تمهيدالوعظ هو إيقاظ القلوب من الغفلة، وإنقاذ البصائر من الحيرة، وإحياء النفوس من الموت والجهالة. تعتل هذه النفوس فتنزل الموعظة الحسنة البليغة عليها رحمة وشفاء، وتغشى القلوب أغلفة الران، فإذا بالموعظة الحسنة تزيح هذه الأغلفة وتنفذ إلى القلوب، فتلينها وتطهرها، فتخشع وتوجل، ثم تسكن وتطمئن.

فلا عجب إذن أن يجعل الله الوعظ وظيفة أنبيائه ورسله وأصفيائه، ويجعل بعض كتبه المنزلة مواعظ وعبرا، كالزبور مثلا، إذ لا توجد فيه آية أحكام شرعية؛ وأن يسمي القرآن موعظة في كثير من الآيات كقوله تعالى في سورة يونس: “قد جاءتكم موعظة من ربكم”، أو كقوله تعالى في سورة آل عمران: “وهدى وموعظة للمتقين”.

ورغم أن الآيات التي تعالج الجانب التشريعي تحتل مساحة واسعة من كتاب الله تعالى، فإنها لا تساق سوقا جافا تخاطب العقل وتغفل القلب، وإنما تتخللها الموعظة والتذكير، فتصبح هي بدورها موعظة وذكرى.

اعتناء علماء السلف بالموعظةاعتنى العلماء العاملون في هذه الأمة بفن الوعظ عناية بالغة. أحكموا قواعده، وأتقنوا صنعته، فكانوا أطباء للأمة، تعاهدوا فيها خصال الخير والصلاح، وجددوا لها دينها بتجديد الإيمان في قلوبها كلما خبا وضعف. وليقرأ الأخ الكريم  على سبيل المثال لا الحصر- ترجمة الحسن البصري، وعبد القادر الجيلاني، في كتاب “رجال الفكر والدعوة” للندوي، ليرى الأثر البالغ الذي خلفته مواعظ هذين العلمين البارزين في الأمة. وليقرأ كذلك ما كتبه المؤرخون عن مجالس الوعظ التي كان يعقدها عبد الرحمن بن الجوزي ليدرك أهمية الوعظ وفاعليته.

ضرورة إتقان رجال الدعوة لهذا الفنواليوم وقد اعترى الأمة ما اعتراها من انحلال خلقي وخواء روحي وانحطاط فكري، ففقدت صفات العزة والكرامة، والرجولة والشهامة، أصبح لزاما على جند الله الذين انضموا إلى ركب الدعوة للعمل على استئناف الحياة الإسلامية من جديد، أن يتقنوا قواعد الوعظ والإرشاد، وأن يتزودوا بما يتطلبه من زاد، لتكون كلمتهم مسموعة، ودعوتهم مقبولة محبوبة، تفتح لها قلوب غلف وأعين عمي، فينالون شرف الدنيا بإعادة الأمة إلى عزها ومجدها، وشرف الآخرة بنيل رضوان الله تعالى.

لكن موقف الخطابة ليس سهلا، ولا يحسنه من الناس إلا القليل، فينبغي أن يعد له الرجال إعدادا، ويتمرسوا به حتى يتقنوه إتقانا. ونحن وعيا منا بذلك كله وتسهيلا لهذا الغرض سنحاول أن نقدم بين يديك أخي الكريم مجموعة من التوجيهات والنصائح تكون لك سراجا وهّاجا إن شاء الله يضيء لك الطريق ويجليه، حتى تتمكن من تأدية مهمتك في الدعوة على الوجه المطلوب.

الغاية من الموعظة:1- الوعظ السيء:

لقد انتشر في العصور المتأخرة نمط من الوعظ سيئاته أكثر من حسناته، وإفساده أكثر من إصلاحه، وضرره أكبر من نفعه، وسلبياته أكثر من إيجابياته، لأنه يزيد الأمة تنويما بدلا من أن يوقظها، ويفت في عضدها بدلا من أن يشحذ عزائمها، ويجعل منها سائمة تساق للذبح طائعة ذليلة بدلا من أن يحيي فيها معاني الشجاعة والقوة فتثأر لشرفها وكرامتها.

