لا يحمِلْنا على سوء التقدير وسوء الحكم أنَّ العملاق الأمريكي عدوٌّ كائد ماكر. ولا يحملْنا على الاستهانة به أن أمريكا دولة المال والمخدرات والجرائم والحضارة المادية الآفلة. فإن أفول الحضارات قد يستغرق قُرُونا. وإنَّ اختزال الحكم في إطلاق شعار “الشيطان الأكبر” هو كالتصديق بالمقالة الأمريكية التي تطلق على الولايات المتحدة وصف “مدينة الأنوار على رأس الرابية”.

ولا يغرَّننا أن أمريكا أكثر الأمم صراخا بأنها نصير الحرية وحامية حقوق الإنسان في العالم، فإنها أشد الأمم عداوة لحرية الآخرين وحقوق الآخرين، خاصة إذا كان الآخرون هم المسلمين.

إن من شروط الحوار مع عالَم غربي، أمريكي على الخصوص، لا يومن إلا بالقوة هو أولا وقبل كل شيء أن يكون لنا من ذاتنا، أستغفر الله،أن يكون لنا من عونه سبحانه وتوفيقه، قوة ذاتية اقتحامية.وقد كتبنا بفضله تعالى في الباب الأول من هذا الكتاب كيف نغير ما بأنفسنا حتى يغير الله عز وجل ما بنا.

ذلك هو شرط الشروط: إيمان المومن المقتحم العقبة العالمُ بواجبه الديني الجهادي وبالعالم،المنتظمُ في جماعة المسلمين المجـاهدة،الباذلُ نفسَه وجهـده وماله لنصرة دين الله، واثقا بوعد الله ورسوله، مشتـاقا للقائه، موقنا باليـوم الآخر. وإصلاح الدولة، وتعلم التكنولوجيا، والتنْمية وإعداد القوة مكاسب لاحقة.

ثم نستبصر في واجبنا الحـواري وهو الصدع بما أُمرنا، ورفع صوتنا باستقضاء حقنا، وبنصرة المستضعفين، وبالدعوة إلى الله والبلاغ عنه والبيان للعالمين. والصدع كما قال اللغوي: “شق الأجسام الصلبة”. وإذاً فلا بد لنا من تلك القوة الذاتية القوية القادرة على الصدع بما أمرنا.

بيننا وبين أسماع الخَلق، بيننا وبين استخلاص حقوقنا، جبهة عِدائية متمثلة في الدولة اليهودية رأسِ الرمح ومن ورائها أمريكا زعيمة مجلس الأمن وقائدة الأحزاب بعد انهيار الشيوعيين.

جبهة عِداء للإسلام لا يكف من غُلَوائها إلا قُصور الأعداء، وهم العالم الجاهلي الاستكباري بأسره، عن القدرة، وإلا حدودُهُم السياسية الاقتصادية القانونية التي سنعود إليها بعد حين إن شاء الله ربُّنا.

في الهند وكـاشمير عِداء سافر مستمر فتاك بالمسلمين. في بلغاريا ويوغوسلافيا وجمهوريات السوفيت لم يخِفَّ البلاء فيها عن المسلمين إلا منذ بداية البرسترويكا. تحررت كل الجمهوريات في أوربا الشرقية من نِيرِ الشيوعية إلا ألبانيا، لماذا؟ الجواب البَديهي هو لأنها كانت مسلمة، فيخشى الأعداء إن تحررت أن تعود لإسلامها. وهي عائدة، نرجو ذلك من ربنا العلي القدير.

المسلمون يشكلون الأكثرية الساحقة في جمهوريات جنوب ما كان يدعى بالاتحاد السوفياتي: أذربيجان والكرج (جورجيا) وطاجقستان، وأزبكستان وتركستان وسيبريا. لا يعامل الروس، حتى بعد البرسترويكا، المسلمين الممركسين المغربين شر غربنة كما يعاملون سكان لتوانيا وإستونيا ولاتفيا النصارى الأوربيين. ثار هؤلاء على الحكم المركزي فواجههم الزعيم جرباتشوف بالحوار، وتفادى الصدام المسلح، وقامت أوربا على قدم وساق وأمريكا تحتج وتوصي بالحوار وتهدر.وثار المسلمون في أذربيجان فكان الحوار معهم بالدبابات والمدافع.

