لماذا يجد البنون والبنات حاضنا محبوبا في الدكاترة الملحدين؟ لماذا يجد الدكاترة الملحدون آذانا صاغية وقلوبا غير واعية لدى البنين والبنات؟

لأنهم يخاطبون فيهم من الفطـرة جانبا حيا هو الغضب على الظلم والظالمين، ويقدمون لهم الأمثلة الحية من مثول وعاظ السلاطين راكعين أمام السدة الظالمة؟ فلا يرى البنون والبنات بعدها الدينَ إلا أفيونا للشعوب، ولا الوعاظَ إلا كهنوتا يجب أن يشنق بأمعائهم آخر الظلمة كما هو شعار الثورة.

ضَعف الموقف السياسي للوعاظ، بل تهاويهم، يفحم الحُجَّةَ. مِن أي موقع تتكلم يا هذا؟ من أسفل عتبات الخدمة الراكعة! اخرسْ!

ضرورة الضرورات أن نحيي في الأجيال من البنين والبنات فطرة الإيمان في الطريق إلى الحكم وبعد الوصول إليه.أولى الأولويات لحكومة الإسلام أن تمهد للدعوة حتى تقيم الأوَد، وتصِلَ من الفطرة ما انقطع من السند، وتُصلح منها ما فسد. وأن تعوض النظام التعليمي الطاحوني بنظام قرآني يكون القرآن صُلْبَهُ وعَمودَه، والإيمان بالله وباليوم الآخر هِجِّيرَهُ وصَدَرهُ ووُرودَه. ومن هنا يبدأ بناء القوة لنستطيع البروز في العالم نحاوِرُه لا نُداوِرُه كما يليق بحَمَلة الرسالة الأمناءِ الأقوياءِ الأعزاءِ.

حوارنا مع النظراء الفضلاء من المسلمين، المصلين منهم والغافلين، يبدأ من الصفة الضرورية وهي الإسلامية. أما الملحدون الصرحاء والمنافقون المشهورون بنفاقٍ فيَدُ الدولة تنحيهم من أعز الأماكن حيث يتربصون بمستقبـل الأمة الدوائر. وقد ذكرنا في الفصل الرابع من الباب الأول ما يليق من التؤدة في تطبيق الحدود الشرعية بعد الإنْذَار والإمهال والإعراض.

وبالإعراض وَصَّى الله عز وجل رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم حين أمره وأمرنا بتبليغ الدعوة. قال تعالى: “فاصدع بما تومر، وأعرض عن المشركين”.1 الصدع في اللغة هو “الشق في الأجسام الصلبة كالزجاج والحديد”. فهو أمر بتبليغ الدعوة بقوة. وذلك ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج للقبائل يعرض نفسه، لا يأبه بأذى العدو ولا بقسوة المعاند ولا بخزعبلات المستهزئ.

أمر الله تعالى بالبلاغ بقوة: “يا يحيى خذ الكتاب بقوة”.2

وما كان عصر لا يومن أهله إلا بالقوة كمثل عصرنا. فإذا كان الحوار ضروريا لحامل الرسالة فإن القوة بالبلاغ أكثرُ ضرورة أمام الغرب الذي يحتقر الإسلام ويُزهى بتفوقه.الصلَف جزء أساسي من التفكير الغربي.الحمية العنصرية مادة ماهيته. الذَّحْل العنصريّ، خاصة تجاه المسلمين، هو خافيتـه وظاهرته. الغرب متربع على كرسي تفوقه الحضاري، مستَوٍ على دست المال والاقتصاد والتكنولوجيا والجهاز العسكري. فمن تحاور إن جئت حافيا عاريا متماوتا!

لا يليق بالمسلمين في قومتهم الانقياد والاستخذاء أمام جبروت الغرب. كما لا يليق بهم العنف وحجز الرهائن وخرق القوانين الدولية. ليس العنف من أخلاق الإسلام، لكن من أخلاقه القوة. والقوم يعبدون القوة لا يعرفون غيرها. فمتى خرقنا قوانين الاستقرار العالمي ألَّبوا علينا العالم كما فعلوا عند هجمة صدام على الكويت. قوانينُ هم صنعوها، وأمريكا من مجلس الأمن تُبرِم وتَنْقُضُ وتُؤوي في مأمن من كل ملام ربيبتها اليهودية. نعم! لكن ليس هناك بُد من تجرع العلاقم في الحلاقم والصبر على المَناصِل في المَفَاصِلِ ريثما نُعد القوة لنتكلم مع الأقوياء من الوضع المناسب لإعادة ترتيب الأوضاع العالمية والقانون الدولي.

