1. في أهمية الموضوع:

تأتي أهمية هدا الموضوع بالنظر إلى اعتبارات جمة منها:

” اعتبار أول: يتجلى في المرحلة العمرية المهمة التي تمثلها مرحلة الشباب، فترة القوة بين الضعفين: ضعف الطفولة، وضعف الشيخوخة، فترة العطاءات المتوقدة على جميع الأصعدة: النفسية، الاجتماعية، السلوكية، والعقلية.

” اعتبار ثان: يبرز في الأهمية التي تمثلها قاعدة الشباب في مجتمعنا المغربي، وهي نسبة مرتفعة تجعل الآمال معقودة عليهم في عملية التغيير والتجديد،وإن كان العمل الشبيبي في المغرب ضعيفا بالنظر إلى غياب البنية التحتية من دور شباب و فضاءات ثقافية وعلمية،وغياب التأطير الجمعوي السديد،وانسداد أفق العمل السياسي الحزبي.

” اعتبار ثالث: يتمثل في كون الشباب عمدة الأمم في كل الأزمنة والعصور، هم رصيدها وعددها وعدتها، هم القاعدة القوية الفتية المتحملة الأعباء. ونظرة إلى تاريخ الحركات التغييرية، حزبية. دينية. ثورية. مجتمعية. تكشف أن الشباب لهم اليد الطولى في بناء المنعطفات الكبرى التي يمر منها أي مجتمع إنساني،هم الذين تحملوا وحملوا أعباء النضال من اجل غد أفضل ومستقبل أجمل .

” اعتبار رابع: نجمله في ما يتعرض له الشباب من حملات التمييع والتفسيق والإفساد والمسخ، سواء من التيارات المائعة الإلحادية،أو من ميازيب الإعلام السائل فوق السطوح أو من مخططات التدجين، وهي عوامل تركت شبابنا كما مهملا يلقي بنفسه إلى عوالم المخدرات القاتلة، أو قوارب الموت، أو في أحسن الأحوال الاشتغال في اعتصام أمام إحدى بنايات الوزارات، وفي أردهة النقابات. وأمام البرلمان.

2. الهزيمة النفسية: الأسباب والتجليات:

إذا كان للشباب هذه الأهمية، فان الوضعية العامة التي يحياها شبابنا على مستوى الظرفية التاريخية العامة للأمة، وكذا على مستوى الظرفية المتأزمة للبلد، تجعله يحيى وضعية هي مزيج من اليأس والإحباط والانتظار والترقب.وما ينكر اثنان أن الوضع العام الراهن للبلاد ينذر بما لا تحمد عقباه إن لم تتداركه الارادات الصادقة من أبناء هذه الأمة،ونستطيع تلخيص أهم سمات هدا الوضع فيما يلي :

 التدهور الفظيع على كافة المستويات رغم الوعود المغرقة في الكذب، والافتراءات المتتالية المبشرة بمغرب جديد وعيش رغيد.

 بروز خبال ووبال الآمال التي عقدت على الحكومات المتعاقبة التي بشرت قبل الحكم بمغرب الحقوق والشغل والصحة والمجتمع المدني، فادا هي بعد الحكم حزمة من الفشل الذر يع في ترجمة وعودها إلى برامج فعلية واقعية تنفع البلاد والعباد،

 تفاقم ظاهرة البطالة خاصة في صفوف ذوي الشهادات العليا الذين يواجهون بالتهميش والقمع الوحشيين، وكذا انتشار ظاهرة الموت في قوارب الهجرة السرية،

 استمرار التردي الأخلاقي بشكل مقيت يدعو إلى القلق، فهناك تشجيع للفساد والإفساد والهاء الناس بالحلول الترقيعية الارتجالية الموسمية.

 التمكين لقيم التحرر والإباحية لتصبح مفاهيم الحلال والحرام متجاوزة فتضيع معالم الهوية الدينية الحضارية.

 محاصرة المد الإسلامي بسياسة الحياة الرغيدة، ومواجهة الجادين من أبناء الصحوة الإسلامية بالقمع الممنهج وسد السبل أمام حركته، فتطمس بالتالي هوية الشعب الإيمانية لصالح التغريب أو العصبيات المحلية القومية.

