لو أنني سئلت أن أجمل فلسفة الدين الإسلامي كلها في لفظين، لقلت: إنها ثبات الأخلاق. ولو سئل أكبر فلاسفة الدنيا أن يوجز علاج الإنسانية كله في حرفين، لما زاد على القول: إنه ثبات الأخلاق. ولو اجتمع كل علماء أوربا ليدرسوا المدنية الأوربية ويحصروا ما يعوزها في كلمتين لقالوا: ثبات الأخلاق) 1 .

قال ذلك أديب الإسلام، مصطفى صادق الرافعي رحمه الله، منذ عقود، قبل أن تتعالى في أوربا الأصوات التي تنادي بـ”التخليق”، وقبل أن يجتمع بعض العقلاء هناك، ليدعوا إلى ميثاق عالمي للأخلاق على غرار الميثاق العالمي لحقوق الإنسان.

كتب ذلك، من يفيض قلمه أدبا وحكمة، في زمن تدنت فيه الأخلاق، وانهار بناؤها. لكن أين تدني الأمس من تدني اليوم، وأين انهيار الأمس من الانهيار الذي ابتلينا به في زمننا هذا. انحدرت أمة الإسلام، إلا من رحم الله، دركات على سلم الأخلاق. انحدرت وهوت وكبت كبوات لم يسبق لها مثيل.

ورحم الله شوقي الذي قال:

فإنما الأمم الأخلاق ما بقيت ** فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

ففي عالم السياسة المكر والكذب، وفي عالم الاقتصاد الغش والنهب، وفي القضاء الزور والبهتان، وفي الإدارة الكسل والهمل، وفي الإعلام قول ولا عمل، وفي الجامعة تفسخ وميوعة، وفي المصنع نميمة وحسد… ولائحة التدني تطول وتصول. ولا حول ولا قوة إلا بالله. ولم ولن تُجْد دعوات “التخليق” نفعا، لأن الأخلاق طبع وتطبع، وليست اصطناعا وبناءا على غير أساس.

ويعظم الهدم، ويقوى الانهيار، حين تصبح الأخلاق، في نظر بعض المتغربين، عائق الحضارة والتقدم والمدنية. وحين تصبح لدا المسلمين فضائل زائدة، وليست ثوابتا في الدين. بل هي الدين. أو حين يفهم الإسلام على أنه عبادة فردية ودروشة لا علاقة له بالسلوك العملي مع الناس.

قال الراغب الأصفهاني في مفرداته: الخَلق والخُلق في الأصل واحد، لكن خص الخَلق بالهيئات والأشكال والصور المدركة بالبصر، وخص الخُلق بالقوى والسجايا المدركة بالبصيرة). وقال صاحب مختار الصحاح: والخلق بسكون اللام وضمها: السجية).

الخَلق والخُلق في اللغة العربية مشتقان من مادة لغوية واحدة، أي أنهما ينبثقان عن نفس الجذر اللغوي (خ.ل.ق)، مما يفيد فطرية الأخلاق في الإنسان، كما ذهب إلى ذلك سعيد النورسي رحمه الله. فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون 2 فالأخلاق والسجايا الحميدة مركوزة في بنية الإنسان وخلقته. وإنما تتبدل هذه الأخلاق وتتغير، بسبب ما يتعرض له الإنسان من تنشئة وتربية. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الحديث الذي يرويه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه: “كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كمثل البهيمة تنتج البهيمة، هل ترى فيها جدعاء”.

حين نفهم أن الأخلاق الحميدة، والسجايا الفاضلة، فطرية في الإنسان، ندرك أنها، أو على الأقل بعضها، ليست حكرا على المسلمين.

فكل من قُدر له صون جانب من إنسانيته، والحفاظ على شيء من فطرته، لاشك سيتخلق ببعض الأخلاق الحميدة التي فطر عليها. ورد في لسان العرب: المروءة الإنسانية) وقال الأحنف: المروءة العفة والحرفة) وقال آخر: المروءة ألا تفعل في السر أمرا تستحيي أن تفعله جهرا). لذلك فذووا المروءات، وإن نقص إيمانهم، ينبغي أن يقدروا قدرهم. إن المروءة حبل فطري لتواصل الإنسانية وتعارفها، وكل فتل في هذا الحبل هو فتل في تعاون الإنسان على الخير والعدل. إلا أن الأخلاق في شموليتها، وفي بواعثها السامية التي ترتفع بها عن مصلحة الدنيا إلى طلب الآخرة، بل طلب الله عز وجل، وفضل الله. هذه الأخلاق بمفهومها الواسع، بما هي شجاعة في الحق، وإيثار، وشورى، وعدل، وصدق، وتعاون، وأخوة، ورحمة، ورفق، وتواضع، وغيرها، لا سبيل للتخلق بها إلا بالتربية الإيمانية على منهاج النبوة.

