين، وصوفية، وكتاب، ولغويين… كما التفت إلى معاني المروءة طبقة الحكام وأهل السلطة من ملوك، وأمراء، وولاة، ووزراء…

ثم انبرى عدد من هؤلاء قبل الثعالبي للكتابة والتصنيف في موضوع المروءة، بجمع نصوصها وشرحها. فمنهم من أفرد لها كتابا خاصا مثل الحكيم صالح بن جناح اللخمي الدمشقي (وهو ممن أدرك التابعين)، في كتابه “الأدب والمروءة”(1)؛ والحارث بن أبي أسامة المدائني (المتوفى سنة 245هـ) في كتابه الموسوم “المروءة”(2)؛ ومحمد بن مسعود العياشي الشيعي في كتابه الموسوم “المروءة” أيضا(3)؛ والحافظ أبي بكر ابن أبي الدنيا (المتوفى سنة 281هـ) في “كتاب المروءة”(4)؛ والإمام الحسن بن إسماعيـل الضَّرّاب (المتوفى سنة 392هـ) في مصنفه “كتاب المروءة”(5) وغيرهم….

ومن الكتاب المتقدمين عن عصر الثعالبي من خصصوا أبوابا وفصولا وفقرات من كتبهم للحديث عن موضوع المروءة، أو لنقل نصوص عنها؛ نذكر من هؤلاء ابن المقفع (المتوفى سنة 142هـ) في كتابه “الأدب الكبير والأدب الصغير”(6)؛ وأبا عثمـان الجاحظ (المتوفـى سنة 255هـ) في كتابـه “البيـان والتبيين”(7)، وابن قتيبة (المتوفى سنة 276هـ) في “عيون الأخبار”(8)؛ والمبرَّد (المتوفى سنة 286هـ) في “الكامل في اللغة والأدب”(9)؛ وأبا الطيب الوشاء (المتوفى سنة 325هـ) في “الموشى أو الظرف والظرفاء”(10)؛ وابن عبد ربه (المتوفى سنة 328هـ) في “العقد الفريد”(11)؛ وابن حبان البستي (المتوفى سنة 354هـ) في “روضة العقلاء ونزهة الفضلاء”(12)…

ومن الكتاب الذين عاصروا الثعالبي واعتنوا بموضوع المروءة أبو عبد الرحمن السلمي(المتوفىسنة412 هـ)في كتابه “آداب الصحبة”(13)؛ وأبو حيان التوحيدي (المتوفى سنة 414 هـ) في كتابه “الصداقة والصديق”(14)؛ والراغب الأصفهاني (المتوفى سنة 425هـ) في “محاضرة الأدباء”(15)، و”الذريعة إلى مكارم الشريعة”(16)؛ والماوردي (المتوفى سنة 456هـ) في “أدب الدنيا والدين”(17)؛ وابن عبد البر القرطبي (المتوفى سنة 463هـ)في “بهجة المجالس”(18).

وخلاصة ما حصل لي من تراث المروءة إلى عصر الثعالبي من شعر، وحكمة، وتفسير، وحديث، وأثر، وخبر… يؤكد أن كلمة “مروءة” أوسع من أن يرادفها لفظ مفرد، أو يستوعبها معنى واحد؛ ذلك لأن “المروءة” دستور للأخلاق يتسع لعشرات المعاني النفسية، والأخلاقية، والاجتماعية، والدينية، والاقتصادية، والفكرية…

حاولت -عبر استقراء دقيق لما ورد في شأن المروءة من نصوص إلى أواسط القرن الخامس الهجري- الإحاطة بمعانيها حسب الوسع والطاقة. وحتى لا أُحمِّل هذه المقدمة النقدية ما لا تتحمل من التطويل، وحتى لا يحصل التشويش على كتاب الثعالبي – فقد أفردت لهذا الموضوع كتابا بعنوان “دستور المروءة”، أثبت فيه نتائج استقراء تراث المروءة؛ ودرست نصوصها، التي تعد بالمئات، دراسة إحصائية وتاريخية؛ وصنفت معانيها. فتبين لي أن المروءة عند العرب ثلاث خصال محورية؛ وهي: الخُلُقْ، والعقل، والمال. فأدرجت تحت كل خصلة ما يناسبها من شعب المروءة؛ كالشجاعة، والجود، والعفاف…، والفصاحة، والفطنة، والفقه…، والحرفة، والتدبير، والاستغناء… وعسى أن يكون صدور هذا الكتاب قريبا إن شاء الله.

الدكتور يونس علوي مدغري

بروكسيل، يوم الجمعة 23 شوال 1418هـ

الموافق 20 فبراير 1998م.

الهوامش:

(1) نشره محمد كرد علي ضمن “رسائل البلغاء”، الطبعة الثالثة، القاهرة 1365/1946. ص 385-403. كما نشره الشيخ طاهر الجزائري في مجلة “المقتبس” 7/648-661. وأعاد نشره محمد إبراهيم سليم ضمن كتابه “المروءة الغائبة” وعليه اعتمدت هنا.

(2) انظر الفهرست لابن النديم ص116

(3) انظر الفهرست لابن النديم ص245.

(4) انظر سير أعلام النبلاء للذهبي 13/403.

(5) انظر سير أعلام النبلاء للذهبي 16/541. وهدية العارفين 1/272.

(6) “الأدب الكبير والأدب الصغير” في الصفحات التالية:34 و48 و98 و100 و107 و108 و109 و111 و162و182.

(7) “البيان والتبيين” 1/274، 2/149-292، و3/206 وغيرها.

(8) عيون الأخبار 1/411-413.

(9) “الكامل في الأدب” 1/47.

(10) الموشى ص 38 وما بعدها.

(11) العقد الفريد 2/292-293.

(12) روضة العقلاء ص188-192.

(13) آداب الصحبة ص 104-105.

(14) الصداقة والصديق ص 53و293.

(15) محاضرة الأدباء ص169-170.

(16) الذريعة إلى مكارم الشريعة ص 143-144

(17) أدب الدنيا والدين ص317و347.

(18) بهجة المجالس 2/642-649.