كيف تنظر الجماعة إلى المتغيرات المتمثلة أساسا في إعلان واشنطن بوضوح قبولها دخول الإسلاميين ضمن المعادلة السياسية بما في ذلك وصولهم إلى الحكم؟

نرجو أن يكون هذا التحول صادقا وحقيقيا، وأن يتم التخلي عن المواقف العدائية المجانية تجاه الحركة الإسلامية. لقد كانت هذه المواقف متأثرة كثيرا بآراء الصهيونية العالمية ومتطرفين غربيين من أمثال دنييل بايب التي تدعو إلى محاربة كل ما هو إسلامي. ولكن هذه الاستراتيجية قد فشلت فشلا ذريعا، ولعل صانعي القرار في أمريكا واروبا قد أدركوا أنهم كانوا يسيرون في الطريق الخطإ وقد آن الأوان لإعادة النظر في مواقفهم بعد ما تبث أن الحركة الإسلامية متجذرة في أوطانها وتتنامى باطراد. ويبدو أنهم قد أدركوا أيضا أن الحركة الإسلامية بما تمثله من امتداد شعبي هي الأقدر على إنجاز التحول المطلوب في بلادنا التي ترزح تحت حكم الاستبداد منذ زمن طويل وما نتج عن ذلك من ظواهر أصبحت تهدد الأمن والاستقرار ليس في أوطاننا وحسب وإنما أيضا في العالم أجمع. لذلك فنحن نرحب بهذه المبادرة ونأمل أن تكون مقدمة لمستقبل أفضل.

ما موقف الجماعة من الحوار مع الأمريكيين؟ وما هي شروط هذا الحوار؟

موقف الجماعة من مسألة الحوار موقف مبدئي تابث ومعروف. فالله عز وجل حاور إبليس اللعين، والرسول صلى الله عليه وسلم حاور المشركين فيما أشار إليه القرآن في قوله: “وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين”، وهناك عدة آيات تحث على هذا منها قوله عز وجل: “أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن.” لذلك فنحن نحاور كل من يرغب في الحوار معنا، بشرط أن يقبل بنا كما نحن، لا كما يريد هو أن نكون، كما نقبل به نحن كذلك كما هو. بمعنى ينبغي أن يكون الاحترام متبادلا، وأهداف الحوار واضحة ومقبولة من الطرفين. وينبغي كذلك أن يكون معلوما، فنحن ليس لدينا ما نخفيه، وقد أعلنا عن مبادئنا وأهدافنا منذ التأسيس. رفضنا العمل السري والعنف والارتباط بأي جهة أجنبية مهما كانت الظروف، وما زلنا أوفياء بحمد الله لهذه المبادئ وسنبقى كذلك بإذن الله.

تتحدث بعض المصادر الإسلامية عن وجود حوار أو تفاوض بين الجماعة ومسؤولين أمريكيين. هل لكم أن تطلعونا عن فحوى هذا الحوار/ التفاوض؟ وإلى أين وصل؟ وما هي آليات أو قناة هذا الحوار؟

