بين أن يُسمع للمسلمين صوت وأن يَصْدعوا بما يؤمرون آجال لإعداد القوة. صوتُهم الآن تمتمة عاجزة في مؤخرة الأحداث. يومَ يقوَوْن فقط ويستجمعون القوة يكونون مؤهلين للمشاركة الفعالة في اتخاذ القرارات الحاسمة في مستقبل الإنسانية. يُتخذ القرار الآن وهم حاضرون كالغائبين في قضايا يتناقَش فيها كبار العالم مثل السلام والحرب، وتوزيع العمل بين دول الشمال ودول الجنوب، وتوزيع الثروة، والغِذاء، وإنتاجه، وأسعار المواد الخام، والأخطار المحيطة بالبيئة والمهددة لمستقبل الأجيال البشرية ربما أكثر من تهديد الانفجار النووي،وارتفاع درجة الحرارة في محيط الكوكب من تبعات التصنيع المعمم، وانخراق طبقة الأزون الحامية، وسوء استعمال الطاقة، والإسراع إلى الربح الناجز الذي يضيع على المستضعفـين الطامحين في التنمية الفرص ويُجرعهم الغصص.

آفات تلويث البيئة وظلم الإنسانِ وتفاقم الفجوة بين الأغنياء والفقراء. قضايا تحتاج أن تناقش وتحل بأخلاقية كوكبية تزُمُّ النـزوات الاستغـلالية الرأسمالية وتنشر العدل والسلام. أخلاقية لاَ تَلِدُها رحِمُ حقوقِ الإنسان المعلنةِ المُخْلَقة، وإنما يلدها طموح عال لا تشغله قضايا الساعة وتطور العالم السريع المذهل عن الطموح للحق، عن الطموح لله وللدار الآخرة. “يومئذ يُوَفيهم الله دينهم الحق، ويعلمون أن الله هو الحق المبين”.5

وفيما بين المسلمين بعضِهم مع بعض قضايا تحتاج لمناقشة متأنية صابرة على الاختلاف، فاتحةٍ باب التسامح للاجتهاد، منها السياسيَّةُ الحركيَّةُ مثل القطرية والعالَمية ومن أين نبدأ البناء، ومنها الفقهية مثلُ تحديد ما معنى السنة وما معنى البدعة وكيف نعامل المسلمين أبمنطق التشديد والتكفير أم بمنطق الدعوة بالحكمة، ومنها الحِكَمِيَّةُ مثل التدرج في تطبيق الشريعة، ومنها المبدئية العقَدية مما يشتغل به متكلمو العصر الناظـرون في كتب الخـلاف، ومنها الأساسية المصيرية مثل العدل والشورى والوحدة.

ولعل شبح سقوط الدولة العثمانية يخيم على خيال الناس من حولنا وعلى خيال الكثيرين منا فيحول دون الحوار المثمر بيننا وبين اللاييكيين الذين يرون فينا امتدادا لظل الدولة العثمانية التي عانى العرب ظلمها. ويوَطِّدُ اتهامَهم ما يقرأون من إشادة بعضنا “بالخلافة” العثمانية والأموية والعباسية، وما يراقبونه من امتداد أيدي الكثيرين لأموال سلاطين النفط ورثة العض والجبر.

شبح الدُّوَل العاضة المنحرفة في تاريخنا يحول دون التفاهم والحوار المثمر يانعِ الثمار بيننا وبين إخواننا الشيعة. تثور ثائرتهم عندما يلمسون من بعضنا انضواء تكتيكيا فرضته الظروف تحت لواء السلاطين المتسلطـين، فينتضون حسامَ الطائفية ليقاتلوا يزيدات العصر ويقاتلوا معهم الإسلاميين المنضويين وغير المنضوين، يطعنون في أهل السنة والجماعة “العامة”، سائرين على درب التشيع التقليدي.

وليس العيبُ في إخوتنا الشيعة ومن جانبهم، لكن العيب من جـانبنا أيضا، من جانب سلاطين العض قارونات العصر ويزيداته الذين ينفقـون أموال المسلمين بسخاء المبذرين وحَنَق المَوْتورين لتُنْشَـر كتب الثلب في الشيعة، ولتُحفَرَ الخنادق بيننا وبينهم، ولتُشعل نار الفتنة. وهكذا يجتَرُّ الكتبة الخلاف القروني وينظرون في كتب الطعن على الروافض ليبثوا الوقيعَة بين المسلمين، وليلتحموا مَع الشيعة في نزال دائم بعثوه من القبور، ونفخوا فيه البغضاء المتجددة فنعتوا الشيعة بالمجوسية وحملوا لواء القومية العنصرية مع صدام القومي خادم الصليبية بالأمس القريب وحليفِها في “قادسيته”.

