بعد شهور قليلة من غزو اليهود للبنان، وتدميرهم أحياء المسلمين في عاصمتها، وذبحهم إياهم، واحتلالهم الأرض، ظهر الأثر العميق لذلك الغزو في اقتصادي لبنان، إذ غزت بضائع اليهود سوق لبنان، وغزت أسواق العرب من خلال لبنان.

وكان اليهود حريصين في عقد صلحهم مع حكام مصر على “تطبيع” العلاقات. وتعني الكلمة أول ما تعنى التبادل التجاري الذي بواسطته يأكل الأقوى الأضعف، يأكل الاقتصاد اليهودي النشيط اقتصاد مصر المتخلف.

الهزيمة الاقتصادية مقترنة لا تنفك عن الهزيمة العسكرية والحضارية. وبقياس العلل والنتائج بعضها على بعض نجد هذا الدرس في الحديث الشريف الذي رواه الإمام أحمد وأبو داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة على قصعتها”. قال: قلنا يا رسول الله أمن قلة بنا يومئذ؟ قال: “أنتم يومئذ كثير. ولكن تكونون غثاء كغثاء السيل. تنتزع المهابة من قلوب عدوكم، ويجعل في قلوبكم الوهن” قال: قلنا: وما الوهن؟ قال: “حب الحياة وكراهية الموت”.

تداعى الأكلة علينا يعني الاستعمار والاحتلال الاقتصادي. والوهن الذي هو حب الدنيا وكراهية الموت سبب للهزيمة العسكرية كما أن حليفه حب الراحة وكراهية العمل سبب للهزيمة الاقتصادية.

روى أبو داود بإسناد حسن عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل ذات يوم المسجد، فإذا هو برجل من الأنصار يقال له أبو أمامة جالسا فيه. فقال: “يا أبا أمامة! مالي أراك جالسا في المسجد في غير وقت الصلاة؟” قال: هموم لزمتني وديون يا رسول الله! قال: “ألا أعلمك كلاما إذا قلته أذهب الله عز وجل همك، وقضي عنك دينك؟” فقال: بلى يا رسول الله! قال: “قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من البخل والجبن، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال”. الاستعاذة من الكسل ورفاقه واردة في الصحيح في غير هذا الحديث.

لاشك أن اللجأ إلى الله عز وجل بالدعاء المبارك سبب متين. لكن الله عز وجل واضع الأسباب يذهب الهم ويقضى الدين بتيسير أسباب الكسب لا بإمطار الذهب والفضة والمتاع من السماء. وجه النبي الكريم صلى الله عليه وسلم صاحبه المشتكي ليطلب من الله تعالى رفع الكسل ورفاقه، لم يوجهه بذلك إلا للتشمير وعقد العزم على إمساك الأمر بجد ونشاط وشرف.

أخرج ابن الجوزي أن عمر رضي الله عنه كان إذا رأى غلاما فأعجبه سأل: هل له حرفة؟ فإن قيل لا، قال: سقط من عيني! وذكر ابن الجوزي عنه رضي الله عنه أنه قال: ” لأن أموت من سعي على رجلي أطلب كفاف وجهي أحب إلي من أن أموت غازيا في سبيل الله “.

علمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن السعي على العيال عبادة، وشرف للعامل، وحث على الكسب. فلم يكن هناك عندهم تمييز بين الجهادين، جهاد الكسب وجهاد العدو. جاء في ترجمة سعد بن معاذ في “الإصابة” عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسعد: “ما هذا الذي أرى بيدك؟” فقال: أثر المسحاة، أضرب وأنفق على عيالي فقبل النبي صلى الله عليه وسلم يده، وقال: “هذه يد لا تمسها النار!”.

في دولة الإسلام المتجددة يجب أن يشرف العامل، ويحبب إلى النشء العمل اليدوي المنتج، جنبا إلى جنب مع المهارات الفكرية العلمية. بل يجب أن يحارب الميل إلى العادات الاسترواحية التي يفضل أصحابها المعاش الرخو المترفع عن الكد والمعاناة والصبر الطويل. ذلك أن الانتصار في معارك التصنيع والزراعة يطلب من الخشونة وشدة المراس نظير ما يطلبه الانتصار العسكري.

جهاد البناء شقيق جهاد السيف، يرضعان معا من خصال الشجاعة التي تذهب الوهن، وحب الشهادة الذي يذهب الخوف من الموت، وشرف اليد التي تضرب بالمسحاة تنفق على العيال فيموت الكسل.

دماء الشهداء، حبر العلماء، نفس الصالحين، زفرات الواعظين، إرشاد المربين، عرق العاملين وأيديهم الشريفة، نشاط المتاجرين والصانعين، أمانة الإداريين، تدبير المسيرين، حكمة أمراء المسلمين. كل أولئك بناة.

نقرأ كثيرا في السيرة النبوية عن المغازي النبوية، والإنجازات القتالية. لكن قليلا ما نتسمع إلى ذلكم التاريخ المجيد لنستطلع أخبار الغادي والرائح في مهنته، أخبار العمل الاقتصادي.

أوردنا في رأس هذا الفصل كلمة ابن القيم عن نشاط رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمور معاشه. ونكمل هنا الصورة إن شاء الله.

كان أبو بكر رضي الله عنه تاجرا بزازا يسافر في التجارة مثلما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل البعثة. وكان عمر يتجر، وعثمان، وخديجة أم المؤمنين، والزبير، وعبد الرحمان بن عوف، وما لا يحصى غيرهم. وكان في المدينة أسواق تعج بالنشاط الاقتصادي والتجاري. فكانت متاجر الحبوب والتمر تسوق منتوجات البلد، وكان البزازون، والعطارون والقائمون على الميزان، والصرافون، والحدادون، والرماحون، وتجار الأسلحة، والعشابون وهم صيادلة الوقت، والخرازون، والدباغون، والنساجون، والسماسرة، والخياطون، والنجارون، والصاغة صناع الحلي، وصناع الأقداح من الخشب، وصناع الفخار، والنقاشون، وبائعوا الدهن والسمن، والبناؤون. وكان النساء يساهمن بنصيبهن الكامل في ذلك النشاط.