هو سيدنا عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية، أبو عبد الله، ذو النورين، القرشي الأموي أمير المؤمنين، ولد سنة 47 قبل الهجرة، وهو ثالث الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة الذين جعل سيدنا عمر الأمر شورى بينهم، وأحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر الصديق، توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو عنه راض صلى إلى القبلتين وهاجر الهجرتين .

إسلامه رضي الله عنه:

كان سيدنا عثمان بن عفان -رضي الله عنه- غنيا شريفاً في الجاهلية وأسلم بعد البعثة بقليل، فكان من السابقين إلى الإسلام. أخرج ابن سعد عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، قال: لما أسلم عثمان بن عفان أخذه عمه الحكم بن أبي العاص بن أمية، فأوثقه رباطاً، وقال: ترغب عن ملة آبائك إلى دين محدث ؟ والله لا أدعك أبداً حتى تدع ما أنت عليه، فقال عثمان: والله لا أدعه أبداً، ولا أفارقه، فلما رأى الحكم صلابته في دينه تركه.

وهو أول من هاجر إلى الحبشة مع زوجته رقيّة بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم “عثمان لأول من هاجر إلى الله بأهله بعد لوطٍ ” وهو أوّل من شيّد المسجد، وأوّل من خطَّ المفصَّل، وأوّل من ختم القرآن في ركعة، وكان أخوه من المهاجرين عبد الرحمن بن عوف ومن الأنصار أوس بن ثابت أخا.

لقب ذي النورين:

لقّب عثمان -رضي الله عنه- بذي النورين لتزوجه بنتيْ النبي -صلى الله عليه وسلم- رقيّة ثم أم كلثوم، فقد زوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته رقية، وهاجرت معه إلى الحبشة الهجرتين، ثم عاد إلى مكة، وهاجر إلى المدينة. ولم يشهد بدراً؛ لأن زوجته كانت في مرض الوفاة فأمره الرسول صلى الله عليه وسلم بالإقامة عندها، وضرب له بسهم، فصار كمن شهد بدراً، ثم زوجه الرسول صلى الله عليه وسلم بعدها بابنته الثانية أم كلثوم، فلما توفيت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لو أن لنا ثالثة لزوجناك”. أخرج البيهقي في سننه، عن عبد الله بن عمر أبان الجعفي قال: قال لي خالي حسين الجعفي: تدري لم سمي عثمان ذا النوريين ؟ قلت: لا، قال: لم يجمع بين بنتي نبي منذ خلق الله آدم إلى أن تقوم الساعة غير عثمان، فلذلك سمي ذو النوريين.

وأخرج ابن عساكر “عن علي رضي الله عنه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لعثمان: لو أن لي أربعين ابنة زوجتك واحدة بعد واحدة حتى لا يبقَ منهن واحدة”.

بيعة الرضوان:

بعث الرسول -صلى الله عليه وسلم- عثمان بن عفان يوم الحديبية إلى أهل مكة، لكونه أعزَّ بيتٍ بمكة، واتفقت بيعة الرضوان في غيبته، فضرب الرسول -صلى الله عليه وسلم- بشماله على يمينه وقال: “هذه يدُ عثمان” فقال الناس: “هنيئاً لعثمان”.

جهاده بماله:

قام سيدنا عثمان بن عفان -رضي الله عنه- بنفسه وماله في واجب النصرة، كما اشترى بئر رومة بعشرين ألفاً وتصدّق بها، وجعل دلوه فيها لدِلاِءِ المسلمين، كما ابتاع توسعة المسجد النبوي بخمسة وعشرين ألفاً كان الصحابة مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في غزاةٍ، فأصاب الناس جَهْدٌ حتى بدت الكآبة في وجوه المسلمين، والفرح في وجوه المنافقين، فلما رأى الرسول -صلى الله عليه وسلم- ذلك قال: “والله لا تغيب الشمس حتى يأتيكم الله برزقٍ” فعلم عثمان أنّ الله ورسوله سيصدقان، فاشترى أربعَ عشرة راحلةً بما عليها من الطعام، فوجّه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- منها بتسعٍ، فلما رأى ذلك النبي قال: “ما هذا ؟”.