ليس الهدفُ الإسلاميُّ إشعالَ الحرب وإثارة الصدام العسكري وتبني الصراعية المبدئية التي ليست لنا دينا. الهدف الإسلامي والدين أن نجاهد لتكون كلمة الله هي العليا. نقاتل من بَغى واعتدى، ونقاتل من منعنا من تبليغ رسالة الله للعالمين. والطريق مفتوح أمامنا رغم الكراهية الشديدة للإسلام. الحوار الديمقراطي وحقوق الإنسان دينٌ مُعلَن في ربوع الأرض، فما هي كلمتنا للعالم؟ وما هي النموذجية التي نمثلها فنُحاوِرُ بالمثال قبل أن نبدأ الناس بالمقال؟ ما هي القوة؟

والذي يفتقده العالَمُ، ويشكو منه الفاقة والإضاقة هو الأخلاقية والروحانية ومعنَى الحياة الإنسانية. فإن كان الغرب المستكبر اليومَ لا يصغى إلى ما عندنا من كلمة الحق لكراهية متأصلة عنده، وإن كان مستضعفو العالم لا يسمعون لصممهم عن كل ما ليس تنمية واقتصـادا وبُلغة عيش، فإن لنا يومَ نقـوَى لشأنا إن شاء الله. وإنَّ الآفات الاجتماعية الخلقية وما ينزل الله عز جل من البلاء على القرى الظالمِ أهلُها لرادعٌ يُرجع إلينا يوم نقوى كافة بني الإنسان المشردين في أرض التيه، أرض الملاحقة الحضارية لغرب جامح طامح رامح.

يركل الغربُ اليوم كل القيم. فالطريق أمامنا مُحجّرة، ورعاية “شرف الإسلام الدولي” كما كان يعبر الأستاذ البنا رحمه الله يقتضي منا أناة حتى نقوَى. فإن قوينا فمن واقع القوة نقول للعالم سَلما وحِلما. بعدما فعله فينا الاستعمار من تمزيق نعيد بناء بيتنا الإسلامي موحدا على أسس الرحمة بيننا والرحمة بالخلق. لا تكون مظاهر الرحمة وحقائقها إلا ضعفا في أعين العالم إن بدَتْ من هزيلٍ مشرد ممزق. لكن القوي يستطيع أن يبتسم فلا يوخذ ابتسامه على أنه مجاملة انهزامية، ويستطيع أن يحاور بالحكمة والموعظـة الحسنة وأن يجادل بالتي هي أحس فلا يوخذ ذلك منه مأخذ الضعف المكنون.

على أسس الرحمة نبني وحدتنا وقوتنا لنحاور العالَم برحمة الإسلام.وببلاغ الآخرة وبيانها. بالرحمة لا بلغة الدموع والحروب. وقد ذاق الغرب من بأس الثورة الإسلامية بإيران. وذاقت إيران من بأس الغرب مدى عشرة أعوام. فتعلم الغرب أن المسلمين يموتون في سبيـل الله بشرف وشغَف. وتعلم آيات الله بعد وفاة الإمام الخميني رحمه الله كيف يتعاملون مع القانون الدولي تعاملا غير ما كانوا يفعلون. فلا نكرر المآسي، لأن الغرب مستعد دائما أن يقاتل بعض المسلمين ببعض، وأن يسلح الجانبين ويؤلب ويشعل النار حتى يُفنيَ بعضُنا بعضا.

الغرب يعتبر نفسَه الجوهرَ ونحنُ الفضولَ. وحياة الغربي الذي لا يرجو لقاء الله أعز ما عنده. فهو حريص على الحياة، أي حياة. وذلك من مواطن ضعفه. علَّمته فتنام بعد حروب التحرير الوطني أن المستضعفـين يقاتلون بشجاعة. تنشر التلفزيون صور الجرحى والموتى من الشعوب الملونَة ومن أطفال الحجارة فيعتاد الجمهور الغربيُّ. لكن يصيبه الهلَع لمشهد جثة رجل أبيض. فتقوم المظاهرات في نيويورك وواشنطون أنْ احبسُوا المجزرة.