استمع إلى خطباء الجمعة، واحضر مجالس الوعظ والإرشاد، واعجب كيف يتخطى الواعظ والخطيب ما يعيشه الناس من مشاكل، وما يحملونه من هموم، وما هم فيه من عنت وضيق، ليحدثهم عن قضايا وأشياء لا صلة لها البتة بواقعهم المعيش. ليخرجوا منها ما يبرر ظلم الظالم وفساد المفسد، ويمنع الشعب المستضعف المحروم، من أن يقوم بالمطالبة بحقه، مموهين عليهم بأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان فقيرا وكان يسأل الله أن يحشره مع المساكين، وكأن هذا الواقع المزري وهذه الطبقية النكراء، وهذا الظلم في اقتسام الأرزاق، شرع أمرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم. أو كأن الإسلام لم يهدد الراضين بالظلم، القاعدين عن مكافحته بسوء المصير في الدنيا والآخرة. قال تعالى في سورة النساء: “إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم، قالوا: فيم كنتم؟ قالوا: كنا مستضعفين في الأرض. قالوا: ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها؟ فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا، إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم. وكان الله عفوا غفورا” (الآيات: 97، 98، 99).

إنها جريمة لا ينفع فيها اعتذار، جريمة أن يرضى الإنسان بالظلم بحجة أنه ضعيف في الأرض، والقرآن يسميهم ظالمي أنفسهم، حين رضوا لها غير الوضع الكريم الذي أراده الله للناس، ودعاهم إلى تحقيقه بكل ما يستطيعون من جهد.

2- الوعظ الذي نهدف إليه:

عليك أن تستهدف أخي الكريم من خلال موعظتك إيقاد جذوة الإيمان في القلوب من خلال التذكير بالله تعالى وبوعده ووعيده، ومن خلال تذكير الإنسان بنعم الله عليه. عليك أن تسعى إلى حمل الناس على القيام بما فرضه الله عليهم من سعي دؤوب لإعادة الخلافة الإسلامية إلى الأرض وقد غابت عنها. مع أن الإنسان ما وجد على ظهرها إلا لهذه الغاية. قال تعالى في سورة البقرة: “وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة” (آية 30). لذلك يجب التركيز على العمل الجماعي وجعل غاية السامعين من الدنيا العمل الصالح طلبا لرضى الله تعالى.

كما أن الموعظة يجب أن لا تكون جامدة هامدة لا تتطور، بل على العكس يجب عليها أن تكون مسايرة للمراحل التي تقطعها الدعوة وخادمة لأهدافها.

3- زاد الواعظ:

إنك لا تستطيع أخي الكريم أن تكون واعظا ناجحا ما لم تغرف مما يعتبر منبعا للوعظ والإرشاد.

وأول هذه المنابع كتاب الله تعالى، تقبل عليه تلاوة وتدبرا وحفظا لتستخرج من حكمه وأحكامه وقصصه ما لا ينفذ من العبر والعظات، فهو البحر الذي لا ينقضي عجائبه.

وثانيها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، تدرسها بشروحها المعتبرة، وكتاب فيض القدير في شرح الجامع الصغير للمنوي خير عمدة تلتجئ إليه من لم يكن في وقتك متسع أو عاقتك عوائق عن التبحر في علم الحديث الشريف.

وثالثهما سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرة صحابته الكرام، فالتشابه بين الواقع الذي تواجهه الدعوة في الوقت الحاضر والذي واجهته في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم قوي وقريب، وكتاب سيرة ابن هشام وحياة الصحابة خير معينين في هذا الباب.

رابعها كتب الرقائق وهي مؤلفة لهذا الغرض بالدرجة الأولى. وأذكر منها على سبيل المثال الإحياء أو مختصره منهاج القاصدين، وقوت القلوب لأبي طالب المكي، وكتب الحارث المحاسبي (التوهم، الرعاية لحقوق الله، رسالة المسترشدين). وسلسلة محمد أحمد الراشد، وكتاب مدارج السالكين.

وخامسها، الإكثار من الاستماع إلى أشرطة الوعاظ المرموقين المعاصرين.

وسادسها، دراسة كتب الشعر الأمثال، والحكم والبيان لأنه لا يستغني الواعظ عنها لما تضفيه على الموعظة من رونق وجمال.

وقبل هذا وبعده تأتي التجربة والممارسة في الدرجة الأولى، فمهما حوى الإنسان من علوم لا يستطيع أن يقوم بالوعظ خير قيام دون تمرس وممارسة. فعليك أخي الكريم أن تخرق جو الصمت أو جو اللغو في كل جمع ومجلس بمواعظك وأحاديثك، فإن هذا كفيل وحده أن يجعل لمواعظك مع مرور الأيام ما ترغب فيه من أثر.