قالوا: أُهدي إليك من عثمان فعُرِفَ الفرحُ في وجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والكآبة في وجوه المنافقين، فرفع النبي -صلى الله عليه وسلم- يديه حتى رُؤيَ بياضُ إبطيْه، يدعو لعثمان دعاءً ما سُمِعَ دعا لأحد قبله ولا بعده: “اللهم اعط عثمان، اللهم افعل بعثمان”.

قالت السيدة عائشة -رضي الله عنها-: دخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عليَّ فرأى لحماً فقال: “من بعث بهذا؟” قلت: عثمان فرأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رافعاً يديْهِ يدعو لعثمان.

جيش العُسْرة:

وجهّز عثمان بن عفان -رضي الله عنه- جيش العُسْرَة بتسعمائةٍ وخمسين بعيراً وخمسين فرساً، واستغرق الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الدعاء له يومها، ورفع يديه حتى أُريَ بياض إبطيه فقد جاء عثمان إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بألف دينار حين جهّز جيش العسرة فنثرها في حجره، فجعل -صلى الله عليه وسلم- يقلبها ويقول:” ما ضرّ عثمان ما عمل بعد اليوم ” مرتين.

الحياء:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “أشد أمتي حياءً عثمان”.

قالت السيدة عائشة -رضي الله عنها-: استأذن أبو بكر على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو مضطجع على فراش، عليه مِرْطٌلي، فأذن له وهو على حاله، فقضى الله حاجته، ثم انصرف ثم استأذن عمر فأذن له، وهو على تلك الحال، فقضى الله حاجته، ثم انصرف ثم استأذن عثمان، فجلس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصلح عليه ثيابه وقال: “اجمعي عليك ثيابك” فأذن له، فقضى الله حاجته ثم انصرف، فقلت: “يا رسول الله، لم أركَ فزِعْتُ لأبي بكر وعمر كما فزعت لعثمان؟” فقال: “يا عائشة إن عثمان رجل حيي، وإني خشيت إنْ أذنْتُ له على تلك الحال أن لا يُبَلّغ إليّ حاجته” وفي رواية أخرى: “ألا أستحي ممن تستحيي منه الملائكة”. وأخرج أبو يعلى “عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الملائكة لتستحي من عثمان كما تستحي من الله ورسوله”.

فضله رضي الله عنه:

قال ابن إسحاق: وكان أول الناس إسلاماً بعد أبي بكر، وعلي، وزيد بن حارثة. أخرج ابن عدي وابن عساكر “عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا نشبه عثمان بأبينا إبراهيم”.

دخل رسـول الله -صلى الله عليه وسلم- على ابنته وهي تغسل رأس عثمان فقال: “يا بنيّة أحسني إلى أبي عبد الله فإنّه أشبهُ أصحابي بي خُلُقـاً” وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “مَنْ يُبغضُ عثمان أبغضه الله” وقال: “اللهم ارْضَ عن عثمان” وقال: “اللهم إن عثمان يترضّاك فارْضَ عنه”.

اختَصّه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بكتابة الوحي، وقد نزل بسببه آيات من كتاب الله تعالى، وأثنى عليه جميع الصحابة، وبركاته وكراماته كثيرة، وكان عثمان -رضي الله عنه- شديد المتابعة للسنة، كثير القيام بالليل.

قال سيدنا عثمان -رضي الله عنه-: “ما تغنيّتُ ولمّا تمنّيتُ، ولا وضعتُ يدي اليمنى على فرجي منذ بايعتُ بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وما مرّت بي جمعة إلا وأعتقُ فيها رقبة، ولا زنيتُ في جاهلية ولا إسلام، ولا سرقت”.

وأخرج عن موسى بن طلحة قال: كان عثمان بن عفان أجمل الناس.

قال فيه صلى الله عليه وسلم: “لكل نبي رفيق، ورفيقي -يعني في الجنة- عثمان”. ولما صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً وكان معه أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، رجف الجبل، فقال صلى الله عليه وسلم: “اثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان”.