ليس هناك تفاوض. نتفاوض على ماذا؟ نعم هناك حوارات كثيرة ومع أصناف شتى ومن جنسيات مختلفة وليس فقط مع أمريكيين. فيهم صحافيون وأكاديميون وباحثون ومنهم مسؤولون أمريكيون ومنهم من يشتغل في مراكز الدراسات والبحث في اروبا وأمريكا، وقد يكون منهم من يعمل لحساب المخابرات الأمريكية أو الأروبية لا نعلمهم الله يعلمهم، لأنهم يتقدمون بصفات أخرى كباحثين أو أعضاء في منظمات غير حكومية. نحن واعون بهذا تمام الوعي. والذي يعنينا هو أن نعبر عن مواقفنا بوضوح ومع أي كان. ومن الخير أن يسمعوها منا مباشرة عوض أن يتلقوا ذلك عبر وسائط في الأعم الأغلب غير نزيهة ولا أمينة. ماذا تتوقع أن يقول عنك دانييل باب وأمثاله؟ ما تنتظر أن يقول عنك الاستئصاليون في بلادنا، والذين يرون فيك منافسا مزعجا، والذين يعادونك لا لشيء إلا لكونهم يعيشون الفشل ويعانون الإحباط؟ إذن من الأفضل أن نتكلم عن أنفسنا عوض أن يقوم بذلك من ليسوا له أهلا أو ليست لهم دراية دقيقة بتصوراتنا ومواقفنا. وأعطيك مثالا حديثا جدا. قبل أيام زارتني باحثة إنجليزية لتجري معي حوارا بشأن بحث تقوم به. وعندما فرغنا من الحوار، قالت لقد فوجئت كثيرا. فلما سألتها عن سبب المفاجأة، قالت لقد كانت لدي عنك صورة مخالفة تماما. فقلت لها لست أول من يفاجأ ولا ربما الأخير. لاشك ان المسكينة قد وجدت من ملأ رأسها أكاذيب وأباطيل. والحمد لله أن من يتعرف على أفكارنا ورؤانا يدرك، إن كان معه شيء من الإنصاف، أننا بشر كغيرنا من البشر، وأننا عقلاء ولنا مطالب مشروعة وواقعية ولسنا وحوشا كاسرة.

ما هي أهم القضايا التي طرحت أثناء هده الحوارات؟

الغالب أنهم يريدون أن يتعرفوا على تصور الجماعة وأهدافها وأساليبها في العمل ومواقفها من بعض القضايا كالديمقراطية والانتخابات والتعددية السياسية ومؤسسات المجتمع المدني ، وكيف نتصور الإصلاح السياسي وما هي معوقاته، والعلاقة بين الشمال والجنوب، وقضايا أخرى كفلسطين والعراق وغير ذلك.

هل تعتقدون أن تحول الموقف الأمريكي بالخصوص والأروبي سيدفع بالسلطة وأجهزتها إلى الاعتراف بالجماعة وإدماجها في اللعبة السياسية؟

هل ستغير السلطة موقفها من جماعة العدل والإحسان بسبب تحول الموقف الأمريكي والأروبي، هذا شيء وارد، ولكن من السابق لأوانه الجزم بأي شيء، لاسيما ونحن مازلنا بصدد توصيات لا ندري مدى جديتها ومصداقيتها. أما ما أسميته ” بالإدماج في اللعبة السياسية”، فهذه مسألة أخرى. نحن جماعة لها مشروع واضح ورؤية وأهداف معلومة. ليس همنا أن نشارك ايا ما كانت الظروف. نحن نريد أن نشارك على أساس من الوضوح وعلى برنامج مشروط بتوفر إرادة سياسية حقيقية للتنفيذ، لا أن نشارك من أجل المشاركة. كما أن حقنا في الوجود وفي العمل حق تابث ومشروع ولا نستجديه من أحد، بل نعتمد أساسا على الواحد الأحد ناصر المستضعفين ولا نستقوي بالخارج من أجل تحصيله. نربأ بأنفسنا أن نسير سيرة بعض المناضلين الذين كنا نقدرهم  ياحسرة- ولما تسلموا المسؤولية، ذهبوا إلى اروبا وطفقوا يستنجدون بالحكومات الغربية لقطع الطريق  هكذا- على الإسلاميين. وهذا شيء مؤسف أن يستظهر مناضل معروف بالخارج على أبناء وطنه.

هل جماعة العدل جاهزة للدخول في اللعبة السياسية في أفق انتخابات 2007؟

جماعة العدل والإحسان، مهما يمكن أن يقال عن حجمها وإمكاناتها، فهي ترى نفسها ما تزال في طور بناء الذات وإحكام أسس الاستيعاب الذي يضغط باستمرار. ومع ذلك فهي لاترهن نفسها ب2007 ولا بغيرها، إنما الأمر متوقف على ما يفعل الله في كونه ثم على تطور ونضج الظروف السياسية في المغرب. وعندها يكون لكل حادث حديث.