4- تهييء الموعظة:

إعداد الموعظة قبل الشروع في إلقائها أمر ضروري لئلا نقع في الارتجال الذي قد يؤدي إلى الارتباك والتخبط، وبالتالي تفقد الموعظة غايتها لما اعتراها من تشويش واضطراب. والإعداد يبدأ باختيار الموضوع المناسب للمقام، وتقسيمه إلى عناصره الأساسية، ثم استحضار الشواهد والأدلة المدعمة للأفكار من آيات قرآنية، وأحاديث نبوية، وأقوال مأثورة، وأبيات شعرية، وأمثال مقربة للمعاني البعيدة كي تصير واضحة جلية. وإذا كان الموضوع يتعلق بشرح آيات من القرآن الكريم فينبغي الرجوع إلى التفاسير المعتمدة لاستيعاب ما قاله المفسرون فيها، فإن التفسير بالرأي قد يزيغ بصاحبه. وقد كان أبو بكر رضي الله عنه يقول: “أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله برأيي”.

ونفس المسلك يتخذ مع أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم مع ذكر المخرج لها ورتبتها في الصحة إن أمكن. فقد أفتى العلماء  ومن بينهم الحافظ ابن حجر الهيثمي- بتحريم إيراد الحديث دون عزوه إلى المصادر التي أخرج فيها. ولا يغفل ذكر السند أيضا فإنه من الدين كما يقول المحدثون، وعلى الأخص ذكر الصحابي الراوي للحديث.

ومما يشين الموعظة وصاحبها الاستدلال بالأحاديث الواهية والموضوعة وذكر الإسرائيليات المغرقة في الخيال والمتناقضة مع الواقع أو مع ما جاء في القرآن والسنة. أما حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج فإن منهم الأعاجيب” فإنه مقيد بما يوافق الكتاب والسنة مثل ما حكاه هو نفسه صلى الله عليه وسلم، وفيما حكاه غنية وكفاية.

ومن المفيد أن تحفظ الموعظة ثم تلقيها لا أن تقرأها لأن ذلك يضعف من قوتها ويذهب أثرها في السامعين. والأمثل هو التمرن على الارتجال في الإلقاء بعد استيعاب الموضوع مع عناصره المرتبة في ذهن الواعظ. ويجب تجنب الحفظ الحرفي للموعظة إلا الشواهد والأدلة لأنه إذا نسي أو ارتج عليه تلعثم ودهش وارتبك، وهذا مما يفقد الهيبة والتأثير في نفوس السامعين. فإنه إذا كان الصدق يميز والواعظ الداعي إلى الله من الواعظ الرسمي المتملق، المبرر للمنكر المتتبع للرخص والفار من العزائم، فإن هذا وحده لا يكفي حتى تتساوى عند السامع حجج الاثنين واستشهاداتهما، فيأتي الصدق بعد ذلك مرجحا لكفة الأول واضعا له القبول، مخزيا للثاني فاضحا له.

كيفية إلقاء الموعظة:1- التوجه إلى الله وتحسين النية:

قبل البدء في الإلقاء يتوجه الأخ الكريم إلى الله تعالى منكسر القلب، متبرئا من حوله وقوته وعلمه، سائلا إياه أن يفتح عليه ويلهمه الرشد والصواب في القول، ويعصمه من الخطإ والزلل والعجب والكبر. ويهيء جو الموعظة بتلاوة مباركة من كتاب الله تعالى. ثم يبتدئ باسم الله، فكل عملنا إنما هو لله، هو المقصود وإليه المآل والمرجع. فما لم نبدأ باسم الله ونركن إليه سبحانه ونختتم باسمه ونستمد منه العون فقد أخطأنا الطريق وضللناه، ودعونا إلى أنفسنا ونحن نزعم الدعوة إليه.

2- قلب وعقل:

قلب الواعظ متصل بعقله، فلا ينبغي له أن يتعرض للموقف إلا إذا كان ممتلئ القلب بالإيمان وممتلئ العقل بالمعلومات. لأن الضعف في أحدهما يؤدي إلى الفشل. فعلى الأخ أن يتكلم بتأثر وانفعال من غير اصطناع أو تكلف، لأنه واعظ لنفسه قبل غيره. فقد كان صلى الله عليه وسلم إذا خطب علا صوته، واحمرت وجنتاه كأنه منذر جيش يقول: “صبحكم ومساكم” كما روى ذلك مسلم عن صابر بن سمرة.

