مقدمة:

الحمد لله الذي نعمته تتم الصالحات … والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد وآله الطيبين صحابته الأكرمين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ..

أما بعد .. فهذه رسالة مقتضبة في “فن التجويد” للتذكير بموضوع لم يأخذ حقه المستحق من الاهتمام في المكتبة القرآنية التجويدية في الجانب المتعلق بـ: “فن التغني” منها.

ضرورة هذا الفن:

ربما يتساءل متسائل: أما قواعد التجويد وأحكامه، فنحن نعرف ضرورتها وأهميتها وفائدتها، وغايتها .. ولكن ما هي ضرورة وأهمية وفائدة وغاية معرفة وتعلم “فن التغني”؟ أليس القرآن الكريم كلام الله جل وعلا؟ أليس فيه الحق كله، والجمال كله، والحسن كله، والجودة كلها؟ فما حاجته إلى من يزينه أو يحسنه أو يجمله؟

وإجابة على هذا السؤال نقول: لقد ذهب بعض العلماء في هذا الاتجاه، فأولوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “زينوا القرآن بأصواتكم” تأويلا مفاده أن المراد هو: “زينوا أصواتكم بالقرآن”. وكان مرادهم من هذا التأويل نفي حاجة القرآن إلى التزيين.

ولسنا نرى مبررا لهذا التأويل من جهتين:

الجهة الأولى: إن القرآن الكريم هو كلام الله تعالى المنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم وفيه الخير كله، والحق كله، والجمال كله، وهو بهذا غير محتاج إلى من يزينه.

الجهة الثانية: إن طريقة عرض الشيء على الناس تؤثر بشكل قوي على تقبل الناس له، بغض النظر عن قيمته؛ فالبضاعة الرديئة تروج وتستهلك إن وجدت لها عارضا خبيرا ذكيا متقنا لفنون العرض والبيع، والبضاعة الجيدة النافعة تبور في يد صاحبها إن كان يجهل قواعد البيع وفنون العرض. ولهذا أثر عن الإمام علي كرم الله وجهه قوله: “عليكم بحسن الخط، فإن الخط الحسن يزيد الحق وضوحا”.

لذلك اهتم صلى الله عليه وسلم بتجويد كلامه تعالى وحث أصحابه والمؤمنين من بعدهم على التغني بكلام الله تعالى أفضل ما يكون التغني حيث يقول صلى الله عليه وسلم فيما رواه الدارمي عن البراء قال: يقول صلى الله عليه وسلم: “حسنوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا”. وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان والنسائي وأبو داود وأحمد والدارمي عن أبي هريرة رضي الله عنه: “ما أذن الله لشيء (أي: ما استمع الله لشيء) ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به”. وروى أحمد وابن ماجة والدارمي عن سعد بن أبي وقاص قال: قال صلى الله عليه وسلم: “ليس منا من لم يتغن بالقرآن”. فجعل عليه الصلاة والسلام التغني بالقرآن شرطا في الانتساب إليه وإلى أمته. وروى الإمام أحمد وابن ماجة عن فضالة بن عبيد قال: قال صلى الله عليه وسلم “لله أشد أذنا  أي استماعا- إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن يجهر به من صاحب القينة إلى قينته”.

وقد كان صلى الله عليه وسلم نعم القدوة، يتغنى بكلام الله تعالى أجمل ما يكون التغني، حيث روى البخاري عن البراء قال: “سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في العشاء الآخرة: “والتين والزيتون” فما سمعت أحدا أحسن صوتا أو قراءة منه”. كما أن الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم أعطانا بعض الموازين نزن بها القراءة، فقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن ماجة عن جابر: قال صلى الله عليه وسلم: “إن من أحسن الناس صوتا بالقرآن الذي إذا سمعتموه يقرأ حسبتموه يخشى الله”.

وكأن ثمرة القراءة أن تورث في قلب القارئ والسامع معا خشية الله.

ألا وإن من أهم ثمرات فن التجويد أن يبعث في قلب المجود والمستمع على حد سواء، خشية الله تعالى بما يتلى من آيات مبشرة منذرة، مرغبة مرهبة، أداتها الصوت الشجي الندي، الذي يصل المستمع بمعانيه كأنه يقف بين يدي ربه وقوف العبد الآبق المقر المعترف. ولعل من نافلة القول بأن القارئ المتخشع يشترك معه المستمع في المعاني القرآنية التي يتدبرها ويتذوقها كأنهما يتلوانه معا ولهذا أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرابطة التي تربط بين القارئ والمستمع حينما قال عليه أفضل الصلاة والسلام فيما رواه الدارمي عن طاوس قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الناس أحسن صوتا للقرآن وأحسن قراءة قال: “من إذا سمعته يقرأ أريت أنه يخشى الله”، وكأن خشية الله، إن حصلت، ظهرت جلية في قراءة القارئ. وكأن حسن صوت يقرأ القرآن، هو ذاك الذي يشيع جوا من الخشوع بقراءته.

وقد سار الصحابة الكرام سير نبيهم عليه الصلاة والسلام، فكانوا يهتمون بهذا الفن ويتأثرون به. فقد روى الدارمي عن أبي سلمة أن عمر بن الخطاب كان إذا رأى أبا موسى قال: “ذكرنا ربنا يا أبا موسى”. فيقرأ عنده. وكأن صوت أبي موسى الجميل، الذي قال عنه الحبيب صلى الله عليه وسلم بأنه أوتي مزمارا من مزامير آل داود، هو الذي يضفي على القراءة صفة التذكير. ذلك أن الصوت الحسن يتسلل إلى أعماق القلب دونما إذن أو مفتاح لأنه هو بذاته مفتاح، وإلا لاكتفى عمر بن الخطاب بقراءته هو نفسه أو بقراءة غير أبي موسى.

