كلما نوقش موضوع الانكسار التاريخي إلا وظهر بجلاء تباين مواقف المسلمين من التعامل مع هذه الفترة الحرجة من تاريخنا ومن قراءة الخلافات التي نشبت بين الصحابة خلال تلك الفتنة الكبرى.

” ترى بماذا نفسر هذا التباين ؟

” كيف نقرأ تاريخنا بسلامة صدر وطمأنينة تؤهلنا للاستفادة منه في بناء مستقبلنا ؟

روى الإمام أحمد بإسناد صحيح عن النعمان بن البشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ثم تكون ملكا عاضا فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون ملكا جبريا فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ثم سكت”.

هذا حديث البشارة الذي تحدث فيه صلى الله عليه وسلم عن الدورة التاريخية التي ستمر منها الأمة الإسلامية: نبوة موصولة مباشرة بالوحي، خلافة راشدة مرشدة هي نيابة عن النبوة وامتداد: “كان الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم يتدافعونها ويحزنون خوف المسؤولية عند الله العزيز العليم، لا جرم أن تنبثق عن هذا التسامي الإيماني دولة قرآنية هي الامتداد الطبيعي لحكم النبوة ونظام النبوة وجهاد النبوة وأخلاق النبوة”(1).

ورغم أن مقتل سيدنا عثمان كان بداية الفتنة ووهن الأمة بما ترتب عنه من نتائج تاريخية أخطرها مقتل الإمام علي كرم الله وجهه، إلا أنها ظلت خلافة راشدة بشهادة من لا ينطق عن الهوى.

ثم كانت الضربة التي شجت رأس الأمة لانتقاض عروة الحكم، طوق من الاستبداد والعض لفت به رقاب الخلق إلى أن انضافت إلى ويلاتنا مصيبة الحكم الجبري فما استيقظنا إلا ونحن كقعصة يتداعى إليها الأكلة من كل حدب وصوب: فرقة وشتات، ضعف ووهن، خنوع وسلبية…

فأنى لنا بموعود رسول الله والحال هاته ؟ كيف السبيل إليه ؟ من أين البدء وكيف ؟

إن أول خطوة نحو وصف الدواء هي معرفة الداء، فلا مناص لنا من الوقوف مع تاريخنا وقفات طويلة متأنية مستبصرة معتبرة، ليس القصد منها اللمز والخوض والخدش في مكانة الأشخاص بقدر ما الغرض منها الوقوف على مكان الضعف والخطأ لنستفيد منها في واقعنا ونحن نستشرف بشارة رسول الله.

لكن هذا قد يتعسر إن لم نقل قد يستحيل في غياب مبادئ ومحددات لابد لقارئ تاريخ تلك الحقبة من التزامها واعتبارها.

في هذا الباب كتب الأستاذ محمد بن المختار الشنقيطي كتاب: “الخلافات السياسية بين الصحابة رسالة في مكانة الأشخاص وقدسية المبادئ”(2) وهي رسالة نفيسة فيها من العلم والفائدة في هذا الباب ما لا يمكن تجاوزه..

حرص الكاتب في هذه الدراسة على: “تبني فكرة الإمكان التاريخي، وهي فكرة تنطلق من أن الصيرورة التاريخية  بما هي فعل بشري إرادي  حبلى بالاحتمالات دائما. وما يتحقق في واقع الحياة، ليس هو كل الممكن، بل هو جانب من إمكانات شتى، رجَّحت ظروف الفعل البشري ظهوره. وبذلك تكون فكرة الإمكان التاريخي أداة منهجية فعالة، يتبين من خلالها الفارق بين ما كان، وما هو ممكن، ويصبح التقييم متاحا، استنادا إلى ذلك الفارق.

لكن “الجبرية الأموية” و”الكربلائية الشيعية” لا تزالان سائدتين في دراسة تاريخ صدر الإسلام، وهما وجهان لفلسفة واحدة، تنطلق من أن ما كان هو حدود الإمكان، وأن لا مجال للنقد أو المراجعة. وبسيادة هذين المنهجين ضيع الفكر الإسلامي فكرة الإمكان التاريخي، وعطل العقل المسلم نفسه في دراسة تاريخه..”.