3- تقنيات لا بد منها:

على الأخ الواعظ أن تكون إشاراته هادئة، وأن يوزع التفاته على الحاضرين بالتساوي ما أمكن، فلا يتجه كل الوقت إلى جهة معينة، ثم يغفل النظر إلى الجهات الأخرى. ولا يليق به مثلا أن يشير إلى جماعة من الحاضرين وهو يتحدث عن أهل الكفر والنفاق، أو يضرب مثلا منكرا بواحد منهم. كما لا يليق أن يبالغ في نقد العادات الاجتماعية المستقرة عند القوم بما يسيء إلى مشاعرهم، ولا أن يتجاهل أهل الفضل من الحاضرين، أو يسفه أحلام الناس بكيفية يشعر الناس معها بأنه يستعلى عليهم. وليضبط لسانه عن النطق بالفحش، ولتظهر عليه السكينة والوقار، فلا يرى منفعلا غاضبا أثناء الخطبة ثم يراه الناس بعدها لاهيا يرسل الضحكات العالية. فإما أن يكون الأخ نموذجا لما يدعو إليه من جد، وإما أن يعرف بأنه صاحب دعابة، فلا داعي إذن للثورة الكلامية.

4- السمت الحسن:

وعلى الأخ الواعظ أن يعنى عناية خاصة بسمته ومظهره العام، بحيث يكون مثل عامة الناس اعتدالا في المجلس، نظيفا، وليس فيه ما يخالف المألوف من ألوان فاقعة أو أثواب شهرة كاللون الأحمر المنهي عنه شرعا مثلا.

كما أنه لا بد للأخ الواعظ من أن يكون وجهه معمورا بالبشر والأمل أثناء أداء الموعظة، يتحبب إلى الناس ويعطف عليهم دون تصنع أو تملق أو محاباة.

5- بشارة ونذارة:

كما عليه ألا ينسى وهو ينذر أن يبشر، ومع التخويف أن يطمئن، لأن الله جعل آيات القرآن الكريم متداخلة بين الرغبة والرهبة. وقد قال تعالى مخاطبا نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم: “إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا”. (الأحزاب 45، 46). وهذا الوصف الكريم لنبينا صلى الله عليه وسلم إنما ذكره المولى ليتحلى به كل من سار على طريقته وتأسى بفعله إلى يوم القيامة. إذن فليمزج الأخ بين الترغيب والترهيب، فلا يقنط الناس من رحمة الله، ولا يجرئهم على الله بالتقليل من شأن المعصية مهما صغرت، فقد قيل: لا تنظر إلى صغر المعصية وانظر إلى عظمة من عصيت. ولا بأس من التجاء الأخ إلى بعض المستملحات والفكاهات المقبولة إذا لاحظ أن الملل بدأ يدب في الناس.

6- لغة الواعظ:

:مراعاة نوعية الحاضرين أمر ضروري بالنسبة للأخ الواعظ، فإن كانوا أميين تكلم باللسان الدارج، وإن كانوا مثقفين استعمل اللغة الفصحى، وإن كانوا مزيجا بين ذلك يتكلم بالفصحة ثم يعود ليوضح ما قال بالدارجة حتى يفهم الجميع. وليحذر التقعر في الكلام والتفصح، فإن الله يبغض المتفيقهين. وليتجنب الأخطاء النحوية والتعبيرية ما أمكن لأن الأسماع تمجها. وكثير من الناس إنما يزنون المتكلم بمراعاته لقواعد اللغة، فإن رأوه لُحَنَةً لا يلقى لقواعد الإعراب بالا سقط عندهم اعتباره.

7- آفة اسمها الإطالة:

الإطالة آفة من آفات الواعظين، وهي تضر الدعوة أكثر مما تنفعها. ولهذا يلزم التنبيه عليها والتحذير من آفاتها. فكلما طال المجلس كان للشيطان منه نصيب، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه.

والرغبة في الإطالة تنشأ من إحدى العوامل الآتية:

– إعجاب المرء بنفسه، وتصوره أن علمه جديد على الناس، خصوصا إذا لاحظ من بعضهم استحسانا وثناء. وهذا من الغرور.

– حب الشهرة والمحمدة والانشغال بالنفس، وهو من الرياء. ويجدر بالدعاة أن يخافوا على أنفسهم من هذا الشرك الخفي.

