أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمــن الرحيم

الحمد لله رب العالمين الرحمــن الرحيم ملك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين آمين.

بعد أيام قليلة يطل علينا يوم ذكرى المولد النبوي الشريف، تبتهج به النفوس وتنتعش به الآمال في غد أحسن لهذه الأمة الإسلامية المضطهدة ولكافة خلق الله في الأرض. ذكرى رحمة الله التي أرسلها الله سبحانه وتعالى للعالمين في قوله تعالى: “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”.

ذكرى وعيد:

عيد بأية حال عدت ياعيد

بما مضى أم لأمر فيك تجديد

ذكرى تتجدد وتتجدد معها آمال المسلمين وآلامهم، الجرح العميق في فلسطين لا يزال ينزف، ولا تزال الأمة تتألم مما تقترفه الأيدي الآثمة من تشريد وتقتيل وهتك للأعراض في فلسطين وفي غير فلسطين. والضمائر الحية في العالم لا تفتأ تستنكر ما تفعله هذه الأيادي العابثة المجرمة.

منذ أيام قليلة زار رئيس الدويلة الصهيونية أمريكا ووجد هنالك ترحيبا، ترحيبا بشخصه وترحيبا بسياساته وترحيبا بما يخططه من مزيد اضطهاد للمسلمين في فلسطين. هذا جرح ينزف ويؤلم. المسلمون يألمون والأحرار في العالم يلومون ويتألمون معنا، لكن ما يجدي تألم الأحرار؟ ما يجدي لوم اللائمين إذا كانت العصا الغليظة تمكنها قوى عالمية في يد شارون؟ ما يجدي ذلك؟ هل ترعوي وتنزجر القوى الغاشمة الظالمة في العالم؟ أما لهذا الظلم من حد؟ هل يتعلم الجبارون في الأرض من دروس التاريخ أم يزيدون أخطاء وخطيئات على خطيئات، وتزل بهم الأقدام كما زلت الأقدام بأقوام كانوا من قبلهم أعتى وكانوا أكثر نفيرا؟ هل تذكروا أخطاء الماضي؟ أم يتعلم الأقوياء المسيطرون في العالم من دروس التاريخ؟ إن الشعوب الأصيلة مثل الشعوب الإسلامية لا تقاد بعنف بل تستعصي وتقاوم، الشعوب الأصيلة الإسلامية تعتصم بحبل الله عز وجل وتستنصر بقوته وتلجأ إليه. فلينظر ناظر ما يرى، إلى أين تقود الأيدي الباطشة في العالم، الطاغية في العالم، المستكبرة في العالم، إلى أين تقود العالم و إلى أين تقود شعوبها و ماذا تريد!

إن منطق: من ليس معنا فهو ضدنا، تلك الكلمة التي نطق بها رئيس الولايات المتحدة إثر الهجوم الذي ندينه ونستنكره و لا نعترف به ولا نتخذه أسلوبا لنا للتعامل مع الناس. في 11 شتنبر من سنة 2001 وقع الهجوم على حرمات مات فيها آلاف من الناس. من فعل ذلك؟ من قام بتلك الجريمة الشنعاء؟ نحن نستنكر ونحن نلجأ إلى الله عز وجل من آثام الآثمين لكن هل يستدعي هذا أنننطق بهذا الحكم القاطع السافك من ليس معنا فهو ضدنا؟ إن الأيدي الماسكة بالسلاح القوي، وما تنتجه الصناعات المتطورة في العالم من آلات حرب وآلات استخبار، وما تتوفر عليه القوى العظمى من وسائل تمويل تخول لها أن تضغط على الشعوب المسكينة المستضعفة، فتقهرها عسكريا وتحيط بها اقتصاديا وتنزف من مواردها ماتنزف وماتستنزف.

إن قيمة الحضارات لا تقاس بما عندها وبما تتوفر عليه من أموال و سلاح، إنما تقاس قيمة الحضارات بما تعطيه وبما توفره للإنسان من حرمة وسعادة وهناء وأمان. إذا عم خير الحضارة بني الإنسان فتلك الحضارة المثلى. أما إذا كانت هذه الحضارة تبيح وتنتج تفاوتا طبقيا في العالم ( يموت ثلاث أرباع أو أكثر من سكان العالم جوعا بينما تتمتع الأقلية من بني الإنسان ببحبوحة من العيش ورغد) فهي حضارة مريضة، مريضة من غياب القيم الأخلاقية عن آفاقها.