عِداءُ العالم الجاهلي للإسلام قضية مكشوفة يشاهدها العالَم على التلفزيون منذ ثلاث سنوات يقْتل فيها أطفال الحجارة. قضية مفضوحة لما تألب العالم على الثورة الإسلامية بإيران.

ولا يُخفي أحد من أعدائنا كراهيته للإسلام.فالكل يفهم ويعبر عن التوجه الجديد في النظام العالمي الجديد. ما توفر من سلاح وجهد ومال كانتْ أمريكا والحلف الأطلسي خصصه لاحتواء الدب الأحمر يوجه من الآن فصاعدا إلى احتواء العدو الجديد: الإسلام.

ذلك ما عبر عنه الدب الأليف جرباتشوف، أليفٌ رجع إلى حضن أسرته بعد توحش سبعين سنة،حين قال:”إن من الخطإ أن نتوهم أن الولايات المتحدة تمثل العدو الأول للاتحاد السوفياتي. إن عدونا الأول في الحقيقة هو الإسلام”.

ويكتب باحث ياباني،وكان اليابان أحقَّ أن يكون محايدا لولا فُشُوُّ الروح العِدائية لنا في العالم، هذا التحليل المنشور في جريدة”جابان تايمز” في طوكيو. قال: “هل يمكن للإسلام أن يحُل محل الشيوعية كخطر أكبر على الغرب؟”.3 ثم يأتي الباحث بالأدلة التاريخية والمعاصرة التي تساعد القارئ على الإجابة القاطعة بنعم. -ويكشف الكاتب أن الصراع الذي دار سابقا بين الرأسمالية والشيوعية كان مجرد انحراف وقتي في مسيرة التاريخ الغربي الطويل.

وهكذا يكشف الياباني عن نوايا أعدائنا في علاقاتهم بنا في النظام العالمي الجديد ويكتب: “إن التاريخ بالقطع لن ينتهيَ، كل ما هناك أن محوره قد تغير. فحيثما نمعن النظر من حولنا بحثا عن الأخطار والتهديدات على مجتمعاتنا الحرة المتقدمة فإننا نكتشف أن مثل هذا الخطر موجود، وهو الإسلام”.4

أمّا وقد أعطينا لصلابة الحاجز العِدائي أمام إرادتنا للاقتحام والصدع حقَّه من التأمل، فلنرجع إلى ما في الجبهة المعادية لنا من ثغرات ومن نقط ضعف.

من الباحثين المستهينين بنصر الله، ينصر من يشاء، من يقلل من أهمية الفتوحات الإسلامية على عهد الخلافة الأولى، وَيَعْزُو انهيار الإمبراطوريتين الفارسية والرومية أمام الزحف الإسلامي إلى طول مواجهة بينهما لا إلى قوة المسلمين. ينظر المغربون المحللون إلى القوة الماثلة الحالية لأعداء الإسلام فيستبعدون أن يكون للإسلام أي مستقبل.

فليكُن النصر الأول راجعا إلى ضعف الأعداء الفرس والروم، فرْضا نجاري به المحلل المادي، فأين أنت من صنع الله عز وجل،بأسباب ظاهرة وبلا أسباب!

1- إن كتلة أعدائنا اليوم وغدا لها، لكل عضـو فيها قديم وحديث، أليف أو متآلف، مصالحُ متنافرة. إنها كتلة متعددة الأقطاب، انفكت ثنائية أمريكا-السوفيات لتحل محلَّها جوقة عالمية مؤلفة من أوربا المتحدة، واليابان وإمبراطورية الاقتصاد في المحيط الهادي التابعة لليابان، والصين، والهند، والبرازيل، واتحاد جنوب شرقي آسيا. وما يظْهَرُ بعدُ من تكتلات إقليمية كل منها تطالب بنصيبها من خيرات العالم، وبحقها في مراقبة القرارات التي تمَسُّ مستقبل العالم وتهدد استقراره.

من ثَمَّ التفاف وائتلاف، بل تنافس واختلاف.