اللهم اشهد:

عن الأحنف بن قيس قال: انطلقنا حجّاجاً فمروا بالمدينة، فدخلنا المسجد، فإذا علي بن أبي طالب والزبير وطلحة وسعد بن أبي وقاص فلم يكن بأسرع من أن جاء عثمان عليه ملاءة صفراء قد منع بها رأسه فقال: (أها هنا علي؟) قالوا: نعم قال: (أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو أتعلمون أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (من يبتاع مِرْبدَ بني فلان غفر الله له؟) فابتعته بعشرين ألفاً أو بخمسة وعشرين ألفاً، فأتيت رسـول الله -صلى الله عليه وسلم- فقلت: (إني قد ابتعته) فقال: (اجعله في مسجدنا وأجره لك) ؟ قالوا: نعم. قال: (أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو أتعلمون أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (من يبتاع بئر روْمة غفر الله له) فابتعتها بكذا وكذا، فأتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقلت: (إني قد ابتعتها) فقال: (اجعلها سقاية للمسلمين وأجرها لك)؟ قالوا: نعم. قال: (أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو أتعلمون أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نظر في وجوه القوم يوم (جيش العُسرة) فقال: (من يجهز هؤلاء غفر الله له) فجهزتهم ما يفقدون خطاماً ولا عقالاً)؟ قالوا: نعم. قال: (اللهم اشهد اللهم اشهد) ثم انصرف.

الخلافة:

كان سيدنا عثمان -رضي الله عنه- ثالث الخلفاء الراشدين، فقد بايعه المسلمون بعد مقتل سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- سنة 23 هـ، فقد عيَّن عمر ستة للخلافة فجعلوا الأمر في ثلاثة، ثم جعل الثلاثة أمرهم إلى عبد الرجمن بن عوف بعد أن عاهد الله لهم أن لا يألوا عن أفضلهم، ثم أخذ العهد والميثاق أن يسمعوا ويطيعوا لمن عيّنه وولاه، فجمع الناس ووعظهم وذكّرَهم ثم أخذ بيد عثمان وبايعه الناس على ذلك.

بعض إنجازات سيدنا عثمان:

فتح الله في أيام خلافة عثمان -رضي الله عنه- الإسكندرية، ثم سابور، ثم إفريقية، ثم قبرص، ثم فارس الأولى، ثم خـو وفارس الآخـرة، ثم طبرستان ودُرُبجرْد وكرمان وسجستان، ثم الأساورة في البحر ثم ساحل الأردن.

كان عثمان رضي الله عنه إمام المسلمين وخليفتهم في أمور دينهم، فكان يؤم صلواتهم، ويخطب بهم في الجمع والأعياد والمواسم، وهو أول من أحدث المقصورة عند المحراب لحماية الإمام، وذلك بعد اغتيال عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبله وهو يصلي الفجر بالمسلمين.

روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة حديث، وستة وأربعون حديثا. وأتم جمع القرآن الكريم، فنسخ المصحف الذي جمعه أبو بكر الصديق وأحرق ما عداه، وهو أول من أمر بالأذان الأول، وقدم خطبة العيد على الصلاة، واتخذ الشرطة، واتخذ داراً للقضاء.

بداية الفتنة واستشهاد ذي النورين:

حدثت في الفترة الأخيرة من خلافته فتنة، لاختصاصه أقاربه من بني أمية ببعض الولايات، وأجج هذه الفتنة رجل يهودي يدعى “عبد الله بن سبأ” فجاءت الوفود من مصر والكوفة والبصرة، وحاصروا داره ومنعوا عنه الماء، والخروج إلى الصلاة حتى يتنازل عن الخلافة، فرفض، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: “يا عثمان، إنه لعل الله يقمصك قميصاً، فإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه لهم”. وبلغ أصحاب الفتنة أن جيشاً من الشام قادم لنجدته فاقتحموا عليه داره وهو يقرأ القرآن، فقتلوه رضي الله عنه.

من حديث مسلم أبي سعيد مولى عثمان بن عفان: أن عثمان أعتق عشرين عبداً مملوكاً، ودعا بسراويل فشدَّ بها عليه، ولم يلبَسْها في جاهلية ولا إسلام وقال: “إني رأيتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- البارحة في المنام، ورأيت أبا بكر وعمر وأنهم قالوا لي: اصبر، فإنك تفطر عندنا القابلة” فدعا بمصحف فنشره بين يديه، فقُتِلَ وهو بين يديه.

كانت مدّة ولايته -رضي الله عنه وأرضاه- إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهراً وأربعة عشر يوماً، واستشهد وله تسعون أو ثمان وثمانون سنة، ودفِنَ في البقيع رضي الله عنه وأرضاه.