يخيل للناظر والمتأمل أن الحضارة الغربية في أمريكا وأوربا ومن ينحو نحوهم، قد تخلت عن روحها، قد فقدت روحها، تخلت النصرانية عن روحها رغم الجهود المستمرة للراحل جون بول يوحنا بولس الثاني الذي حاول أن ينفخ فيها روح التسامح وروح النصفة وروح العدل وروح الإنسانية فما أفلح، وإن ظهر في حفلات دفنه وفود غزيرة من الناس تبكي على البابا الرحيم، على البابا الحليم، إن كانت هذه الانتفاضة، فإن ما يأتي بعد ذلك هو المعتبر لا التأثر بموت رجل كان يملأ العالم كلاما ومضى وانتهى.

ثم إن هنالك نصرانية أخرى متصهينة، هذه النصرانية المتصهينة تتجبر في الأرض و تمد العصا الغليظة لشارون وأمثال شارون.

إن حاجة الإنسانية ماسة لرحمة تنسي الإنسان المضطرب شقاءه في الدنيا وضياعه وجفافه الروحي. إن الإنسان في عصرنا كما هو الحال في كل عصريحتاج إلى من يوقظه و ينبهه إلى قيمته الأبدية، الإنسانية محتاجة إلى من ينبهها إلى أن لها خالقا واحدا، وأن هذا الخالق يأمر بالعدل ويأمر بالإحسان، يأمر بالعدل ويأمر بالنصفة مع المسلم وغير المسلم.

الظلم ظلمات يوم القيامة كما قال الرسول الرحيم صلى الله عليه وسلم الذي نحتفل بذكرى مولده صلى الله عليه وسلم بعد أيام. هذا الرسول الكريم الذي بعثه الله رحمة للعالمين تتمثل رحمته في تذكيره الإنسان بقيمته الأبدية بما ينتظره بعد الموت، عندما يعرض على الله عز وجل وتعرض أعماله ويحاسب هل عمل صالحا في الدنيا؟ هل أحسن إلى البائس المسكين؟ هل أنفق من ماله للمسكين والفقير؟ هل ظلم؟ هل اعتدى؟ هذا يحاسب عليه الإنسان كل إنسان فردا فردا، وتؤاخذ بالظلم الأمم والشعوب، يهلك الشعب الظالم كله لأن فيه أفرادا ظالمين. إن بطش ربك لشديد. إن الله عز وجل يمهل الظالم ولا يهمله.

الإنسانية في حاجة، الإنسان الفرد في حاجة إلى من يخاطب فطرته ويوقظها من سباتها ومن غفلتها ومن جهلها لما ينتظرنا بعد الموت. إن الله عز وجل خلق الإنسان -هو الخالق- وابتعثه في الدنيا لكي يبتليه ولكي يختبره أيكفر بالله عز وجل ويتنكر لأمره ويظلم ويعتو ويفسد فيها أم يصلح ويأسو الجراح ويتحنن على الضعيف المسكين البائس، الحضارة الغربية المادية في حاجة إلى من يبعث إليها، وإلى من يوصل إليها، الرسالة المحمدية الشريفة. الله عز وجل يقول كما بلغنا الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: ” يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا”. فإذا تظالمنا فقد عصينا الله، وإذا عصينا الله فالجزاء آت. قال الله تعالى في القرآن الكريم: “وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا”. الظلم جزاؤه هلكة الشعوب الظالمة، ولو كان فيهم ظلمة يحكمون و سكتت هذه الشعوب فيهلك الجميع.

حقوق الإنسان كما علمناها الإسلام لا تقف فقط عند ضمان حقوق الأرض و حقوق الدنيا والمعاش، بل تمتد إلى حق الإنسان في معرفة معنى وجوده في الدنيا لماذا هو في الدنيا؟ وهل بعد الموت من أمر؟ ماذا بعد الموت؟ هذا لا تجيب عنه الأديان غير الدين الإسلامي، لا تجيب عنه الفلسفات المادية ولا الروحانية ولا غير ذلك.