يرى البعض أن قانون الأحزاب الجديد معد للاعتراف بالجماعة على المدى البعيد، إلى أي حد تتفقون مع هذا الرأي؟

لبعض الناس قدرة عجيبة على تأويل أي شىء ليوافق مذهبا معينا أو رأيا مسبقا يريدون الترويج له. فالقول بأن قانون الأحزاب أعد بغرض الاعتراف بالجماعة قول فيه مبالغة كبيرة، لسبب بسيط وهو أن القوانين في بلدنا العزيز ليس لها من الحرمة والهيبة مثلما هو موجود في البلاد الديمقراطية. فالمخزن عندنا عندما يريد شيئا، لا يتردد في القيام به بالقانون أو بدون قانون. وإن لم يكن هناك قانون أوجده أو أول الموجود منه ليوافق هواه. أليست هناك أحكام قضائية متعددة ونهائية تؤكد قانونية الجماعة؟ ومع ذلك فالسلطة ما تزال تصر على أن جماعة العدل والإحسان جماعة محظورة. ثم ما رأيك في جرائدنا الممنوعة؟ أين هي القوانين التي منعتها أو أوقفتها؟ وقس على ذلك أشياء أخرى كثيرة. لذلك ربما العكس هو الصحيح. بمعنى أن قانون الأحزاب يستهدف إقصاء الجماعة لا أن يفتح لها المجال.

هل ستعدل الجماعة من مواقفها لتكون رقما حاضرا في الساحة السياسية؟

أعتقد أن مواقف الجماعة، فضلا عن كونها مشروعة، فهي واقعية جدا وليست حالمة أو تعجيزية. وليس هناك من بديل، في تقديرنا، إلا ركوب الخط الرسمي والتصفيق للتزوير ومباركة العبث السياسي المهيمن. كل العقلاء والمراقبين للشأن المغربي يؤكدون أن البلد يعيش أزمة بل أزمات خانقة ومتعددة الأوجه، سياسية واجتماعية واقتصادية، وأنه لا سبيل للخروج منها في ظل الشروط القائمة. بل الأدهى أن الأمور تزداد سوءا وحالة الاختناق تستفحل مع مرور الأيام. فما هو المطلوب منا والحالة هذه؟ هل المطلوب أن نقول كل شىء على أحسن ما يرام، وأن التجربة المغربية رائدة وينبغي الاقتداء بها، فنشهد شهادة الزور. أنا لا ادري ما هي المواقف غير المعقولة التي تتمسك بها الجماعة ويودون مراجعتها أو التعديل منها. أما حضور الجماعة في الساحة السياسية فهو واقع، ولا يمكن لأي مبادرة حقيقية تبتغي إصلاح الأوضاع في البلاد أن تتجاهل العدل والإحسان.

كيف تنظر جماعة العدل والإحسان إلى ترتيبات الخريطة السياسية في أفق 2007 خاصة الحديث عن وصول حزب العدالة والتنمية إلى المشاركة في الحكومة؟

القول إن هناك ترتيبات للخريطة السياسية يجري إعدادها في أفق 2007 يؤكد ما ذكرته قبيل قليل من عدم وجود إرادة سياسية حقيقية للقطع مع أساليب الماضي العفنة وفتح صفحة جديدة. إذن ما زالت الممارسات القديمة مستمرة، وإذا كان الأمر كذلك، وهو كذلك، فما الفائدة من المشاركة في الانتخابات، بل ومن الانتخابات أصلا. أليس من الأجدى توفير الجهود والأموال الطائلة التي تبذر في أمثال هذه المناسبات على عملية لا معنى لها، فاسدة من البداية إلى النهاية؟ وعلى أي حال إن كانت الانتخابات ستجري كسابقاتها وفي مثل ظروفها، فنحن لسنا معنيين بها. أما مشاركة حزب العدالة والتنمية في الحكومة الحالية أو القابلة فهذا شأن يعنيه لا يعنينا.