حول هذا ندندن يا صاح !

إن إخراج الناس من العهدة وإلزامهم بقوانين الله تعالى لهي مرتبة فضل تقصد، وغاية تنشد، فأولى ما تصرف فيه نفائس الأيام وأعلى ما يخص بمزيد الاهتمام أن ينتظم المرء في سلك ورثة الأنبياء العارفين بالله وأحكامه، الذين خشوه حق خشيته “إنما يخشى الله من عباده العلماء”، فشهد بعدله وقسطه “شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط” فكان من العاقلين&

والعاقل حقا هو من عرف الله حق المعرفة فعلم أنه سبحانه المالك له لا غيره، وأنه حر ممن سواه، فتواضع لعظمته، واستعبد وخضع لجلاله ولم يذل لمن سواه، وهو من عقل عنه أنه الكامل بأحسن الصفات، المتنزه من كل الآفات، المنعم بكل الأيادي والإحسان & فاشتد حبه له لما يستأهل لعظيم قدره، وكريم فعاله، وحسن أياديه، وعقل عنه أنه لا يملك نفعه ولا ضره في دنياه وآخرته إلا هو، فأفرده بالخوف والرجاء، وأيس من جميع خلقه! فإذا أفرد العبد الله عز وجل بجلال العظمة ونفاذ القدرة، فارق الكبر والعجب لخضوعه لجلال الله مولاه، فتواضع للحق، ولم يحقر مسلما لشدة معرفته بصغر قدر نفسه، ولما جنى من الذنوب على نفسه، والفقيه أو المفتي هو من عقل عن الله تعالى أنه سبحانه ابتدأ عباده بالرحمة والتفضل والإحسان، بعدما علم عز وجل أنهم سيعصونه ويخالفون أمره، فلم يمنعه ذلك عن ابتدائهم بالنعم والتحنن والرحمة والإحسان& فكان رحيما بعباد الله، متحننا على خلق الله، متحملا منهم الأذى ومتحننا عليهم بالرحمة والنصح& قالوا لنوح عليه السلام “إنا لنراك في ضلال مبين. فقال نوح. ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين & إلى أن قال: “ولعلكم ترحمون”، وقالوا لهود عليه السلام: “إنا لنراك في سفاهة” ! فقال لهم. يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين، أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين. قال إبراهيم عليه السلام “فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم” وفضل النبي صلى الله عليه وسلم صديق هذه الأمة عليها، بالرحمة لها، فقال أرحم أمتي بها أبو بكر(1).

ومن عقل عن الله كان علمه من الله وفي الله ولله، فكان مسجى بحسن القصد وأرفع النيات، فضلا عن صحة الفهم والإدراكات، يقول ابن القيم -رحمه الله تعالى – صحة الفهم وحسن القصد من أعظم نعم الله التي أنعم بها على عبده، بل ما أعطي عبد عطاء بعد الإسلام أفضل ولا أجل منهما، بل هما ساقا الإسلام وقيامه عليهما، وبهما يأمن العبد طريق المغضوب عليهم الذين فسد قصدهم، وطريق الضالين الذين فسدت فهومهم، ويصير من المنعم عليهم الذين حسنت أفهامهم وقصودهم، وهم أهل الصراط المستقيم الذين أمرنا أن نسأل الله أن يهدينا صراطهم في كل صلاة & وصحة الفهم نور يقذفه الله في قلب العبد يميز به بين الصحيح والفاسد، والحق والباطل، والهدى والضلال، والغي والرشاد، ويمده حسن القصد وتحري الحق وتقوى الرب في السر والعلانية، ويقطع مادته اتباع الهوى وإيثار الدنيا وطلب محمدة الخلق وترك التقوى”(2).