إن هذا الوضع الذي حددنا بعضا من سماته، يجعل شبابنا يصاب بما يمكن أن نسميه هزيمة نفسية:

نقصد بالهزيمة النفسية لدى الشباب هذه الحالة النفسية الشعورية السلوكية التي تملأ جوانح الشباب وفكره وعقله فتجعله يحس بأن لا أهمية له، ولا فائدة منه، أو هي إن صح التعبير هذا الإحساس العميق بالضياع واليأس والإحباط ،وغياب الوجهة وضياع المعنى وغياب الهدف. فيترجم عن ذلك بسلوكيات متباينة تطفو إلى السطح معبرة عن هذا الضياع بتجليات من أكثرها بروزا:

 تبني خيار اللامبالاة والانتظارية، وتفيء ظلال السلامة النفسية والجسمية والعقلية، وسلوك سبل العدمية وعدم الاهتمام بشيء، أو القلق من شيء،في شبه استقالة تامة من هموم الذات والوطن والأمة، وابتعاد كامل عن حمل أي هم كيفما كان، مما يولد نوعا من الخمول والهروب من الشعور بالمسؤولية بله تحملها،ما يحدث نفسه بشيء ولا تحدثه بشيء، يعيش مطمئنا إلى ما هو فيه، قابع فيه، قانع به تحت دعاوى الواقعية والموضوعية،

 الهروب إلى عوالم المخدرات والخمور، وما تصنعه تلك العوالم من أحلام وأوهام تجر في الغالب إلى الانحراف والإجرام والانتحار

 السقوط في حماة الميوعة والانحلال والفسق والفجور، والاستجابات لداعي الملذات والشهوات، وما ينجم عن ذلك من هشاشة في الشخصية، وما يتلو دلك من امرض وأوبئة هي بلاء وابتلاء.

 الانعزال والانكماش عن المجتمع ومعاداة الخلق، وما يولده ذلك من تشدد وتطرف باسم الدين أحيانا، ينقلبان عنفا وحربا ضروسين على الناس

وطبعا غير خاف على كل ذي لب أريب ما تجره هذه المواقف من عواقب وخيمة على الذات المجتمعية إذ ليس هناك أخطر ولا أضر بالمجتمعات من انهزام ذاتي داخلي، أو قابلية للانهزام يزيد ها الأعداء لظى ليستغلوها فرصة سانحة ليتمادوا في استكبارهم وعتوهم وتسلطهم،كيف لا والجسم الذي يراد منه المقاومة خائر متداع آيل للسقوط بما كسبت يداه؟.

3. رهانات تحدي الهزيمة النفسية:

نعتقد أن الوضعية التي رصدنا بعضا من ملامحها ليست إلا تجليات لداء هو أعمق واخطر، هو داء فقدان الهوية، وضياع المعنى من الوجود، والغاية من الحياة، وسقوط في دياجير لاأدرية شاكة، أو انتظارية يائسة بائسة محبطة بغيضة.

يجد الشاب المغربي نفسه إذن أمام وضعية تتسم على المستوى العام بالتردي وباليأس المحبطين، وعلى المستوى الخاص بضيق الأفق وانسداد الآمال، وسيطرة مخططات التمييع والانحلال، من هنا وجب علينا لتجاوز هذه الهزيمة النفسية أن نسعى إلى تحقيق هدف أسمى هو إعادة الثقة في نفسية الشباب وزرع الأمل فيه ليشارك مشاركة فاعلة واعية نافعة في مواجهة تحديات المرحلة.

إن رهاننا الأسمى ومهمتنا الملحة على ضوء هذا الآن… الآن أن نعيد إلى الشباب ثقته بنفسه، بقدراته، بمواهبه، بجدواه، بمعناه، ولا سبيل إلى ذلك إن لم نعمل على بيان حقيقة وجوده وعلة كينونته وسر خلقه، ليدخل شبابنا عالم الرجولة الإيمانية من بابه الأساسي باب معرفة ربه.