نقتطف لكم منها فقط بعض المبادئ التي اعتبرها الكاتب قواعد منهجية في التحليل التاريخي والتي استقاها مؤلف الكتاب المذكور من كتابات ابن تيمية السياسية. وهو في كتابه يشرح لماذا اختيار ابن تيمية؟ فيقول:

 لأن جهد شيخ الإسلام متميز من حيث الكم. فهو كتب في مناقشة الخلافات السياسية بين الصحابة رضي الله عنهم ما لم يكتبه غيره…

 وهو متميز  كذلك – من حيث الكيف. فقد استطاع شيخ الإسلام إلى حد كبير أن يجمع بين الدفاع عن مكانة الصحب الكرام رضي الله عنهم، والدفاع عن قدسية المبادئ الإسلامية الجليلة. وهذه معادلة أعيت كثيرين.

 ولأن كثيرين ممن ينتسبون إلى مدرسة شيخ الإسلام  في هذه الأيام – ويعلنون تبني منهجه في هذا الشأن، لم يدرسوا ما كتبه في هذا الأمر دراسة استقرائية مستوعبة، ولم يدركوا خاصية الاتزان والاعتدال التي اتسم بها منهجه. فاشتط بعضهم في مجادلاته مع الشيعة، ودافعوا عن الحق بباطل حينا، وقدموا صورة شوهاء للمبادئ السياسية الإسلامية أحيانا، حرصا منهم على الدفاع عن أشخاص الصحب الكرام.

 ولأن شيخ الإسلام نفسه حذر من هذا الأسلوب في المناظرة، وانتقد الذين استفزتهم الخصومة مع الشيعة »فقابلوا باطلا بباطل، وردوا بدعة ببدعة«(3) وأدرك مخاطر هذا المنهج على الحق وأهله من خلال متابعاته للجدل الدائر بين المسلمين وأهل الكتاب، فقال: »إن أهل الكتاب لبسوا الحق بالباطل بسبب الحق اليسير الذي معهم & وكثيرا ما يعارضهم من أهل الإسلام من لا يحسن التمييز بين الحق والباطل، ولا يقيم الحجة التي تدحض باطلهم، ولا يبين حجة الله التي أقامها برسله، فيحصل بسبب ذلك فتنة«(4).

 ولأن ابن تيمية ميز بين الخلافة والملك بوضوح لم يسبقه إليه أحد، وأعلن أن »خبره [صلى الله عليه وسلم] بانقضاء خلافة النبوة فيه الذم للملك والعيب له«(5) وأن الملك »متضمن ترك بعض الدين الواجب«(6) ورفَض تفسير الاستخلاف الذي وقع من أبي بكر وعمر بما يخدم فكرة توريث السلطة كما سنرى فيما بعد.. وذلك هو الفصل بين المبدأ والشخص وبين الوحي والتاريخ الذي نقصده.

 وقد بين ابن تيمية منهجه في تناول مسائل الخلاف التي مزقت الأمة، وهو منهج أساسه العلم والعدل. ودعا المسلمين إلى انتهاج هذا النهج.”

هذه القواعد أصول كلية يرى الكاتب ضرورة التزامها أثناء دراستنا للخلافات السياسية بين الصحابة رضوان الله عليهم وهي اثنى وعشرين قاعدة، رتبها كالتالي:

1. التثبت في النقل والرواية: لقد أهمل بعض السلف هذا الموضوع حتى امتلأت أخبار تلك الحقبة بما ضعف ووهن من أحاديث وأخبار لذا وجب الحرص على التزام صحة النقل في الروايات المتعلقة بحياة الصدر الأول.

2. استصحاب فضل الأصحاب: ويكفيهم فضلا وقدرا أنهم صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فما يبلغ أحدنا مد أحدهم ولا نصيفه، لكنهم كسائر البشر لهم أخطاؤهم والخطأ لا يحط من قدرهم ومكانتهم، كما أن مكانتهم لا تعني إقرار كبوتهم.

3. التمييز بين الذنب المغفور والسعي المشكور: يقول ابن حجر: “الذنوب تقع منهم لكنها مقرونة بالمغفرة تفضيلا لهم على غيرهم، لكن البعض قد أغفل هذا حتى حول الذنب المغفور إلى سعي مشكور.”

4. التمييز بين المنهج التأصيلي والمنهج التاريخي: المنهج التأصيلي ينطلق من المبدأ ويحاكم الناس إليه، في حين أن المنهج التاريخي ينطلق من وصف التجربة البشرية ويقيس بعضها.

5. الاعتراف بحدود الكمال البشري: فهم كغيرهم تعتريهم حالات الضعف البشري، كما أن العظمة لا تعني استحالة صدور الخطأ منهم بل خيرهم غالب قولا وفعلا والعصمة لا تكون إلا لنبي.