ولكن من آثر الدنيا من أهل الإفتاء واستحبها فلابد أن يقول على الله غير الحق في فتواه وحكمه وخبره وإلزامه، لأن أحكام الرب سبحانه كثيرا ما تأتي على خلاف أغراض الناس، ولاسيما أصحاب الرياسة والذين يتبعون الشهوات، فإنه لا تتم لهم أغراضهم إلا بمخالفة الحق ودفعه، خاصة إذا قامت شبهة فتتفق الشبهة مع الشهوة، ويثور الهوى فيخفى الصواب وينطمس الحق وإن كان الحق ظاهرا لا شبهة فيه، قال سبحانه: “فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب ياخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا”(3) فأخبر سبحانه أنهم أخذوا العرض الأدنى وتوحلوا فيه بعدما علموا تحريمه، وظنوا أنهم سيغفر لهم، وهو فهم من كانت بصيرته منطمسة، ومعرفته بالله مندرسة، وخيول همته عن اللحاق بأهل الإحسان محتبسة، فكان ممن غاص في أرجاس فتوى التبرير لخزي الرؤساء وسلاطين العض والجبر!

لذا تجد أهل الفهم المليح والقصد الصحيح متورعين عن الإفتاء، ومتئدين فيها بدون تجاسر ذميم أو خفة رعناء! لأن المفتي مخبر عن الله بحكمه، بل هو المتمكن من معرفة أحكام الوقائع شرعا بالدليل، قال تعالى: “قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والإثم والبغي بغير حق، وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون، فرتب سبحانه المحرمات أربع مراتب، وبدأ بأسهلها وهي الفواحش، ثم ثنى بما هو أشد تحريما منه وهو الإثم والظلم، ثم ثلث بما هو أعظم تحريما منهما وهو الشرك، ثم ربع بما هو أشد تحريما من ذلك كله وهو القول عليه بلا علم كما قال ابن القيم -رحمه الله- قال تعالى: “ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب، إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع قليل ولهم عذاب أليم..”.

يقول الإمام النووي في الأدب عن الشعبي والحسن وأبي حصين قالوا: “إن أحدكم ليفتي في المسألة ولو وردت على عمر -رضي الله عنه- لجمع لها أهل بدر”.

وعن عطاء بن السائب التابعي قال: “أدركت أقواما يسأل أحدهم عن الشيء فيتكلم وهو يرعد”.

وعن محمد بن عجلان: “إذا أغفل العالم لا أدري أصيبت مقاتله”.

وعن الهيثم بن جميل: “شهدت مالكا سئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين لا أدري”.

وقال سحنون بن سعيد: “أجسر الناس على الفتيا أقلهم علما، يكون عند الرجل الباب الواحد من العلم يظن أن الحق كله فيه” أي أنه يقصد -رضي الله عنه-أن من كثر علمه ازدادت خشيته وقل اعتراضه على مخالفيه بخلاف الضامر علما الذي فارق الأدب، وشهر لسان السوء بسب العلماء وازدرائهم ونعتهم بسوء المقالة التي يستنكف عنها طلبة العلم فضلا عن الجهابدة الأجلاء.

قال الشافعي: ما رأيت أحدا جمع الله تعالى فيه من آلة الفتيا ما جمع لابن عيينة، أسكت منه في الفتيا& (4) إلى غير ذلك من الشواهد التي تدل على تورع النظار الألباء عن الإفتاء، لأنهم مدركون جسامة الأمر، وعظم خطر التوقيع عن رب العالمين، وما تقتضيه من ضوابط وشروط لازمة في المفتي.

من تلكم الضوابط:

1. استقراء النصوص الشرعية حفظا في الصدور

وهذا الأمر يقتضي من المفتي حفظا كليا لكتاب الله تعالى وضبطا لنصوص الأحكام التي يستشهد بها في النوازل، لأن ذلك هو أصل استدلاله ومصدر استنباطاته، وفي ذلك إعانة له على استحضار النص محل الحكم والفتوى، قال تعالى في شأن القرآن وحفظه: “بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم”(5). يقول الحسن في ذلك: “أعطيت هذه الأمة الحفظ، وكان من قبلها لا يقرأون كتابهم إلا نظرا، فإذا أطبقوه لم يحفظوا ما فيه إلا النبيون، فقال كعب في صفة هذه الأمة: إنهم حكماء علماء وهم في الفقه أنبياء”.