هم ضعفاء أمام الموت رغم أسلحتهم المدمرة، وهم يعلمون أن المسلمين يعشقون الشهادة، فليكن الاستعداد للشهادة قوتنا. لكن لا داعي مطلقا ولاَ مشروعية مطلقة للعدوان من جانبنا والعنف وحجز الرهائن.

ليكن الرفقُ سِمَتَنا الواضحة وشارتنا البائحة. وستمر رَدّة الفعل الكارهة لنا التي أحيت عندهم العِداء الموروث الصليبـي فلا يجدون ولا نجد إلا ضرورة التساكن في هذا الكوكب، وضرورة التحاور، وضرورة احترام قانون دولي هو اليوم من صنعهم وفي صالحهم، ونفرض غدا، غد القوة بحول الله، تحويرَه ليكون في صالح الإنسانية المستضعفة. فتأثيرنا في سياسة العالم وفي الأخلاقية الدولية رهن بما نأتي به ومعنا حجة النجاح النموذجية من براهين الرفق والعزيمة، مجتمعين.

ليست الجغرافية في عالم أصبح بوسائل التواصل قرية، ولا التاريخ في عالم تهب عليه رياح التغيير عاصفةً، هما الداعيَيْن للتعايش السلمي والحـوار. بل الداعي دينُ الله ونحن حملتُه، وسنة الرفق وإن كانت من حولنا الغربان تُعَقْعِق، وجهادٌ نُعد له القوة من كل أنواعها لا نعنفُ.

شَرَى العنفُ وتفاقَمَ في العالم، وكان لبعض الإسلاميين انسياق مع منطق العنف حتى رَضُوا بصفقة غبن لما رَضُوا باستعمال السلاح في الضعفاء العُزْل كما استعمله اليهود والنصارى ويستعملونه في مذابح فلسطين وغير فلسطين. ولعلها دهشة المنتبه بعد طول رقدة، القائِم بعد قعدة،فهو يتهَجَّى حروف النور بصعوبة أرَتْهُ النورَ لَهباً. وإنما ينتقم من العُزْل الضعفاء الأضعفُ معنى وإن كان في يده السلاح.

العنف يأتي من سوء الطبع العنيف كما يأتي من سوء الفهم للواقع. من سوء فهم الغرب للإسلام أنهم يرونه “بعبعا” مخيفا متعطشا للدماء. تلك صورة ورثوها من خرافات أجدادهم الصليبيين.فهم بلداء متخلفون،لا يطابق تحليلُهم الواقع.وعلينا أن نُساعدهم على كشف هذا الوهم،ونعلمَهم بالاستعداد الدائم للاستشهاد أننا لن نستخذي ولن ننقاد، كما أننا لن نبدأ بظلم ولن نتعدى على من لم يعتد علينا. بهذا نفتح صفحة جديدة للحوار. رحماءَ لكن أشداءَ، مَن اعتدَى علينا اعتدينا عليه بالمثل لا بالظلم.

ولا نكن أغبياءَ فنتصوَّرَ القوة العظمى العادية اليومَ في العالم -الولايات المحتدة الأمريكية- “بعبعا” لا يقهر. إنها عملاق حقا بالحجم والعتـاد. لكن عملاق غارق في المشاكل الاجتماعية الاقتصادية المالية السياسية، يحاول لغبائه أن يحلَّها بالتوجه الغزوي على الشعوب المستضعفة. لا نكن أغبيـاءَ فنتصوَّرَ أن لهذا العملاق إرادة واحدة وقدرة لا تقاوم وعزيمة لا تفُل. فهو أحزاب واتجاهات وديموقراطية واختلاف. يتردد العزم في جوف العملاق ذي الأرجل الطينية، وتفشَل إدارة وتفتضح أخرى، وتضغط اللوبيات ويَثْقُلُ حِمْلُ قيادة العالم والمديونية الداخلية والخارجية المتفاقمة، فلا ينطق العملاق إلا تأتأةً ولا يُبين إلا عن رغبة في السلم وتفادي منظر الجثث الأمريكية على التلفزيون. والله هو القوي العزيز.

1 سورة الحجر، الآية 94.

2 سورة مريم، الآية 12.