مازالت المفاجآت تتقاطر على المغاربة من حيث لا يدرون، تذكرهم بالذي يبذلون الجهود تلو الجهود من أجل نسيانه أو تجاوزه؛ ولعلهم اعتادوا وضع أيديهم على صدورهم كلما هم مسؤول في البلاد بإعطاء أرقام تدل على الوضع العام، أو الإدلاء بتصريح حول مجريات الأحداث في الداخل. وهول المفاجأة ليس من التصريح أو الإحصاء في حد ذاته، فالواقع الذي يعيشه المغاربة، كل من موقعه وحسب ما أتيح له، تغنيه عن سماع ذلك التصريح أو تعزيز موقفه بهذا الرقم أو تلك الوثيقة الرسمية، ولكن وجه المفاجأة يكمن في الاعتراف الرسمي بحجم الكارثة وهول المصيبة، فهذا المسؤول يتكلم عن نسبة النمو المنخفضة، وثان يتحدث عن نسبة المديونية المرعبة، وثالث عن الأمية المتفشية، ورابع عن الفقر المستشري، وخامس عن عزلة العالم القروي المعيقة لأية تنمية، وسادس عن التشريعات المتقادمة، وسابع عن الرشوة وفساد المؤسسات، والقائمة طويلة لا يعرف لها أول من آخر.

لكن النتيجة معروفة سلفا: خراب على كل المستويات، وتبذير للجهود والأموال في كل الواجهات، ومردودية ليست في مستوى تدبير الواقع الحالي، فأحرى أن تكون في مستوى التطلعات والتحديات. وليت الأمر انتهى عند هذا الحد!

لو تعلق الأمر بخراب المؤسسات وسوء التدبير وما شابه ذلك لقلنا بأن الأمر يمكن تجاوزه بتغيير وإصلاح بسيطين متى توفرت الإرادة لذلك، ولكن ما طلع به السيد أحمد لحليمي المندوب السامي للتخطيط يوم الإثنين الفارط من أرقام حول أوضاع الشباب المغربي يطبق على كل الآمال، ويسد الباب أمام كل الانتظارات؛ إلا من ربط أمله بموعود الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بالنصر والتمكين لعباده المستضعفين طال الزمان أم قصر.

كشف السيد أحمد لحليمي عن أهم المشاكل التي تواجه الشباب المغربي، فذكر قضايا التشغيل وظروف العيش، والسلوكات المعرضة للخطر التي تهددهم كالمخدرات والتدخين وأدلى في ذلك بأرقام من قبيل أن 13,3% من ميزانية الاستهلاك لدى الشباب الذين تتراوح أعمارهم ما بين 15 و24 سنة تخصص لاقتناء التبغ والمخدرات مقابل 9,5% فقط مخصصة للترفيه والثقافة، ولفت الانتباه إلى أن هذه النسبة ترتفع داخل فئة الشباب الأكثر فقرا، إذ تمثل 22,9%. نكتفي فقط بهذا المؤشر الذي نستشرف من خلاله طبيعة المستقبل الذي ينتظرنا وفئة الشباب عماده، والأفق الذي يترصدنا إن نحن لم نبادر إلى حسن تلقي هذا الإنذار الذي نعتقد أن الواقع يثبت بأنه أكثر من الرقم المدلى به، وهذا ما تعودناه من المسؤولين الرسميين الذين يتلاعبون بالأرقام كما يتلاعبون بمصير البلاد والعباد، ولكن حسبنا الاعتراف الرسمي لنعرف حجم الكارثة وهولها.

أين كان المسؤولون طيلة هذه المدة؟ ما الذي يدفع الشباب المغربي إلى براثن المخدرات؟ ماذا اتخذت الدولة من إجراءات وقائية وعلاجية؟ أسئلة كثيرة تتناسل وتتقاطر على العقل كما المطر في فصل الشتاء ولكن بدون إجابات تفصيلية سوى جوابا واحدا: المسؤولون منشغلون بأولويات أخرى، ومنهمكون في قضايا أخرى، فهمّهم هو نجاح التجربة المغربية الفريدة في الانتقال الديمقراطي، والحفاظ على التوازنات الماكرواقتصادية، والتبشير بالمشروع الحداثي الديمقراطي!! أما الإنسان المغربي فلا يحتل مكانة تذكر ضمن هذه الاهتمامات، والإحصاءات حول نسب الأمية والفقر والبطالة والمرض خير مثال في هذا الصدد.

بالأمس عاشت البلاد أحداثا دامية في 16 ماي ولم يحسن المسؤولون قراءتها، ولم يكلفوا أنفسهم عناء البحث في أسبابها، ولم يستشعروا أنها تشكل تغيرا نوعيا في تفكير الشباب المغربي وسلوكه، ويوميا يتابع المسؤولون عشرات الشباب يلقون بأنفسهم إلى الموت في البحر بحثا عن حياة أفضل خارج البلاد، ولم يغير المسؤولون من وتيرة أدائهم لحل المشاكل المسببة لذلك، وكلما همّ شباب بالاحتجاج عن الوضع السائد والمطالبة بتحسين ظروف عيشه والدفاع عن كرامته كان مصيره القمع والتشريد، والوضع التعليمي في البلاد يسير من سيء إلى أسوأ ولم توقفه القوانين الإصلاحية التي طبعتها الارتجالية والانتقائية، وفي كل يوم يظهر للعيان ثغرة جديدة. فإلى أين نسير؟

عماد البناء والتنمية هو الإنسان، وعنوان المستقبل هو الشباب، وشباب بهذه المعاناة لن يتربى إلا على السلبية والانتظارية والحقد، وكل يوم يمر دون خطوات للإصلاح من شأنه أن يعمق المشكل، والمشكل أكبر مما يتصوره البعض أو يحاول أن يصوره بعض آخر.

إن الأمر يرتبط بمستقبل البلاد الذي لا يجب أن يبقى حكرا على فئة ضيعت ماضيه، وتعبث اليوم بحاضره، وتريد أن تأسر مستقبله بتدبيرها السيء وأسلوبها المتقادم وخطابها الممجوج، وخططها المتقادمة.

ليت المسؤولون يحسنون قراءة الأرقام، وفحص الواقع كما هو، ويستشعرون خطورة الآتي، فيعلنون الصلح مع الله عز وجل ومع الشعب، أو يعلنون فشلهم واستقالتهم من تدبير شأن عام هو شأن الجميع، وليت ضميرهم يستيقظ ليحسوا بما اقترفوه، ويروا بأم أعينهم ما ارتكبوه. قال الله تعالى: “قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا”.