6. الإقرار بثقل الموروث الجاهلي: لم ينسلخ المسلمون من هذا الإرث انسلاخا تاما وتفاوتت مستويات التحرر منه خاصة ما يتعلق بالعصبيات والتفاخر بالأنساب وغيرها وذلك راجع لتفاوت صحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتتلمذهم على يديه الشريفتين مما كان له عظيم أثر في إشعال الفتن السياسية بين الصحابة.

7. اجتماع الأمانة والقوة في الناس قليل: والصحابة ليسوا استثناء من ذلك خاصة إذا تحدثنا عن التوازن بين الأمانة والقوة، وقد علم الخلفاء الراشدون ذلك وحرصوا على تحقيقه (أبو بكر وعمر) استجلابا لأقصى حد من المصلحة، واستحضار هذا الأمر يسهم في تحقيق النسبية الموضوعية في دراسة تاريخنا خاصة تلك الحقبة التاريخية ورجالاتها.

8. الأخذ بالنسبية الزمانية: ونجملها بضرورة فهم الأحداث التاريخية ضمن سياقها العام.

9. وعدم خلط بين المشاعر والوقائع: فما وقع يدمي قلوب كل المسلمين حتى إننا نتمنى لو أنه لم يقع، لهذا فضل بعض أهل العلم عدم الخوض في الكثير من الوقائع والتفصيل فيها مراعاة لمشاعر المسلمين. لكن الغلو الذي شاب قراءات بعض الآخرين أدى بهم أحيانا إلى التنكر لحقائق التاريخ كأن ينكر بعضهم حدوث واقعة الجمل وصفين. فالأصل إذا أن نعرف ما حدث ملتزمين منهج العدل والإنصاف.

10. الابتعاد عن اللعن والسب: امتثالا لأوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي وصانا قائلا: “لا تسبوا أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه” وقوله أيضا: ” ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان والبذيء ولا الفاحش”.

11. الابتعاد عن التكفير وعن الاتهام بالنفاق: المآخذ والانحرافات في السلوك والكبوات ليس دليلا على كفر أو نفاق ولا تنفي الإيمان ولا الإسلام بل ننهج منهج ترك السرائر إلى عالم السرائر.

12. التحرر من الجدل وردود الأفعال: لا يخفى على عاقل أن دخول أفعالنا في دائرة ردود الأفعال تفقدها توازنها وتجعلها تحيد عن الموضوعية والإنصاف وهذا كان له كبير أثر في تحليل أحداث الصدر الأول وما نتج عنها. لم يعد القصد هو البحث عن الحق والصواب بقدر ما أصبح الانتصار للموقف أو الرأي هو الحادي.

13. إدراك الطبيعة المركبة للفتن السياسية: إن حدوث تلك الفتن السياسية مردها إلى استشراء الظلم السياسي واستفحال وإلى اختلاط حق بباطل يصعب معه تمييز الحق فضلا عن تحقيقه. واستبعاد هذه الطبيعة المركبة للفتن جعل الكثيرين ضحايا للتعميم والتسطيح وغياب النظرة الشمولية في معالجة القضايا.

14. التركيز عن العوامل الداخلية: إن مرارة وفظاعة ما حدث دفعت بالبعض إلى تضخيم عنصر التآمر على المجتمع الإسلامي وتقديمه على أساس أنه السبب الأول والوحيد لذلك وهؤلاء يسقطون في مطب عويص وهو تحريف تاريخ المسلمين من حيث لا ندري.

15. اجتناب الصياغة الاعتقادية للخلافات الفرعية: مما يؤسف له أن نجد بعض سلفنا قد أضفوا صبغة اعتقادية على الخلافات الفرعية وهذا ليس من الحق في شيء، فحلي بنا أن ننتصر لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على لسان من جاءت، وصحابة رضوان الله عليهم لم يطبعوا خلافاتهم السياسية بطابع الكفر أو الإيمان وفي هذا درس بليغ لنا كي لا نحيد عن الجادة.

16. الابتعاد عن منهج التهويل والتعميم: إن إقصاء الذاتية في دراسة الحقبة التاريخية سيكون له عظيم أثر في قبول تفسيرات مختلفة ما دام الكل يستحضر فضل الصحابة رضوان الله عليهم، لكن بعضا قد ينحى منحى التهويل والتعميم وهي المنـزلقات المنهجية التي تخرج عن حد الاعتدال والالتزام.

