هموم المصيرشاب في مقتبل العمر, طالبة على عتبة الرشد, يدخلان عالما عجاجا ثجّاجا, فيستيقظ الوعي بالمستقبل الشخصي, ويولد الوعي بالمصير التاريخي للأمة, ويتفاعل النشاط الفكري والحركي السياسي. إنه فجر يبشر بنسائم الرياحين ولوائح النور لولا الكابوس المفزع, كابوس المستقبل المغلق والأفق المظلم.

كيف أكتمِل راشدا في ظروف سفيهة ؟ كيف تنكتم صرخات اليأس في طوِيّات صدري المنضمِّ على كمد العزائم المثبّطة، والهمم المفصومة العقد ؟ كيف أخرق سحائب الهموم المدلهمة، هموم المعاش والبؤس أنا الفقير، وهموم الضياع والخواء الروحي والحيرة أنا المحظوظ، لكي يرتاح قلبي إلى ومضة من نور الإيمان بالله وباليوم الآخر حتّى تتم ليّ وفيّ يقظة القلب إلى أسرار الكون، ويقظة الروح إلى جلال الخالق سبحانه، وإلى سبحات كلمة الحق تجيبني عن أسئلة وجودي: من أنا؟ وما أنا؟ وإلى أين؟

(…)

ضرورة الاختيار، وأهمية الاختيار، وانسحاب الاختيار على بقية حياتي، على مستقبلي، على مصيري ومصير أمتي في الدنيا، على مصيري يوم أبعث بعد الموت وآتي فردا مسؤولا عما فعلت بحياتي، وما عملت. يوم أجازى الجزاء الأوفى، إما إلى جنة وإما إلى نار.

إنه اختيار واحد، طريق واحدة، لا يمكن أن أزعم أنني مسلم بلا إسلام، إلا أن أكون سطحيا إمعة اضطغَنَ في قلبي النفاق. النفاق طريق مزدوج، رِجل هنا ورجل هناك. النفاق جبن وخداع. الملحد القح فاجر معتز بإلحاده.فالحوار معه مما تستحقه جرأته في باطله. “إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار”.

الشخصيات الواهية الانتهازية يتصرَّم عمرها في مواقف مترددة. عناكبَ تتسلق وتتغذى بذباب. لا اختيار لها ولا وِجهة.

إن لا أتسلح بالرزانة والرصانة والحذر والحكمة حتى أستبين الحقائق ثم أختارَ مصيري بشجاعة، فَمَهوَى خطواتي إلى مستقبل تافه مجهول.

(…)

إلى أين يركُض بي الليل والنهار ركضة العمر؟ هل يكفي ليكون لمروري من على وَجه الأرض معنىً وقيمة أن أتجنَّدَ مع المتجندين لأنوِّه بالهُوَيَّةِ الضائعة، ولأعمل على استرداد الخصوصية الحضارية الإسلامية والأصالة والحرية، معتزاً بها، مجاهدا لفك رقبة الأمة من أغلال المهانة التي يَرزح تحتها المسلمون؟ أم أبحث عن باعث أسمى أحقق به آمال أمتي وكمال شخصيتي؟ ماذا يجديني إن ناضلت من أجل قضية إنسانية شريفة وأضعت مصيري الأخروي؟ أبحث عن مَسلك في الحياة، عن عهد مع الله تعالى قبل كل شيء، تنتظم به حياتي في الدنيا بمصيري في الآخرة.

مادة الفتوة وقوة الاقتحامحاضر مكفهر، وماض من المسؤول عن آثامه؟

تريد تغيير واقع أليم. لا يغير العنف إلا المظاهر والهياكل النخرة. أجيال من الناس أصناف، منهم وطنيون مقاومون جاهدوا العدو المستعمر بحمية وشجاعة. ومناضلون وطنيون لهم ماض مجيد. وآخرون لا مروءة ولا سابقة خير. ما يصلح العنف من حال الأمة شيئا. كيف والناس خليط، الناس معمعة سياسية صاخبة. لا يُدرَى مَن أجرم ومن خان ومن كذب، ومن سيق، ومن انساق. لا يُدرَى بعد أن عم النفاق وانباعت الذمم وتورّط الكل.غاطس في الحَمأة جَانٍ، وبريء القصد ابتلت ثيابه من رشاش الفتنة.

لا تُدرى معاقد المسؤولية عن الآثام وعن تسويد صفحات الكفاح الوطني المشرقة، ما لَبِثَت الطبقة المغربة المعروف قادتها وسادتها أن أمسكوا بأزمة الحكم، فانثَنَوا عن وِجهة الشعب المسلم، وأداروا المسار إلى قبلةٍ غير قبلتنا، ومكّنوا لثقافة الالحاد والميوعة والانصهار في بوتقة أساتذتهم الفرنجة الذين استخلفوا بعد انسحابهم جيلا مبتورا مقطوعا من بني جلدتنا.

الرفض الانفعالي للحال التي وصلنا إليها، والتهييج والعنف لن تؤدي إلى بناء حالة تُرضى. العنف يهدم. وقد يخر البناء الهرِم كله على رأس الكل في فتنة عارمة غاضبة قاتلة مبيدة.

الأبنية المنخورة الجوف يجيئها الخراب اليومَ أو غدا. وهي سنة الله العلي القدير في أخذِ القرى الظالم أهلها. الشأنُ تهيئ مستقبل جديد على آساس جديدة. الشأن بناء تربوي صادق صابر حتى يصبح الإسلام كله، الإسلام وحده، مطلب الأمة وأملها وكلمتها وهدفها الذي تعمل له، وتبذل، وتصابر وتهاجر وتجاهد.

ما هذه خطة تسويف. فاللحظة التاريخية التي تعيشها الأمة يتعين فيها الاختيار القوي لكيلا تدوسنا تحت الاقدام القوى الناقمة على وجودنا المتميز على وجه الأرض.

(…)

على أرضية الإسلام فقط يمكن أن نصمد في وجه المسخ التطبيعي مع الصهيونية الغاصبة. طمس الوجود الإسلامي مشغلة أعدائنا، مشغلة تلتقي عليها المقاصد الخبيثة التطبيعية الاقتصادية السياسية، والمغازي الثقافية التمييعية القاتلة للنخوة والشهامة والرجولة والرشد فينا.