الإيمان والخلق؛ أمران مرتبطان متلازمان، بل أمر واحد. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الشيخان وأصحاب السنن عن أبي هريرة: “الإيمان بضع وسبعون شعبة -عند البخاري بضع وستون- (زاد مسلم): أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان”. وفي حديث عند الإمام أحمد لعمرو بن عبسة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الإسلام طيب الكلام وإطعام الطعام. قلت: ما الإيمان؟ قال الصبر والسماحة. قلت: أي الإسلام أفضل؟ قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده. قال: قلت: أي الإيمان أفضل؟ قال: خلق حسن”.

لا يستقيم إيمان دون خلق قويم، وكل تدين أجوف خال من الخلق الحسن يقعد بصاحبه عن معالي الأمور. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: إن البكائين في المساجد العاكفين على التلاوة والذكر لن يكونوا هم أهل النور والربانية إن لم يكن سلوكهم العملي مع الناس، الأقرب فالأقرب، سلوكا أخلاقيا مروئيا، يزنون بميزان العقل واللياقة والكفاءة والجدوى وحسن الأداء كل أعمالهم) 3 .

كيف لا، والإسلام ما لبث يدعو إلى حسن الخلق، سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة قال: “تقوى الله وحسن الخلق” 4 . وقال صلى الله عليه وسلم: “أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، وخياركم خياركم لنسائهم” 5 . بل إن حسن الخلق وسيلة للتقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، المبعوث لإتمام مكارم الأخلاق، كما جاء في الحديث. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلسا يوم القيامة الثرثارون المتشدقون والمتفيقهون. قالوا: يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدقون، فما المتفيقهون؟ قال: المتكبرون” 6 .

لاكتساب أخلاق الإيمان يجب التلمذة للقرآن. فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان خلقه القرآن كما أخبرت بذلك أمنا عائشة رضي الله عنها، وبذلك نال تلك الشهادة العالية الغالية من الله عز وجل، إذ قال فيه عز من قائل: وإنك لعلى خلق عظيم 7 . وللاقتداء به عليه أفضل الصلاة والسلام في صفاته الخُلقية ينبغي ملازمة القرآن الكريم تلاوة وتدبرا وحفظا، ملازمته علما وعملا.

قال الله عز وجل: وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون 8 . وقال عز من قائل: إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا 9 ، جاء في تفسير السعدي: أقوم أي: أعدل وأعلى من العقائد، والأعمال، والأخلاق. فمن اهتدى بما يدعو إليه القرآن، كان أكمل الناس، وأقومهم، وأهداهم في جميع الأمور).

ثم إن صحبة ذوي الأخلاق هي مفتاح حسن الخلق. بل إن التلمذة حق التلمذة للقرآن لا تكون إلا بصحبة ومحبة من تتلمذوا للقرآن. صحبة موصول حبلها ممتد نورها. اللهم اجعلنا ممن يدركها وتدركهم.

روى الشيخان واللفظ لمسلم عن أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “يأتي على الناس زمان يغزو فئام (جماعة) من الناس. فيقال لهم: فيكم من رأى رسول الله صلى عليه وسلم؟ فيقولون: نعم! فيفتح لهم. ثم يغزو فئام من الناس، فيقال لهم: فيكم من رأى من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم! فيفتح لهم. ثم يغزو فئام من الناس، فيقال لهم: هل فيكم من رأى من صحب من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم! فيفتح لهم”.

قال الفضيل بن عياض رحمه الله: إذا خالطت فخالط حسن الخلق، فإنه لا يدعو إلا إلى الخير، وصاحبه في عناء).

صاحبه في عناء) لأن التخلق بالأخلاق الحسنة يتطلب تربية وتغييرا نفسيا وفكريا عميقا. قال سعيد بن العاص رحمه الله: يا بني إن المكارم لو كانت سهلة يسيرة لسبقكم إليها اللئام، ولكنها كريهة مرة، لا يصبر عليها إلا من عرف فضلها).

التخلق بالخلق الحسن يتطلب صحبة وصبرا وتربية دائمة، ومن ظن أن تغيير النفس يكون بالأفكار التي تتطاير في الكتب والصحائف، لا محالة سيبقى بعيدا كل البعد عن سنة الله في التغيير، ولا محالة ستصدمه، المرة بعد الأخرى، تلك الهوة بين الفكر والممارسة، بين المبادئ والسلوك العملي.

مفيدة وهامة هي الأفكار، خاصة تلك التي يكون فيها إيمان وإبداع وتجديد، لكن الأهم منها إسلاس القياد لمربين يدلون على الله عز وجل.

صاحب المؤمنين، ذوي أخلاق الإيمان، صاحبهم وإن في عناء)، واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعدو عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا 10 .


[1] كتاب “من وحي القلم”، الجزء الثاني، ص 62.\
[2] سورة الروم الآية 29.\
[3] كتاب “سنة الله”، ص 281.\
[4] رواه الترمذي.\
[5] رواه الترمذي.\
[6] رواه الترمذي.\
[7] سورة القلم، الآية 4.\
[8] سورة الأنعام، الآية 156.\
[9] سورة الإسراء، الآية 9.\
[10] سورة الكهف، الآية 28.\