17. التمييز بين السابقين وغير السابقين: إنه لمن الإجحاف أن نضع كل الصحابة في الكفة الواحدة ونزنهم بميزان واحد، نعم كلهم يستظلون بمظلة صحبة رسول الله، لكن منهم السابقون ومنهم دون ذلك. فكيف نستسيغ أن نسوي بين عائشة وعلي وطلحة والزبير وعمار رضوان الله عليهم وبين مسلمة الفتح ؟ لذا وجب أثناء قراءاتنا وتحليلاتنا أن نستحضر هذا التمايز حتى لا نسوغ ما لا يستساغ.

18. اجتناب التكلف في التأول والتأويل: إن غلبة الخيرية على ذلك الجيل لا يجيز بحال إضفاء طابع القدسية عليه لأن هذا يتناقض مع الجبلة البشرية فلا عصمة إلا لنبي ومن ها هنا فتح بابا التأويل على مصراعيه حتى أصبحنا نحرص على حفظ مكانة الأشخاص أكثر من حرصنا على حفظ المبادئ.

19. التدقيق في المفاهيم والمصطلحات: إن مما يحجب الكثيرين عن دراسة تاريخ تلك الحقبة من تاريخ المسلمين هو اعتبارهم أن في ذلك خوضا في الصحابة رضوان الله عليهم وطعنا في عدالتهم، لكن المتفحص لآراء وأقوال السلف الصالح خصوصا أهل العلم منهم يلمس أن مرد ذلك إلى سوء فهم لبعض المصطلحات التي باتت تشكل حاجزا نفسيا يحول دون دراسة تلك الحقبة.

20. التمييز بين الخطأ والخطيئة بين القصور والتقصير: ومعنى ذلك أن لا نحكم على الأفعال بنتائجها بل الأصل هو الحكم على الفعل من خلال سعي صاحبه للحق والتزام قواعد الشرع في ذلك المسعى وليس ما ترتب عنه من نتائح دنيوية.

21. التمييز بين الخطاب الشرعي والخطاب القدري: فإذا كان من لا ينطق عن الهوى أخبرنا في العديد من الأحاديث بالفتن التي يصاب بها جسم الأمة فلا ينبغي أن نفهم هاته الأحاديث في إطار من الجبرية التي تحيلنا إلى حيادية سلبية تحول دون استخلاص العبر مما حدث للمستقبل.

22. الحكم بالظواهر والله يتولى السرائر: ويمكننا القول أن هاته القاعدة جامعة لسابقاتها وشاملة وهذا من الأساسيات التي بني عليها شرع الله عز وجل، فليس دورنا التنقيب في السرائر بقدر ما ينبغي أن نهتم باستخلاص العبر والاستفادة من التجارب خدمة لحاضر الأمة ومستقبلها الموعود.

ولكي تتضح هذه القواعد المنهجية في ذهن القارئ الكريم أكثر، ختم الكاتب هذه الدراسة بمقارنة سريعة لمنهج ابن تيمية وأهل الحديث في دراسة الخلافات السياسية بين الصحابة وبين منهج ابن العربي وتلامذته المعاصرين  ممن دعاهم مدرسة التشيع السني – حتى تتضح المساوئ المنهجية السائدة في تناول هذه القضايا اليوم. هذه المساوئ انتبه لها بعض المحققين من العلماء الأقدمين ونبهوا عليها ولخصوها في:

أولا: السطوة والشدة.

ثانيا: التحامل على المخالفين.

ثالثا: رد الأحاديث الصحيحة والوقائع الثابتة إذا خالفت رأيه الفقهي أو رؤيته السياسية.

رابعا: التكلف والتعسف في إثبات الرأي الموافق ونفي الرأي المخالف.

خامسا: الإطلاق في نفي الأدلة التي لم تصل إلى يده أو لم تستحضرها ذاكرته.

سادسا: التهويل والمبالغة.

سابعا: نقل الإجماع في الأمور الخلافية.

ثامنا: حدة الطبع.

ويؤكد الكاتب: “لا بد من التأكيد هنا على أن ذكر هذه المساوئ المنهجية التي تتسم بها كتابات ابن العربي ليس الهدف منه تتبع العورات، وإنما التنبيه على أثر هذه المساوئ على تناوله للخلافات السياسات بين الصحابة، وما ورَّثه ابن العربي للشباب المسلم وطلبة العلم المعاصرين من انحراف في المنهج في تناولها.