يقول القرطبي في تفسيره: “القرآن علامات ودلائل يعرف بها دين الله وأحكامه وهي كذلك في صدورالذين أوتوا العلم وهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم والمومنون به، يحفظونه ويقرأونه، ووصفهم بالعلم” بل إن الله تعالى يسره عليهم حفظا وتلاوة وتفسيرا كما قال سبحانه: “ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مذكر”، ثم إن حفظ المفتي معه حيث كان، فلا يحتاج لصحف إذا ابتلت اندرست، ويؤيد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: “يقول الله تعالى: إني مبتليك ومبتل بك، ومنزل عليك كتابا لا يغسله الماء، تقرأه نائما ويقظانا”(6)، وقوله عليه الصلاة والسلام كذلك: “لو كان القرآن إهابا ما أحرقته النار”(7)

يقول ابن كثير: “فالقرآن محفوظ في الصدور، ميسر على الأسنة، مهيمن على القلوب، معجز لفظا ومعنى، ولهذا جاء في الكتب المقدسة صفة هذه الأمة: أناجيلهم في صدورهم”(8).

2. فهم النصوص وتدبرها

وهو لازم حتمي في حق المفتي بل في حق الناظر للنصوص الشرعية، لأن اللفظ لا يقصد لذاته بل للمعنى الذي يحمله، ومن ثم كان الأئمة الأعلام غير واقفين عند ظواهر النصوص بإبطال التدبر، وسد سبل العبر، بل نفذوا من منطوق النص إلى مفهومه، ومن مبانيه إلى معانيه، لأن إعمال الفكر واجب في هذه الأمة، قال تعالى: “كتاب أنزلناه إليك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب”(9). قال القرطبي: “وفي هذا دليل على وجوب معرفة معاني القرآن، ودليل على أن الترتيل أفضل من الهذ، إذ لا يصح التدبر مع الهذ، على ما بيناه في كتاب التذكار، وأولو الألباب هم أصحاب العقول وقد يجمع على ألب وألبب قال الكميت: إليكم ذوي آل النبي تطلعت *** نوازع من قلبي ظماء وألبب(10)

ويقول سبحانه في سورة محمد: “أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها”، أي أن خلو القلب من الإيمان مفض لا محالة لعدم الفهم والتفكر في آيات الله تعالى، بل قد يتوحل مثل هذا في الشبه المبنية على تعارض النصوص فيظهر له القرآن مختلفة ألفاظه متعارضة أحكامه قال سبحانه: “أفلا يتدبرون القرآن، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا” يقول القرطبي: “دلت الآية على وجوب التدبر في القرآن ليعرف معناه، وفي هذا رد على فساد قول من قال: لا يؤخذ من تفسيره إلا ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومنع أن يتأول على ما يسوغه لسان العرب، وفيه دليل على الأمر بالنظر والاستدلال وإبطال التقليد & “.

