بين يدي الاحتفال بعيد العمال العالمي في فاتح ماي من كل سنة، تطرح الشغيلة مشاكلها اليومية وآمالها المستقبلية وحقوقها المشروعة في العمل المحترم والأجر المعقول والعيش الكريم والتكتل الضروري.

ويتجدد الحديث عن النقابة باعتبارها أداة العمال التفاوضية، ويستعرض العمال ظروف العمل النقابي في الداخل، من توازن بين الحقوق والواجبات وعلاقة بالدولة وأصحاب الشركات، وإكراهات الخارج المتمثلة في العولمة المتوحشة المتحكمة في رؤوس الأموال والأسواق والأرزاق.

في هذا المقال نشير إلى بعض المقتضيات التي تهم النقابة، والتحديات التي تواجهها، ونقف عند بعض الأدوار التي ينبغي أن يضطلع بها العمل النقابي .

أولا: النقابة مقتضيات عامة.

تتعدد تعريفات الباحثيين والمهتميين للنقابة، فهي في نظر بعض الاقتصاديين جمعية حرفية غايتها الدفاع عن المصالح الاقتصادية لأعضائها، وعند جملة من الباحثين هيئة تضم مجموعة من الأفراد يتعاطون نفس العمل وتكون غايتها تنظيم ذلك العمل والدفاع عن الذين يقومون به، وقد ذهب المشرع المغربي في الفصل الأول من ظهير 16 يوليوز 1957 بشأن تأسيس النقابات المهنية إلى جعل القصد الوحيد من النقابة هو الدفاع عن المصالح المهنية.

للنقابة مميزات ثلاث، فهي شخص معنوي اعتباري، غايته الأساسية الدفاع عن المصالح الاقتصادية والمهنية لأعضائها، ومزاولة المهنة شرط لازم للعضوية فيها.

يشترط المشرع المغربي في تحديد مفهوم النقابة الانتساب إلى صناعات أو مهن متشابهة من حيث الإنتاج(1)، وهذا ما يدفعنا للتمييز بين النقابات والمركزيات النقابية. فالنقابة تطلق أساسا على حركة وتنظيم يجمع العاملين في نفس القطاع أو في قطاعات متصلة من حيث الإنتاج ( النقابة الوطنية للتعليم العالي مثلا)، أما المركزيات النقابية تضم عاملين في مهن مستقلة من خلال نقابات متعددة ومنضوية تحت كونفدراليات واتحادات (مثلا الكونفدرالية الديمقراطية للشغل CDT).

من الناحية المبدئية من حق كل فئة عمالية تأسيس نقابة تدافع عن مصالحهم وتنظم حركتهم، فمنظمة العمل الدولية أقرت في المادة 2 من اتفاقية عدد 87 الصادرة في الدورة 31 بتاريخ 10 يوليوز 1948 أن : “للعمال وأصحاب الأعمال بدون أي تمييز الحق في تكوين المنظمات التي يختارونها أو الانضمام إليها، بدون حاجة إلى إذن سابق، ودون خضوع إلا لقواعد هذه المنظمات” وفي الفقرة الأولى من المادة الأولى من اتفاقية 98 المكملة: “يجب أن توفر للعمال وسائل الحماية الكافية ضد أعمال التمييز التي يقصد بها الحد من حريتهم النقابية فيما يختص بالعمالة”. كما تطرقت أول اتفاقية صادرة عن منظمة العمل العربية سنة 1966 والمسماة بالاتفاقية العربية لمستويات العمل إلى مبدأ حرية تأسيس النقابات، ثم ذهبت الاتفاقية السادسة لسنة 1976 المعدلة للاتفاقية الأولى لتؤكد على نفس المبدأ.

وفي المغرب رغم عدم المصادقة على اتفاقية منظمة العمل العربية عدد 87، لم يجد المشرع بد من التنصيص على هذا الحق الذي أٌقرته كل الشرائع (2).

ثمة أشكال تنظيمية تتقاطع مع النقابة لكن بينها فروق واضحة. فالنقابة تقترب من الجمعية، حتى أن هناك من يعتبر النقابة إحدى أصناف الجمعية لاشتراكهما في “غاية غير توزيع الأرباح”، لكن الاختلافات بينهما تهم جوانب متعددة، فغاية الجمعية تتعدد وتتشعب لا يستثنى منها سوى توزيع الأرباح أما النقابة  حسب التشريعات المعمول بها حاليا- فغايتها محددة في الدفاع عن المصالح المهنية للأعضاء. وإذا كانت الجمعية مفتوحة لانخراط الجميع بغض النظر عن المهنة، فالنقابة تشترط المهنة محددا للعضوية فيها. وعندما يمكن أن يكون أعضاء الجمعية أشخاصا اعتباريين (مثلا جمعية الشركات بالمغرب) تحصر العضوية في النقابة على الأشخاص الذاتيين.