لقد جعلت هذه المساوئ المنهجية كتابات القاضي في موضوع الخلافات السياسية بين الصحابة بعيدة عن منهج الاتزان والاعتدال الذي دعا إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، فجاءت ردة فعل عنيفة، تجاوزت حدود العدل والتوسط. والذي يتأمل الجدل الشائع الآن في الساحة الإسلامية حول هذا الموضوع يدرك إلى أي حد تتحكم هذه المساوئ المنهجية فيه: سطوة وشدة، وتحامل على المخالفين، ورد الأحاديث الصحيحة والوقائع الثابتة، وتكلف وتعسف في النقل والتحليل، وإطلاق في نفي الأدلة التي لم تصل المُناظر، ومبالغات وتهويل، ونقل للإجماع في أمور فيها خلاف معتبر.. الخ.

ونحن نحاول هنا التنبيه على بعض الأخطاء العلمية والمنهجية التي وقع فيها ابن العربي في كتاب “العواصم” واتبعه في أكثرها محققوا الكتاب، ومئات الآلاف من طلبة العلم الآخرين، حتى يتبين القارئ الكريم الفرق الهائل بين منهج ابن العربي ومنهج ابن تيمية: منهج الاتزان والاعتدال والتحقيق العلمي، ومنهج التهويل والتعميم وعدم التحقيق. وحتى يدرك الجميع أن منهج أهل السنة ليس إفحام الخصم بالحق وبالباطل، وإنما هو منهج العدل والاتزان والتوسط.

ولسنا نغض من قيمة جهد ابن العربي  معاذ الله – بل نعترف له بالفضل، وندعو الله تعالى أن يتقبل منه جهده، وأن يثيبه على قدر نيته ومحبته للصحابة رضي الله عنهم. لكن القصد الحسن أمر، والتحقيق العلمي أمر آخر، والغلو يدخل على الناس مع حسن النية كما يدخل مع سوئها، ويكفي ما فسر به ابن حجر ظاهرة وجود الخوارج، قال رحمه الله: »وكان أكثر أهل العراق من القراء الذين يبالغون في التدين، ومن ثم صار منهم الخوارج«(7).

هذه قواعد منهجية إذن لتحليل تاريخ مرحلة الفتنة الكبرى دون أن نسقط في منزلقات سقط فيها العديد ممن سبقونا وما زالوا، فهل يا ترى نستطيع أن نتحرر من طوق التقليد وننظر إلى تاريخنا نظرة متأمل معتبر مؤمن بقدر الله واثق بموعوده سبحانه، أم نكتفي ببكاء العجائز وسلبية المنتظرين وصمت العاجزين ؟

هي وقفة إذا لا بد منها ولا محيد عنها لنعرف أصل أدواء الأمة وأزماتها ولنتعرض واثقين لموعود الله وموعود رسول الله صلى الله عليه وسلم.

يقول الأستاذ عبد السلام في كتاب نظرات في الفقه والتاريخ صفحة 44: “إن تتلمذنا للرسول المعلم الناصح صلى الله عليه وسلم بعقلنا يتلاقى التعليم وبقلبنا يتعرض لفيض الرأفة والرحمة وبسلوكنا يجدد تاريخ الجهاد وإن أخذنا عنه صلى الله عليه وسلم القرآن كتابا من عند الله هو الضياء والهدى والحياة كنا على المستوى الرفيع الذي يمكننا من مراقبة الأمور من أعاليها لا من أسافلها”.

المراجع:” الخلافات السياسية بين الصحابة رسالة في مكانة الأشخاص وقدسية المبادئ للأستاذ محمد بن المختار الشنقيطي  انظر موقع http://www.fiqhsyasi.com/Sahaba.pdf

” كتاب الفردية للأستاذ زيد بن علي الوزير

” أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس: مجموع الفتاوى، تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم النجدي، الرئاسة العامة لشؤون الحرمين الشريفين، السعودية

” أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس: منهاج السنة النبوية، تحقيق: د. محمد رشاد سالم، مؤسسة قرطبة، 1406هـ

” أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس: درء تعارض العقل والنقل، تحقيق: د. محمد رشاد، دار الكنوز الأدبية، الرياض، 1391هـ

” أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني أبو العباس: السياسة الشرعية في اصلاح الراعي والرعية، دار المعرفة

الهوامش:(1) كتاب الخلافة والملك للأستاذ عبد السلام ياسين: ص 15.

(2) http://www.fiqhsyasi.com/Sahaba.pdf.

(3) مجموع الفتاوى 4/513.

(4) مجموع الفتاوى 35/190.

(5) مجموع الفتاوى 35/21.

(6) مجموع الفتاوى 35/24.

(7) فتح الباري 13/289.