إن بذرة الفطرة المغروسة في الذات التي غطتها قرون الفتنة والغفلة تنتظر من يزيح عنها غبار الخمول والخنوع، ويتعهد ها رعاية وعناية،تربية وترقية،تنقية وتصفية، لنعيد بناء الولاء في النفوس لدى شبابنا، الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين ..يقول الأستاذ عبد السلام ياسين:”الآفاق السياسية أمام المسلمين كئيبة مظلمة منذرة بالويل والفشل لمن عمي عن تدبير الله عز وجل، وعن حكمته في خلقه، وطفق معتمدا على حوله وقوته، يزعم تغيير المجتمع وهو في نفسه هوس وغفلة عن الله، وإضاعة لحقوق الله، متنكب لسنة رسول الله، واستخفاف بيوم الفزع الأكبر يوم العرض على الله”( رسالة تذكير ص8)

فتنة الدنيا من حولنا، وهوس العالم، وهذيان الناس، ما يجب أن يصدك أخي الشاب أن تسمع الفطرة المغروسة فيك (فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون)….أنت بلا معنى، بلا فائدة، إن لم تعرف من أنت؟ ولم أنت؟ والى أين أنت صائر وسائر؟ معرفة الغاية من الوجود، والهدف من الحياة، ومصير الإنسان أمر ضروري لكي لا يموت موت الجبناء موت الأغبياء و”الحفاظ على ديننا رأس الأمر كله. السؤال الوجودي مغروسة بذرته في الفطر الإنسانية. تعهد رسل الله تلك البذور بكلمة الحق وبشرى أن الإنسان ما هو دابة سائمة هائمة .فعل ذلك رسل الله وأنبياء الله، وشرف المومن والمومنة في أزماننا هذه الغارقة في جاهليتها وجهلها بالله والمعاد أن يتعهدا البذرة الدفينة في كل فرد فرد بالدعوة الحكيمة والرفق الحاني والمحبة والإيناس”(رسالة إلى الطالب والطالبة عبد السلام ياسين ص33.31)،نعم حكمة وحنو ورفق وتدرج وتذكير لهذا الشاب الضائع المشتت قلبه.يؤخذ بيده حتى يشب ويستوي في مضمار معرفة هويته.

لا نخجل من تبني خطاب إيماني إحساني تذكيري، يذكر بالله واليوم الآخر وبالمصير، يدعوك، يدعونا، إلى التوبة والإنابة، والإقبال على الله عز وجل، لا يصدنا عن ذلك نعوت الشياطين بالظلامية والرجعية والغيبية والتطرف والإرهاب، ولا تلاطم قوى الجاهلية بأفكارها المستوردة وميوعاتها المنهمرة الهاطلة.

الصلاة.. الصلاة. القرآن.. القرآن. الذكر..الذكر.ذكر الله واليوم الآخر والموت وحضور مجالس الخير. أمور وغيرها. هي الزاد(“وتزودوا فان خير الزاد التقوى”) والتقوى خوف من الجليل واستعداد ليوم الرحيل .نعم خوف.. واستعداد.

ببناء هذا الركن الركين، والأساس المكين تسهل المهمات الأخرى من تكوين وتأطير وتوجيه ودفاع عن الحقوق المعيشية العدلية التي لا يستقيم بغيرها المعاش،

بيد أن بناء هذه الثقة التي تشع بالأمل، وتبشر به، وتدعو إليه، يحتاج إلى محضن الإيمان بصحبة حانية دالة على الله، سالكة على قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فاصحب أخي من :

– يَصدُقك، لا من يُصدِّقك.

– ينصحك لا من يمدك في الغي.

– يذكرك لا من يرديك غفلة.

– من يعينك في وقت الشدة لا من يفر موليا الأدبار.

– من يذكرك بما وعد الله عز وجل به عباده من نصر مبين وفتح قريب متى استجبت لله، وصدقت برسوله، ونصرت دينه في نفسك وأهلك ومجتمعك.

فهلم اليأس نتجنبه، والإحباط نحاربه، وهلم الاقتحام استعدادا لغد مشرق بالخير صبحه، منبلج بالفضل نوره. (والله غالب على أمره) (إن الله بالغ أمره).

والحمد لله رب العالمين.