قلت وفيه رد على من ظن أن القراءة وإتقانها راجح على الفهم واستكناه معاني النصوص وأحكامها، فحصر القرآن كله في تراتيل دينية وتمرينات فكية، فعن زياد بن لبيد قال: “ذكر النبي صلى الله عليه وسلم شيئا فقال: وذاك عند أوان ذهاب العلم، قال قلنا يا رسول الله كيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونقرئه أبناءنا ويقرئه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة ؟ قال ثكلتك أمك يا ابن أم لبيد، إن كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة أوليس اليهود والنصارى يقرأون التوراة والإنجيل لا ينتفعون مما فيهما بشيء”(11)، بل من سار هذا السبيل فقد تاه في بيداء التسكع في ظلمات هدم الدين ومنهاج خير المرسلين، لأن شر نابتة عادت الصحابة أناس يقرأون القرآن ويجودونه بل يحبرونه تحبيرا، لكنه لا يجاوز تراقيهم لأنهم قالوا بفهم ظاهري خرق لا يرقع “إن الحكم إلا لله”، بخلاف الحملة الفقهاء الذين اغترفوا من مشكاة نبينا عليه الصلاة والسلام الإيمان والفهم، فقد كانوا من القرآن والسنة على منار كوضح النهار، أما “من حمل النصوص وحملها ليؤمن بها ويتدبرها ويعمل بها ويدعو إليها ثم خالف ذلك ولم يحملها إلا على ظهر قلب & فقراءته بغير تدبر ولا تفهم ولا اتباع ولا تحكيم لها وعمل بموجبها & كحمار على ظهره زاملة أسفار لا يدري ما فيها، وحظه منها حمله على ظهره ليس إلا “(12) قال تعالى: “مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا” وهذا المثل ولو أنه ضرب لليهود فهو متناول من حيث المعنى: من حمل القرآن ولم يفقهه، واستنكف عن تدبره والعمل بمقتضاه، قال الشاعر:

زوامل للأسفار لا علم عندهم *** بجيدها إلا كعلم الأباعــر

لعمرك مايدري البعير إذا غدا *** بأوساقه أو راح في الغرائر

وقال آخر:

انعق بمـا شئت تجد أنصارا *** وزم أسفارا تجد حمـــارا

يحمـل أسـفارا ومـا درى *** إن كان ما فيها صوابا أوخطا

إن سئلـوا قـالوا كذا روينا *** مـا إن كذبنا ولااعتدينـــا

كبيرهم يصغـر عند الحفـل *** لأنه قلـد أهل الجهــــل

لكن نجباء العلم والنجاة كانوا مهيئين للمراد، بفهمهم لمراد الشارع لأنهم عرفوا بأن النصوص إذا أخذت بحرفيتها وظاهريتها فقط، ضاق نطاقها وقل عطاؤها، وإذا أخذت بعللها ومقاصدها كانت معينا لا ينضب بتحقيقها لمقصود الشارع جلبا للمصالح ودرءا للمفاسد.

يقول ابن العربي في العارضة ردا على ابن حزم:

إن الظواهر معدود مواقعــــها *** فكيف تحصي بيان الحكم في البشـر

فالظاهرية في بطلان قولهــــم *** كالباطنية غير الفرق في الصـــور

كـلاهما هادم للدين من جـــهة *** والمقطع العدل موقوف على النظـر

هاذي الصحـابة تستمري خواطرها *** ولا تخاف عليــــها عزة الخطر

وتعمل الرأي مضبوطا مـآخذهـا *** وتخرج الحق محفوظا من الأثـــر

3. امتلاك ناصية الإعراب والبيان

لما كانت النصوص الشرعية من حيث الغموض والخفاء على غير وزن واحد، فإنه لا يقوم أحد على فك ما استغلق من الشواهد، أو جمع الشوارد، أو اقتناص الأوابد، إلا من كان لسنا فصيحا، وصل إلى الذروة في البيان العربي، ومن ثم فقد أدرجنا رسوخ القدم في الصناعة العربية في سلك وعقد ضوابط الإفتاء! ألا ترى أن هذه الشريعة المباركة عربية لا مدخل فيها للألسن العجمية، وهذا القرآن قد أنزل أصلا بلسان العرب على الجملة فطلب فهمه إنما يكون من هذه الطريق خاصة، فمن أراد تفهمه فمن جهة لسان العرب يفهم” (13) ونقصد بالإدراك وتفهم الألفاظ ما كان معهودا عند العرب في خطابهم، فقد تخاطب بالعام وتريد ظاهره، وبالعام يراد به العام في وجه، والخاص في وجه، وكل ذلك يعرف من أول الكلام أو وسطه أو آخره، وتتكلم بالكلام ينبيء أوله عن آخره، أو آخره عن أوله، وتسمي الشيء الواحد بأسماء كثيرة، والأشياء الكثيرة باسم واحد، والمقصود أن هذه النصوص مختلفة الأوضاع والأساليب ومن اعتبرها أدلة بدون فهم لها لافتقاره اللسان العربي، لاسيما إذا كانت عجمة لسانه بينة لا تدفع، ومكشوفة لا تتقنع& فقد نابذ الحق الأبلج، وزاغ عن سواء المنهج، ومما يثقل النفس أسى وضيما وجود رؤوس جهال تجاسروا على الإفتاء بألسنة مستعجمة، وهمم مندرسة، وفهوم محتبسة، وأخلاق مندرسة، وشتائم منبجسة، فكيف يهتدي المستدل المسترشد إذا كان الدليل جاهلا حائرا، و”من لم يتق الله في تنزيله، فاجترأ على تعاطي تأويله وهو غير معرب، فقد ركب عمياء، وخبط خبط عشواء، وقال ما هو تقول افتراء وهراء، وكلام الله منه براء، فاللسان هو المرقاة المنصوبة إلى علم البيان، المطلع على نكث نظم القرآن، الكافل بإبراز محاسنه، الموكل بإثارة معادنه & فالصاد عنه كالساد لطرق الخير كيلا تسلك، والمريد بموارده أن تعاف وتترك!(14) والعجب أنك ترى أمثال هؤلاء منتقصين من شأن العربية، سالكين مسلك الغض منها، والضعة من مقدارها، حتى وصمني أحدهم بالمتكلفين لما قومت له لحنا، وأصلحت له خطأ، لكن المتكلف حقا هو من أراد أن يخفض لغة رفع الله تعالى من منارها حيث لم يجعل خيرة رسله وخير كتبه في عجم خلقه، ولكن في عربه، ثم إنك لا تجد علما من العلوم المعتبرة لاسيما علم أصول الفقه إلا ومسائله مبنية على علم الإعراب، والتفاسير مشحونة بالروايات عن سيبويه والأخفش والفراء وغيرهم من النحاة البصريين والكوفيين، والاستظهار في مآخذ النصوص بأقاويلهم والتشبث بأهداب فسرهم وتأويلهم، وبهذا اللسان مناقلة الجهابذة في محاوراتهم وتدريسهم ومناظراتهم & وبه تقطر في القراطيس والكراريس أقلامهم، فهم متلبسون بالعربية أي سبيل سلكوا، غير منفكين منها أينما وجهوا، وهكذا فمن أراد تمزيق أديم اللغة العربية وطلق الإعراب رأسا وقطع بينها وبينه الأسباب، فقد طمس من الفتوى آثارها، ونفض من أصول الفقه غبارها، ثم لينظر هل ترك للعلم جمالا عند تراطنه في مجلس الإفتاء لينقلب هزأة للساخرين، وضحكة للناظرين، فالإعراب أجدى من تفاريق العصا وآثاره الحسنة عديدة الحصى &

(يتبع)

الهوامش:

(1) الترمذي في المناقب رقم2723 وابن ماجة في المقدمة رقم151 وأحمد في مسند باقي المكثرين رقم12437.

(2) إعلام الموقعين (1/86).

(3) سورة الأعراف الآية 169.

(4) آداب الفتوى والمفتي والمستفتي للإمام النووي ص5.

(5) سورة العنكبوت آية 49.

(6) صحيح مسلم كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها،باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار، برقم5109. ورواه أحمد في مسند الشاميين برقم 16837

(7) مسند الشاميين 16725.

(8) انظر تفسير القرطبي وابن كثير وسيد قطب لسورة العنكبوت.

(9) سورة ص الآية 29.

(10) انظر القرطبي في تفسيره للآية.

(11) مسندأحمد مسند الشاميين رقم الحديث 16828.

(12) إعلام الموقعين لابن القيم رحمه الله (1/150).

(13) الموافقات للشاطبي (2/42).

(14) المفصل في صنعة الإعراب للزمخشري ص17.