شيء من التاريخ

إن إطلالة سريعة على حياة القراء في هذا العصر تفيدنا بأن هؤلاء لم يبلغوا ما بلغوا من قمم الإتقان والجودة والبراعة والإبداع في هذا الفن بالموهبة وحدها، أو بمجرد إتقان قواعد التجويد وأحكامه من معرفة بمخارج الحروف وصفاتها وأحكام المدود ومقاديرها والنون والميم وأحكامهما من إظهار أو إخفاء أو إقلاب …

إن السر فيما وصل إليه أولئك المبدعون  بالإضافة إلى ما سبق- هو إلمامهم الواسع بطرق الأداء الغنائي وتكوينهم الفني، اللذان وظفوهما لخدمة كلام الله جل وعلا. لقد بلغ مشايخ هذا الفن إلى درجة من الإتقان جعلهم مرجعا أساسيا في النغم، وفن الأداء.

فهذا الموسيقار محمد عبد الوهاب  حسب ما يحكيه الأستاذ محمود السعدني في مجلة روز اليوسف عدد 3470 ص 86 “كان يعرض ألحانه على اثنين من كبار المقرئين، أحدهما الشيخ علي محمود، والثاني رجل يدعى الشيخ حسن المناخلي … وكان عبد الوهاب يلجأ إليهما كلما واجهته مشكلة عويصة عند أداء لحن من الألحان”، والشيخ محمد رفعت، وهو أمير المجودين وعميدهم، درس الموسيقى وتعلم قواعدها وأصولها، وحفظ مئات الأدوار والتواشيح والقصائد الدينية. كما كان الشيخ مصطفى إسماعيل يعزف على العود والبيان.

أما روايات إسلام الكثيرين ممن استمعوا إلى أصواتهم على جهلهم باللغة العربية فهي متواترة، ونكتفي منها بما حكاه الأستاذ أحمد البلك في كتاب (أشهر من قرأ القرآن)، ص 14: “… وكانت بالمسجد شرفة علوية كبيرة، كان يجلس بها الأجانب يستمعون إلى صوت محمد رفعت الساحر، وبمجرد انتهائه من تلاوة القرآن كانوا يتسابقون في النزول لتقبيل يده، فمن خلال صوته وعلى يده أسلم الكثير”.

ويقول الدكتور فيكتور سحاب في كتابه (السبعة الكبار في الموسيقى العربية): “إن بين القرآن والنبوغ في فن الموسيقى والغناء العربي أسباب لا تنقطع، إذ إن من فوائد التجويد العميمة أنه يمرن على الارتجال، وامتلاك ناصية السكك المقامية والبراعة في التنقل بينها، وتحسين النطق العربي ومخارج الحروف، والتدريب على إيقاع الكلمة العربية وموسيقاها واجتناب اللحن (…) وتمرين الحجاب الحاجز في أسفل الرئتين للحاجة إلى طول النفس في قراءة بعض الآيات، وبذلك يسيطر المقرئ على صوته ونفسه معا. ويعرف مدرسو الغناء ما للحاجب الحاجز من فضل في اجتناب النشاز واضطراب الصوت وانقطاع النفس”. “والتجويد هو المدرسة الوحيدة التي أنجبت العباقرة في الموسيقى في عصرنا هذا”.

بعد الافتتاح يسبح المرتل بروحه ومعه أرواح المستمعين في سماوات من المشاعر الراقية، متنقلا من مقام إلى مقام، عازفا على أوتار النفس الإنسانية في ضعفها وقوتها، وسموها وانحطاطها، وخوفها ورجائها، وأملها وخيبتها، وإدراكها للمنى وندمها، إقبالها وإدبارها، رغبتها ورهبتها. فكأنك  وأنت تستمع وتنصت لصوت شجي عذب كصوت الشيخ محمد رفعت- تحس بالقرآن يتنزل عليك غضا طريا كأنه يتنزل لأول مرة، يرغبك في الخير، ويرهبك من الشر، يصور لك الجنة فكأنك تراها رأي العين حتى تقبل على ما يقرب منها، ويصور لك الجحيم، فكأنك تلفحك بنيرانها حتى تهرب مما يقربك منها. ويأخذ بروحك إلى أعتاب الحق، تسكب عليها دموع المتاب والمآب، فيغسلها من أدرانها، ويهيؤها لاستقبال رحمات الله ونفحاته، فتكون بذلك قمينة برضاه تعالى.

حتى إذا طهرت روحك، وصفت سريرتك وعزمت عزمة ماضية لسلوك دروب الهدى وسبل الكمال، رجع بروحك من سماوات ربها إلى أرض نفسك، موظفا في الختام مقام الاستهلال  كما سبق- كأنه يقول لك ها أنت أمام ما عزمت عليه في رحلتك العلوية، فاغتنم عمرك، وبادر أجلك، وأخلص عملك. عندها  أي بعد الختام- تحس بالسكينة تتنزل بروحك، وبعزيمة ماضية تشحذ عزيمتك، وأمل بارق ينير بكوكبه ظلمات نفسك … ولا يبقى إلا أن تعزم، وتتوكل على الله.