2- من الثغرات المهمة في جبهة العِداء للإسلام أن الاستقرار في العالم،وهو مطلَبُ الكل ومصلحة الكل وضرورة الكل، لا يمكن ضمانه إلا بتسيير شؤون العالم في قنوات قانونية دولية. وإلا أصبح العالم غابة ضارية. هذه القانونية الدولية مصلحتنا وضرورتنا، نسلك معها شوطاً حتى نحوِّرها ونعدِّلَ ميلَها.

3- من أهم الثغرات وأهم دوافع العالم ودوافع المسلمين إلى الحوار لا إلى التصارع حاجة العالم وحاجة المسلمين إلى الاستفادة من النفط. النفط الآن لعنة على سلاطين العرب، وغدا إن شاء الله، ولمدة قرن أو قرنين والله أعلم، يكون للمسلمين الزّادَ والوسيلةَ لإخراجهم من دائرة التخلف الاقتصادي العلمي التقاني.

4- من أهم الثغرات في جبهة الأعداء أن القرارَ السياسي عندهم ليس إملاء من جهة واحدة، وهذا إيجابية من إيجابيـات الديموقراطية دين العالم الجديد.ويشارك في القرار مديرو الأبناك والشركات الكبرى. وهؤلاء صديقهم الربح، والمسلمون مليار زبون يجب أن يُتَحَبَّبَ إليهم لاَ أن يحاربوا. والنفط عصب الاقتصاد العالمي يجب أن تستقر الأمور عند المسلمين لتستقر أسعارُه.

5- بانتهاء الحرب الباردة بين العملاقين انتهى عهد دعم الدكتاتوريات الصديقة الموالية بلا شرط. وتعلَّمَ العملاقان من زلزال أوربا الشرقية أن لا قرار لحكم استبدادي. كان سقوط الشاه درسا استوعبته أمريكا. واستوعبت أيضا أن إيران الثورة تتمتع بنظام إسلامي مستقر حُرٍّ يدعَمه الشعب.فأعداء الإسلام لم يعودوا مستعدين للتعامل مع الأنظمة الاستبدادية. لا شك أنهم سيحاولون إفشال كل محاولة لإقامة حكومة إسلامية حرة، لكنهم بعد أن يغمِزوا قناتَها ويتأكدوا من قوة بنياتها سيرجعون إلى خِطبةِ وُدّها كما نراهم يفعلـون مع إيران بعد الإمام الخميني رحمه الله.

6- من الظروف المسعفة للحوار بدل الصراع الموجةُ الديموقراطية الجديدة في العالم. وإن الديموقراطية واللبرالية الاقتصادية وتعدد الأقطـاب تفتح لنا الأبواب مُترعة للاتصال والمساومة في السوق الاقتصادية التنافسية، كما تفتح لنا آذان الخلق الأحرار لإبلاغ كلمتنا والصدع ببلاغنا وبياننا. لا يَصُدُّنا عن الصدع إلا عجزُنا عن اقتحام الحصار الإعلامي. ولا يمنعنـا من المساومة في السوق اللبرالية إلا أن يسكننا التخوف من “بعبع” مُوَحَّد فتاك لا وجودَ له.

7- أُسُّ الديموقراطية ومضمونها هو حقوق الإنسان. لا نقبَلُ أبدا من هذه الحقوق ما يصطدم بشرعنا الحنيف. فيما عدا هذا فنحن مع إكرام الإنسان ومع المنظمات الإنسانية الساعية لإكرام الإنسان، ومع نصر الأمم المتحدة في جهودها لإكرام الإنسان. هذا من المعطيات الأساسية في العصر، ومن الحجج ضِدَّ الأعداء.

8- من وراء القانونية الدولية، ومن وراء الديموقراطية، الذي يقرر آخرَ المطاف هو المصلحة ولا شيء غيرُ المصلحة. سياسة الأمر الواقع (ريالبولتيك) هي السياسة، والمبدئية والقانونية لهما مرونتُهما، أوْ يُقْسَرانِ عليها متى تعارضتا مع المصلحة. مصلحة العالم أن يجد وسيلة للحوار مع مليار مسلم هم في ظروف الوعي بما يفرضه عليهم دينُهم من وحدة. ولله عاقبة الأمور.