نشهد ونسمع طوال الأسابيع الماضية تصريحات متعددة بشأن تغير استراتيجي في السياسة الخارجية الأمريكية باتجاه قبول الحوار مع الإسلاميين المعتدلين في المنطقة، كيف ترون هذا الانقلاب في السياسة الأمريكية، وما هي دوافعه من وجهة نظركم، وكيف ستتعاملون معه؟

بسم الله الرحمن الرحيم. بغض النظر عن حقيقة هذا الأمر ومصداقيته وخلفياته فإننا لم نفاجأ به ولم نستغربه، بل الغرابة عندنا أن تستمر الإدارة الأمريكية في نفس سياساتها الهيمنية والصدامية.

وقد أشرنا مرارا إلى أن أمريكا ليس أمامها إلا خياران اثنان، إما الاعتدال أو التطرف، وسياستها عامل مهم في تقوية أحدهما وانتشاره، وهي تجني طبعا نتائج خيارها. فالتطرف في الصف الإسلامي كان نتيجة منطقية لتطرف الإدارة الأمريكية.

وبمنطق العقل والمصلحة، الذين تقول أمريكا أنهما جوهر توجهاتها، لم يكن ممكنا إلا الوصول لخيار محاورة الإسلاميين خاصة وأن كل المؤشرات الواقعية والتوقعات القريبة والاستراتيجية تؤكد يقينية أن المستقبل للإسلاميين أمام فقدان الشعوب مطلق الثقة في باقي الخيارات والإديولوجيات، والترهل الحاصل في الأحزاب بعدما مرت كلها من مقصلة التجربة الفاشلة في إدارة شؤون الشعوب العربية والإسلامية. وكذلك أمام فشل أمريكا في أسلوب العنف والانفراد في التعامل مع المسلمين.

وأملنا ألا يبقى هذا الأمر مجرد تصريحات في الهواء لنراه خطوات عملية، وأن يتعزز ويتوسع وقد سمعنا بالفعل مؤخرا تصريحات مماثلة في هذا الاتجاه من الاتحاد الأوربي. فبهذا وحده يمكن للعالم أن ينعم بالاستقرار والأمن.

على أي أساس يمكنكم الحوار مع الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، وما هي الضوابط التي يمكن لكم ولهم وضعها لمثل هذا الحوار، وكيف ستتعاملون مع تلك الضوابط؟

هناك خصوصيات ينبغي أن تحترم، ومصالح يجب أن تراعى، هذه ضمانات أساسية لنجاح الحوار.

من جهتنا لدينا استعداد أصيل للقبول بالآخر ومراعاة خصوصياته، وقد خلقنا الله عز وجل شعوبا وأمما مختلفة وأمرنا بتغليب دواعي المسالمة على نوازع الصراع حيث قال سبحانه “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم”. والآخر مطالب أيضا باحترام خصوصياتنا.

والأمر أضحى أكثر إلحاحا في الواقع العالمي الذي أصبح فيه الكون قرية صغيرة مما يستدعي روح التعايش والشراكة ونبذ منطق القوة والاستبزاز بعد لي الأذرع والإضعاف والإخضاع. فالحوار لا يكتسب عمقه ومعناه إلا بوجود كيانات قائمة الذات ويسود الاحترام فيما بينها.

هل توجد نقاط التقاء بينكم وبين الأمريكان الآن، وما هي طبيعة تلك النقاط. هل تنحصر في المجال الأخلاقي أم تتعدى هذا إلى المجال السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي؟

إن كان على مستوى الشعارات المرفوعة من حقوق الإنسان وتعددية سياسية وتداول للسلطة وتعميم المعرفة … فلا يمكن لسوي العقل أن يختلف فيها مع أحد، وهي متأصلة في ديننا ومتجذرة في كياننا ومفصلة في مشروعنا. أما أن تكون هذه الشعارات معبرا للهيمنة على الصغار وفرض نموذج الأقوى في السياسة والاجتماع والثقافة والعقيدة والأخلاق، أو أن يتم باسمها التدخل المباشر في شؤون الآخرين سياسيا وعسكريا، فهذا نرفضه رفضا مطلقا وهو لن يزيد الشقة إلا تباعدا ويعمق الكراهية ويهدد المصالح.

وما هي نقاط الخلاف الرئيسية ؟

تجمعها سياسة الكيل بمكيالين وتتجلى في مناقضة شعار إشاعة الديمقراطية بالتدخل في شؤون الآخرين ودعم الأنظمة المستبدة، وفي دعم الكيان الصهيوني في مقابل التوهيم بشعار دولة فلسطين، والأخطر من ذلك غزو واستعمار دول أخرى مثل أفغانستان والعراق والتهديد باحتلال أخرى ضدا على شعار السيادة الدولية.

ما هي آليات التغيير التي تفضلونها، الاستعانة بالجماهير أم الحوار مع الأنظمة، وما هي أسبابكم في تلك الحالتين ؟

نعتقد أن ما وصلنا إليه يستدعي تغييرا عاجلا غير آجل، ونعتقد أن ضرورة التغيير يجب أن تكون محط إجماع جميع مكونات المجتمع لأن الحالة التي نحن عليها من وهن وفتنة وتخلف لا تسر أحدا.

لذلك نعتقد بأن كل الآليات يجب أن تتظافر ليكمل بعضها بعضا، فلا تغيير يرجى إن لم تسنده قوى الشعب لأنه سيكون عملا انقلابيا يستبدل طاغوتا بآخر، كما نعتقد أن تعقل الأنظمة واستجابتها لمطالب وحاجيات شعوبها من شأنه أن يجنب بلادنا دوامة العنف بما يترتب عنها من تضييع الوقت والجهد وسفك الدماء وإزهاق الأرواح.

لكل هذه الاعتبارات ما زلنا متمسكين بدعوة الأنظمة إلى توبة عمرية ؛ مثل توبة عمر بن عبد العزيز – هذا إن كان الوقت لازال يسمح بذلك – يعلنون فيها الصلح مع ربهم ويكونون في مستوى طموحات شعوبهم، و إلا فهو الطوفان الجارف أعاذنا الله وإياكم.

ماذا عن الاستعانة بالخارج لفرض الإصلاح، ومتى يصبح بديلا مطروحا، وهل يمكنكم اللجوء إليه الآن؟

لا نفتأ نؤكد بأن الإصلاح والتغيير في بلادنا أمر مستعجل، وسنكون واهمين إن اعتقدنا أن هناك بديلا آخر عن ذلك لأننا سنفتح بلادنا على خراب محقق لا قدر الله.

كما نؤكد على أن الإصلاح ليس وصفة سحرية ولكنه تفاعل ومخاض بين كل مكونات المجتمع وسيرورة ومسلسل يتحكم فيها طبيعة المجتمع وتاريخه وخصوصياته وحاجياته وطموحاته.

والأمر الثالث الذي يجب أن نستوعبه هو أن التغيير الذي ننشده لا يستهدف فقط أنظمة الحكم أو مؤسسات الدولة ولكنه يهدف إلى تغيير الإنسان والانتقال به من موقع المفعول به إلى موقع الفاعل التاريخي، وإلى تغيير السياسات العامة المتبعة التي قادتنا إلى الفشل والتخلف والشتات.

إن تغييرا بهذا الحجم وهذا العمق لن ينجح إلا إن انطلق من الداخل مستعينا بالقدرات الذاتية لمجتمعنا. ولكننا بالمقابل يجب أن نعيش عصرنا الذي أصبح مفتوحا وتحطمت فيه الحواجز والحدود وأصبح التأثير والتأثر بين الدول كبيرا.