صفحات كالحة من تاريخنا وتاريخ التشيع كان الأولى بالثورة الإسلامية الإيرانية أن تطويَها من موقع القوة وتمدَّ يَدَ التعاون مع الصادقين نابذة الخصوصية الطائفية. لكن إخواننا في نشوة الانتصار عانقوا طائفيتهم وحملوا مشعل “تصدير الثورة”،يقصدون بتصدير الثورة تصدير بضاعة الطائفية ملفوفة في ثياب الثورة على خلفاء يزيد. وهكذا اشتغلوا بتصفية الحسابات المتأخرة مع معاوية ويزيد، وأثاروا حفيظة كثير من الإسلاميين الذين صفقوا للثورة. بحماس، ثم غشيتهم الحيرة لما أسفرت الثورة عن وجه طائفي.

في نسيجنا الغثائي العميق، ما بين سنة وشيعة، جراثيم الفرقة المعششة مع عناكب التقليد.فحوارنا مع بعضنا بعد الثورة الإيرانية والحرب البعثية العدوانية يكاد يكون أشبه بالصراع بين الوثنية والإسلام. وقد آن أن يفهم إخواننا الشيعة عن الله العزيز الحكيم الذي شاء قدَرُه، بكسب البعث النكير، أن يقف تصديرُ الثورة ليلتمس المسلمون سبيلا للتحاور والنقاش والتفاهم غير سبيل التعصب الطائفي.

ولئن كان من حَمَلة الأقلام من غَمس ريشته في مداد الكراهية الصرفة، وأكل من موائد يزيدات العصر، فإن من علمائنا الأفاضل من أنكر تمادِيَ الشيعة المنتصرين في استفزاز مشاعر إخوانهم، خاصة في تقديس الأئمة عليهم السلام وفي الطعن الشنيع على الصحابة رضي الله عنهم.

مضى زمن التوهج الثوري مع الإمام الخميني رحمه الله، ونرجو أنْ قد جاءت الحكمة والتبصر ليتعامل الشيعة معنا برفق الأخـوة والتغاضي عن أسباب الخلاف كما تعلمت دولتهم بعد عشر سنـوات من الصدام مع “الشيطان الأكبر” السعي إلى تعامل دولي معتدل.

إن كان الشيعة، وهم المومنون بالله وباليوم الآخر، يطيب لهم أن يلقَوْا ربهم عز وجل وفي صحائفهم سب الصحابة رضي الله عنهم فذلك شأنهم. ولا شأن لنا نحن بتقديسهم لآل البيت عليهم السـلام الذين نعتبر محبتهم وتعظيمهم دينا من الدين شريطة أن لا يستفزونا وأن يكتمـوا ما ثَمَّ مِن مُخَلَّفات الشَّيْنِ وحواشي البَيْنِ.

عندما يهُبّ عالم مثلُ الشيخ أبي الحسن الندوي ليعبر عن استيائه،وهو مَن هو استقلالا وإخلاصا، إخلاصا على كل حال واعتدالا، فمن واجبنا وواجب الشيعة أن يستمعوا لصوت معتَدل لا يكفر، لكن يعتِب عتابا شديدا.نرجو أن لا تنبو اللهجة وترتدَّ عن تبليغ إخوتنا الشيعة ما نُكِنُّهُ من إشفاق على مستقبل وحدة المسلمين.

قال الندوي في كتابه “صورتان متضادتان” يعدد بعض مآخذه على الشيعة: “مفاد هذه المعتقدات أن جماعة الصحابة الكرام رضي الله عنهم التي بلغ عددها في حجة الوداع فقط إلى أكثر من مائة ألف صحابي، ما بقي منهم على الإسلام إلا أربعـة فقط بعدما لحق النبي صلى الله عليه وسلم بالـرفيق الأعلى. أما غيرُ هؤلاء الأربعة فكلهم سلكوا مسلك الردة -والعيـاذ بالله- والقرآن محرف بكامله, وكان أئمة أهل البيت (من وِجهة التقيـة التي تُعتَبَرُ واجبا دينيا وعزيمة) كاتِمِينَ للحق، ومغيِّبِينَ للقـرآن بعيدا عن كل خوف وخطر، ويلقنون أتباعهم ذلك”.6

نظر الشيخ الندوي في كتب الشيعة فكتب بغَيرته. وهو الرجل المجاهد في الميدان،الرفيقُ الحكيم،الذي يحاور الهندوس في محافل جمعيته “مستقبل الإنسانية” إبْقاء على الأقلية المسلمة المضطهدة في الهند. رجل يحاور أنجس الخلق الهندوس ما كان ليضيق بحوار إخوة لا إله إلا الله محمد رسول الله لولا تنطع “تصدير الثورة” أي تصدير التشيع وتعليم أبناء المسلمين الاستخفاف بالصحابة. وإن الاستخفاف بالصحابة تكذيب للقرآن الكريم الذي شهد للمهاجرين والأنصار أعظم الشهادات. وليس الأنصار والمهاجرون فقط البضعة عشر رجلا الذين سَلِموا من طعون الشيعة.