– الغفلة والنسيان وعدم تقدير مصلحة الآخرين. وقد يكون التطويل مقصودا من جانب المتكلم لما يظن أن تحقيق المنفعة، أو لأن الموضوع في ذاته طويل ومتشعب. وفي كل ما تقدم على الداعية أن يعلم أن الأمة الإسلامية قد طالت محنتها، وكثر عليها الكلام الذي لم تجن منه إلا القليل/ وقد أًبحت تزهد في كثيره وقليله على السواء. وخير للمرء أن يعرف أشياء قليلة معرفة تامة، من أن يعرف أشياء كثيرة معرفة عامة  ثم إن الطاقة الذهنية محدودة ولا يملكن السامع عادة أن يتابع بانتباه أكثر من 15 دقيقة إلا إذا كان الواعظ ذا مهارة فائقة يستطيع أن يسيطر على لب السامع ولبابه. وهذا نادرا ما يكون، إذ الغالب أن يصيب السامع بعد هذه المدة الإعياء أو الشرود، فيتمنى أن يستريح حتى يجد مشوقا آخر. والكلام في المجال الديني معروف للمسلمين خاصة، ففي كل موضوع ديني جاءت آيات وأحاديث نبوية معينة. والمستمع الذي عاش ثلاثين عاما لا بد أنه سمع هذه النصوص عشرات المرات. فانتبه يا أخي لهذا، وحاول أن تجدد وتتجدد، فإن لم تستطع فعليك أن تجتهد وتختصر.

والأولى أن يحدد الوقت والموضوع من قبل وأن يحترم ذلك بدقة.

وآفة التطويل هذه يلزم تفاديها خاصة في حالتين اثنتين:

أ- في الولائم والمناسبات المقترنة بإطعام الطعام، فقد يؤدي طول الموعظة إضافة إلى تجويع الحاضرين إلى إفساد أنواع من الطعام مما يسبب حرجا لربات البيوت، لا يمكن معه إلا أن يصِمن الواعظ بثقل الطبع.

ب- في المساجد في أوقات الصلاة، فكم من حاضر لم يأت المسجد إلا بنية أداء صلاته، ينتظره بعدها شغله أو موعد قيد به نفسه أو غير ذلك من الحالات. فلا هو يغادر المسجد وقد آذن المؤذن، والخروج بعد الآذان من المسجد قبل الصلاة منهي عنه، ولا هو يرتاح للوعظ أو يجد الخشوع بعده للصلاة. وفي مثل هذه الحالة  إجبار المصلي على البقاء طويلا في المسجد لأجل الصلاة- توعد رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل من أن يكون فتانا.

8- الاقتصاد في الوعظ:

سمى الإمام النووي رحمه الله بابا من أبواب كتابه رياض الصالحين، “باب الوعظ والاقتصاد فيه” ولله درُّه.

فإن الإكثار من المواعظ قد يؤدي إلى الملل. فلابد من تحين الفرص التي تكون القلوب فيها مهيأة للإنصات والاستماع والاستفادة لما يتطلبه الموقف من التزام الصمت والجلوس والقيام في مكان محدود ومزدحم. وقد يكون في المجلس الأطفال والضعفاء، وقد يكون الجو شديد الحرارة أو شديد البرودة فيتأذى الناس من كل ذلك.

فالناس إذا كانوا مثلا في حالة تعب بالغ، أو كانوا جائعين أو غلب النوم عليهم، لا يتجاوبون مع الواعظ ولا يستمعون إليه.

لذا يجمل بالواعظ أن يتحرى الوقت الملائم لموضوعه، والزمن الذي لا يشق على السامعين الحضور فيه.

أخرج الإمام النووي في الباب المذكور آنفا، عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: كان ابن مسعود رضي الله عنه يذكرنا في كل خميس مرة. فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن. لوددت أنك ذكرتنا كل يوم فقال: أما إنه يمنعني من ذلك أكره أن أملكم، وإني أتخولكم بالموعظة كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخولنا بها مخافة السآمة علينا”. متفق عليه. (يتخولنا = يتعهدنا).

9- التجاوب مع الحاضرين ومع همومهم:

مما يزيد موعظتنا قيمة ونفاسة، فتعمل في عقول وقلوب الناس ما يطلب منها، إثارة أذهان السامعين بذكر الوقائع والأحداث اليومية الملفتة للنظر. فإنهم بذلك ينفعلون معها أكثر مما ينفعلون مع القصص الغابرة. ولا شك أن ظروف الإحياء تفرض على الناس كل يوم أنواعا من القضايا التي تهمهم وتستولي على مشاعرهم. لذا كان لزاما على الأخ الواعظ أن يكون متجاوبا مع الناس تماما لأنه واحد منهم.

