في الدولة الإسلامية المتجددة يجب أن توفر للعمال حقوقهم الملموسة التي يحدها الكم والإحصاء والعد مضافة إلى حقهم في التكرمة التي يستحقونها لشرف جهادهم. فتكون الحقوق المعدودة، الكمية، الملموسة، عنوانا عن ذلك التكريم وبرهانا. فيتاح لكل المسلمين الحصول على عمل مثمر، والحصول على التدريب اللازم، بإشراف الحكومة، أو بمبادرة أصحاب المشاريع، والحصول على تعويض للمرض والبطالة القسرية، والحصول على العلاج والمأوى وتربية الأولاد، والحصول على المعاش بعد التقاعد والحصول على ظروف إنسانية حال العمل.

يقتضي هذا أن ينظم الضمان الاجتماعي، وأن تفرض لتمويله ضرائب على الأغنياء إن لم تكف الزكاة تطبيقا للأصل الوارد في الصحيح: “تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم”.

إن التصنيع من شأنه أن يحدث في المجتمع تطورات لها نتائج اقتصادية سياسية تعرض العمال لجور المشغلين. فإن لم تحم الدولة حقوق العمال اضطرب المجتمع وانضر الاقتصاد، واستفحلت فرص الاستغلال الرأسمالي الممقوت.

يجب أن تعطى للعمال حقوقهم الفردية فيما يخص الأجرة العادلة، وظروف العمل، ومؤنة الأسرة، وصيانة الصحة، وتربية المهارة، وترقية المرتبة، وتوقيت الشغل توقيتا يسمح للعامل بالتفرغ لعباداته وحاجاته. لكن هذه الحقوق الفردية لن تضمن ولن يسخو أحد بإعطائها إن لم يكن قانون الدولة ماسكا بزمام الأمر، وإن لم يكن هذا القانون راعيا يقظا للحقوق الجماعية للعمال، معتمدا على يقظتهم وحرصهم على إقامة العدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حيز نشاطهم.

إن اقتصر القانون على تسمية الحقوق الفردية وترك التطبيق لإرادة المشغلين فستؤول النزاعات الفردية بين العامل ومشغله إلى الحل التعسفي الذي يأكل القوي بمقتضاه الضعيف. كان العامل عسيفا، ويكون، تحت كل نظام جاهلي. وتقاس إسلامية الدولة برفعها العسف عن العامل. فكل تنظيم وتقنين يساعد على ذلك فهو من قبيل “ما لا يحصل الواجب إلا به فهو واجب”.