ثم إن العاملَ السياسي الذي دفع بالشيعة إلى قُدَّامِ المسرح،وثورتَهم المجيدة، ما كان لها أن توَظَّف لجلب حماس الشباب السني. لولا دعا المنتصرون شبابنا لمنافسة الحماس والتفاني عند المجاهدين السنة بدلَ أن يدعوهم لنبذ عقيدتهم بحجة أنها العقيدة المعلنة ليزيدات العصر! لولا! لولا!

لعل الشيخ الندويَّ وأمثاله من رجال الدعوة الغيورين المشفقين تكلموا وكتبوا من خنادق الجهاد المشترك يريدون تصويب الطلقات إلى نحور الأعداء لا تحريفها إلى عقائد الأَوِدَّاء. من حرارة المواجهة كتبوا وتكلموا. والآن بعد همود نار الثورة وخمودها تفرض الحقائق الباردة، وتفرض الحكمة، ويفرض الدين أن نلتمسَ وإخوتنا الشيعة مسلكا للحوار الهادئ.

كان بَدَأَ هذا الحوارَ منذ ستين سنة ويزيد جماعةٌ من علماء الفريقين ساهم الأستاذ حسن البنا رحمه الله في جهودهم. ومن موقع الفقيه النـزيه الهـادئ الذي لا ينظر في كتب الخلاف إلا ليُسدِّدَ النظرة المستقبلية يكتب الشيخ أبو زهرة رحمه الله عشر سنوات قبل الثورة هذه الكلمات الرفيقـة التي تعكس حسن مواتاة ما بدأه حس البنا وأصحابه رحمهم الله. قال أبو زهرة: “نقول مع الأسف الشديد: إن الخلاف الطائفي يشبه أن يكون نزعة عنصرية. وإن الذين يريدون الكيد للمسلمين يتخذون من ذلك منفذا ينفذون منه إلى صفوفه ليُقَطِّعوا الوحدة الإسلامية. فيجب أن نسد الطريق أمامهم”.

وقال رحمه الله: “إن الخلاف بين الطوائف ليس في أمرِ ما يتصل بعقيدة التوحيد وبشهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ولا بالأصول التي تُعتبَرُ لُب الدين كالصلاة والصوم والحج والزكاة وغيرها مما جاء به نص القرآن الكريم.وجُل الخلاف الطائفي ليس في مسائلَ تتعلق باللب، وإن ادَّعت بعض الطوائف أنها من اللب”.

وقال رحمه الله: “لسنا نقصد محق الطائفية وإدماج المذاهب الإسلامية في مذهب واحد.فإن ذلك لا يجوز، ولو جاء لا يكون عملا ذا فائدة، لأن إدماج المذاهب في مذهب واحد ليس عملا علميا عند العلمـاء. فإن لكل مذهب مجموعة من المعلومات أقيمت على مناهجه، تتجه في مجموعها إلى النصوص الإسلامية والبناء عليها. هو ثمرات جهودٍ لأكابر العلماء في كل مذهب. وكل إدماج فيه إفناء، وليس من المصلحة العلمية في شيء إفناء تلك الجهود الفكرية التي قامت في ظل القرآن والسنة الثابتة”.7

وينتهي الشيخ الفقيه المتبحر رحمه الله إلى الدعوة لنبذ الصراع الطائفي حتى لا يبقى إلا التنوع المذهبي،يكون المذهب الجعفريُّ خامس المذاهب الإسلامية.

والسؤال الذي أمام مستقبل الحوار السني الشيعـي هو مدى استعداد الفريقين للتغاضي والسكوت عن كل ما يفرق، يحتفظ المتحاورون، في مجالس الحوار وفي الدعوة الموجهة عبر الحدود، بخصوصياتٍ صنعها التاريخ ريثما يعيد الجميع النظر في المرحلة التأسيسية التي لم يكن فيها بين الإمام علي كرم الله وجهه وبين معاوية وأنصاره أي خلاف البتَّةَ في العقيدة ولا في الفقه. ريثما نكشف جميعا جذور البلاء لنقلعها.

والله الحكيم يوتي الحكمة من يشاء. سبحانه.