كيف نتجاوز مآسي العالم؟ كيف نأسو جراح الإنسان؟ تحدثنا آنفا عن الجرح المؤلم في فلسطين، لكن الإنسان العصري الحديث مجروح، مجروح في قيمته، جُهّل بقيمته، لايعرف لماذا هو هنا في الدنيا، وتلهيه ملهيات العالم ومخترعات العالم من وسائل اللهو واللعب والرقص والغناء والمناظر والسينما والتلفزة ووسائل أخرى تلهيه عن نفسه فلا يسأل نفسه إلى أين يمضي. كذلك الحضارة المبنية على جهل مصير الإنسان تؤول بأهلها إلى الهاوية.

وليس إلا الإسلام من يخبر الإنسان بما أعطاه الله عز وجل من قيمة.

ليس غير الإسلام من يعلم الإنسان قيمته الآدمية. قال الله تعالى: “ولقد كرمنا بني آدم”. كرمك الله عز وجل فأنت إما تعمل وفق هذا التكريم الإلهي، وإما تعرض عنه وترضى بحياة حيوانية دوابية غابوية يأكل فيها القوي الضعيف. أنت في الخيار أيها الإنسان! ارجع إلى ربك. كيف ذلك؟

طلب إلي إخوتي الذين نظموا وهيأوا هذا الجمع الحافل أن أتحدث لهم عن الصحبة. إنه إن لم تجد في طريقك أيها الإنسان من يأخذ بيدك بقوة، و بشدة، ورحمة، وينبهك، يقول: أيها الإنسان! إنك غافل. أيها الإنسان! إنك راجع إلى ربك. أيها الإنسان! إن هنالك رسولا اسمه محمد صلى الله عليه وسلم وخاتم النبيئين، ما جاء لكي ينكر من سبقه من رسل عليهم جميعا صلوات الله وسلامه، لكن جاء ليتمم مكارم الأخلاق، وليتمم الرسالة الإلهية التي بدأت من سيدنا نوح وسيدنا موسى وسيدنا عيسى وسيدنا إبراهيم قبل ذلك فسيدنا إسحاق فسيدنا يعقوب فسيدنا إسماعيل عليهم الصلاة والسلام حتى وصلت الرسالة إلى الخاتم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. ما هي هذه الرسالة التي جاء بها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؟

إنها رسالة حية عاشها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، لذلك يرى غيرنا تمسك المومنين والمومنات بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، يقتفون أثره ويستطلعون مكامن القوة ومكامن الرحمة في سيرته العطرة. هذا معنى الصحبة: جيل بعد جيل يخبر الناس بأنه كان هنالك رسول رحمة للعالمين. ثم إن هذا الرسول خلف فينا -بعد من يبلغ، بعد من يرث الدعوة جيلا بعد جيل من صالحي هذه الأمة- كتابا من ربنا هو القرآن الكريم. هل قرأنا هذا القرآن هل علمنا أنه كتاب من ربنا عز وجل؟ هل احتفلنا به؟ هل اهتممنا به أم نبذناه ظهريا؟

تمضي هذه السويعة التي نجلس إليكم فيها ويُنسى ما قلنا: محمد صلى الله عليه وسلم. القرآن كلام الله عز وجل. الصحبة لابد منها، تدلك على ميراث النبي صلى الله عليه وسلم، وتدلك على كتاب ربك عز وجل، وتوقظك بلمسات خفيفة حنون. ما أرسل الله عز وجل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إلا رحمة للعالمين، فلنكن رحماء ننبذ العنف و ندعو الناس باللطف، ونبدي المحبة ونبطنها، المحبة للإنسان، العطف على الإنسان، الرحمة بالإنسان. نعوذ بالله عز وجل من الذين يبطشون بالأبرياء، الذين يقتلون، والذين يحرقون، والذين يفجرون أنفسهم ليقتلوا الأبرياء!

هذا وأصلي وأسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.