وإذا عرض لأمر جديد، فإن عليه أن يتصور ما سيتحرك في نفوس السامعين من الاعتراضات، والتساؤلات فيه، وأن يضمن حديثه جوابا عليها، كأن يقول مثلا: وهنا يجوز لسائل أن يسأل عن كذا … ونحن نجيبه بكذا … إلخ. فهذا الأسلوب يشفي الصدور، ويدل على ذكاء وفطنة، ويوفر وقتا كان يمكن أن يضيع في جدل كثير.

ومن طرق الإقناع أن نتدرج بالسامع من المعلوم إلى المجهول، أي من الحقائق المقررة إلى ما يراد تثبيته في الأذهان.

10- كسب الود قبل بذل النصح:

لا ينبغي أن يبدأ الواعظ حديثه بالاصطدام مع الآارء والمعتقدات المستقرة عند الناس. (كمسألة المفاضلة بين جماعتين أو مذهبين أو عالمين مثلا). ويمكن أن يساق الكلام حكاية عن الآخرين حتى يظل الناقل في المكان الأمين.

ومعلوم أن الجدال والمراء لا يأتيان بخير. فإذا استدرج المتحدث إلى شيء من ذلك فلينتبه لما يراد به، وعليه أن يختار الموضوعات التي تنأى به عن مثل هذه الأمور.

على الواعظ أن يتفادى الإحراج، والمقصود بالإحراج هنا هو أن نضع شخصا أو جماعة أمام مشكلة صعبة الحل بالنسبة إليه أو إليهم، فيجدون أنفسهم في حرج من القيام بأي تصرف. فلا يبنغي للداعية أن يورط السامعين في شيء من ذلك. ولا يكلف أحدا بعمل أو بتضحية دون اتفاق سابق معه، حتى يكون مستعدا لما يراد منه، أو مصدقا لما قيل عنه.

11- كيف تختم الموعظة:

على الأخ الواعظ أن يعود في آخر موعظته ليخلص ويركز ما سبق أن فصله أثناء كلامه بشكل موجز مختصر. وهذه الطريقة نافعة جدا لأنها تمثل الانطباع الأخير الذي يحمله السامع معه. والتلخيص الأخير يزيده علما بما فات، ويذكره بما نسي، ويجمل له ما كان مفصلا، فيقول الأخ مثلا:

لقد عرضنا عليكم موضوع كذا … وكذا.

وقلنا فيه كذا .. ثم انتقلنا إلى كذا ..

وخرجنا بالنتيجة الأخيرة .. وهي تشمل أربع نقاط (مثلا)، أولها .. وثانيها .. وثالثها .. ورابعها .. ثم يختتم حديثه شاكرا للجميع حضورهم وإصغاءهم قبل أن ينهي بالدعاء دون الإطالة فيه كذلك، فقد “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحب الجوامع من الدعاء، ويدع ما سوى ذلك”. رواه أبو داود بإسناد جيد عن عائشة رضي الله عنها.

على الأخ الواعظ أن يسيطر على الحفل، والمراد بذلك أن تكون طريقة كلامه وحدها هي تقطع الهرج في الاحتفالات العامة، وتحمل الحاضرين على الإصغاء والانتباه، وألا يحتاج في إسكات المستمعين إلى تلاوة آيات في الزجر أو إصدار أوامر، إنما يكون قادرا على أن يملك ناصية الموقف بقوة الشخصية وحسن التصرف، وهذا مما يحتاج للتدريب واعتياد المواقف الخطابية.

استثمار الموعظة:بعد الموعظة يجب البحث عما إذا كانت الدعوة قد أفادت واستفادت. وذلك بالمتابعة، فإذا افتقدت المتابعة ضاع الجهد كله.

ومن أمثلة ما يعمل به الدعاة في هذه المناسبات، التعرف على النابهين من الحاضرين. فمن السهل إدراك مدى تأثر بعض الحاضرين وتجاوبهم مع الواعظ. فهؤلاء ينبغي الاتصال بهم والتعرف عليهم لكي تنشأ أخوة معهم فيما بعد.

خاتمة:أما بعد: فهذه نصائح وتوجيهات إن توفرت كانت الموعظة ناجحة معطاءة، وكانت أجواؤها مشبعة بالبشر والأمل، وإن غابت فإنه لا محالة سكون لذلك انعكاس سيء عليها.

نسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه، وأن يجعلنا وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.