عن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: سألت أبي علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في جلسائه فقال: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائم البشر، سهل الخلق، ليّن الجانب، ليس بفظ، ولا غليظ، ولا صخّاب، ولا فحّاش، ولا عيّاب، ولا مدّاح، يتغافل عما لا يشتهي، ولا يؤيس منه راجيه، ولا يخيب فيه. قد ترك نفسه من ثلاث: المراء، والإكثار، وما لا يعنيه. وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحدا ولا يعيبه، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما رجا ثوابه. وإذا تكلم أطرق جلساؤه، كأنما على رؤوسهم الطير، فإذا سكت تكلموا، لا يتنازعون عنده الحديث، من تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ. حديثهم عنده حديث أولهم، يضحك مما يضحكون، ويتعجب مما يتعجبون منه. ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته، حتى إن كان أصحابه ليستجلبونهم، ويقول: إذا رأيتم طالب حاجة يطلبها فارفدوه، ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجور، فيقطعه بنهي أو قيام.”

رواه الإمام الترمذي / كتاب الشمائل- ص: 221  224 قال العالم الجليل عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله تعالى: “وفي الحديث الشريف ما لا يخفى من نهاية كماله صلى الله عليه وسلم، ورفقه، ولطفه، وحلمه، وصبره، وصفحه، ورأفته، ورحمته، وعظيم أخلاقه… وكل ذلك مطلوب من المعلم منا الاقتداء فيه برسول الله صلى الله عليه وسلم المعلم الناصح الأمين.

الرسول المعلم/ ص: 31

شروح اصطلاحية للسمات النبوية

 دائم البشر: دائم طلاقة الوجه والبشاشة مع الناس.

 ليس بفظ: ليس بغليظ الكلام ولا جافي القول.

 ولا غليظ: ليس بغليظ الطبع، بحيث يجفوه الناس، بل كان سهل الخلق ليّن الجانب. “ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك” آل عمران/159.

 صخّاب: الصخب هو اضطراب الأصوات وشدتها للخصومة. وصيغة صخاب هنا صيغة نسب في سياق النفي، فهي لنفي الصخب عن حديثه صلى الله عليه وسلم إطلاقا، لا في قليل ولا كثير، على حدّ صيغة “ظلام” في قوله تعالى: “و ما ربك بظلام للعبيد” أي لا ينسب له سبحانه وتعالى الظلم في قليل ولا كثير.

 فحاش: الفحش هو كل ما يشتد قبحه من الأقوال والأفعال.

 عيّاب: لا يعيب الأشياء والناس عامة على سبيل الانتقاص لهم، والازدراء بها.

 لا مداح: لا يبالغ في الثناء، إنما ينزّل الناس منازلهم.

 يتغافل عما لا يشتهي: يظهر الإعراض عما لا يستحسنه من الأقوال والأفعال، تلطفا بأصحابه، ورفقا بهم، وترفعا عن التدخل في كل شيء.

 لا يؤيس منه راجيه ولا يخيب فيه: لا يجعل راجيه آيسا من كرمه وجوده، بل يلبي له رجاءه.

 المراء: الجدال.

 الاكثار: من الكلام.

 أطرق جلساؤه: نظروا إلى الأرض، وأصغوا إليه لاستماع كلامه، مع سرورهم وارتياحهم بحديثه، وذلك من أعلى الأدب والتبجيل للسادة والكبراء.

 كأنما على رؤسهم الطير: كناية عن السكوت والسكون التام. أي يسكنون السكون التام عند كلامه هيبة له وإجلالا، وتعلما واستفادة.

 حديثهم عنده حديث أولهم: من بدأ أوّلا بالحديث منهم فهو المتحدث حتى يفرغ ولو كان أدناهم، ثم يتحدث غيره بعده.

 يصبر للغريب على الجفوة في منطقه…: يصبر عليه في جفاء نطقه وغلظة كلامه وخشونة سؤاله. وقد كان يقع هذا من جفاة الأعراب أهل البادية الذين لم يختلطوا بالناس.

 ليستجلبونهم: يستجلبون أولئك الأعراب إلى مجلسه صلى الله عليه وسلم، ليستفيدوا من سؤالهم له، إذ يسألونه ما يهاب أصحابه السؤال عنه توقيرا له. فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:” كنا نهينا في القرآن أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله، ونحن نسمع.” رواه مسلم.

قال ابن القيم الجوزي رحمه الله تعالى: “وكانوا يوردون على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يشكل من الأسئلة والشبهات، فيجيبهم عنها بما يثلج صدورهم، وقد أورد عليه صلى الله عليه وسلم الأسئلة أعداؤه وأصحابه، أعداؤه للتعنت والمغالبة، وأصحابه للفهم والبيان، وزيادة الإيمان، وهو يجيب كلا عن سؤاله، إلا ما لا جواب عنه، كسؤالهم عن وقت الساعة”. زاد المعاد/ ج:3  ص:121 فارفدوه: فأعينوه أو أعطوه.

 لا يقبل الثناء إلا من مكافىء: لا يقبل المدح إلا من مكافىء على إنعام حصل من النبي صلى الله عليه وسلم له، فهو لا يحب أن يحمد بما لم يفعل عليه أفضل الصلوات والتسليم.

 حتى يجور: حتى يقع في الجور ومجاوزة الحق في كلامه.