وعن علاقة النقابة بالحزب السياسي، فيتقاطعان في تنظيم المواطنين وتمثيلهم، إذ الفصل الثالث من الدستور تنص فقرته الأولى على أن :”الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية والجماعات المحلية والغرف المهنية تساهم في تنظيم المواطنين وتمثيلهم”. وتختلف النقابة عن الحزب السياسي في نقاط منها، الهدف الذي تطرحه الأدبيات الدستورية من أجل تأسيس الحزب هو الوصول إلى السلطة من أجل تطبيق البرنامج السياسي، أما النقابة فتحصر التشريعات هدفها في الدفاع عن مصالح العمال ورفع مستواهم المادي والمعنوي. وإذا كان الانخراط في الحزب السياسي محصورا على المواطنين دون الأجانب والأشخاص الذين حرم عليهم القانون ذلك (القضاة مثلا)، فالنقابة مفتوحة في وجه المواطنين  شرط نفس المهنة- كما يجوز للأجانب الانخراط كأعضاء فيها دون المكتب المسير، وإذا كان الحزب السياسي يفترض فيه وحدة التصور رغم اختلاف المهن فإن النقابة يشترط فيها وحدة المهنة رغم اختلاف قناعات أعضائها.

ثانيا: تحديات العمل النقابي .

ارتبط ظهور النقابة بمفهومها الحديث بالثورة الصناعية التي عرفتها أوربا في أواسط القرن 18، إذ أدى التطور الصناعي والتوسع الاقتصادي إلى هيمنة ذهنية الربح المرتبطة بنظرية الحرية، والتي انعكست على الأيدي العاملة وتمثل ذلك في استغلال العمال وخاصة الأطفال والنساء في مصانع النسيج ومناجم الفحم مقابل طول ساعات العمل وبخس الأجور دون اكتراث بالأمراض والحوادث المهنية، مما دفع بالعمال إلى التفكير في العمل الجماعي من منطلق المعاناة المشتركة، وتجلى ذلك في تجاوز التفاوض الفردي والتأسيس للمفاوضة الجماعية وعقود العمل المشتركة، كل هذا شكل البداية الحقيقية للعمل النقابي.

وإذا كان العمل النقابي قد قطع أشواطا مهمة وحقق مكاسب كبيرة عبر تاريخه وراكم تجارب رائدة في معاني التضحية والنضال والبذل والذود عن الحقوق المشروعة لشرائح واسعة من الطبقة العاملة ، فإن واقع الحال يقتضي القول أن ثمة إشكالات حقيقية وتحديات كبرى تواجه الفعل النقابي وتهدد المكتسبات التي راكمتها الشغيلة على مدى أجيال من الكفاح والصمود .

إذ فقد الفعل النقابي الكثير من قوته وتحولت حركة العمال إلى احتجاجات متفرقة ومتباعدة يغلب عليها قلة التأثير وطابع رد الفعل الوقتي و الظرفي.

و لازالت الحركة النقابية تابعة في عملها للاختيارات السياسية الحزبية، حتى بات المشهد النقابي يفرخ النقابات المتكاثرة تكاثر الأحزاب في غياب القوة التنظيمية والقدرة التأطيرية وإدماج العامل ، بل هناك من يسعى لتوظيف النقابة لخدمة الأغراض الحزبية المرتبطة بطبيعة العلاقة بالسلطة، والمتميزة بالتدجين وتغييب المطالب الحقيقية للفئة العمالية .

الضغوط الحقيقية والإكراهات الكبرى التي تطرحها مستجدات العولمة المتوحشة، من خلال الشركات عابرة الأوطان المتحكمة في 75% من التجارة العالمية، حيث من نتائجها المباشرة التسريح الجماعي للعمال وإغلاق أبواب الشركات الصغرى والمتوسطة الوطنية مع ما يستتبعه ذلك من عطالة للأيدي العاملة، ناهيك عن حقائق هروب رأسمال هذه الشركات مادام لا يلزمها أي رابط أو تعاقد عند انتهائها من استغلال الأيدي الرخيصة، وكذا تخلي الدولة عن أدوراها الاقتصادية والاجتماعية والتسريع بوتيرة الخوصصة وما يرافقه ذلك من غياب الضمانات الحقيقية والحماية القانونية للعمال .

تغييب الجانب الإنساني في التعامل مع الشريحة العمالية ، فإذا كان أصحاب الشركات ينظرون إلى العامل كقيمة اقتصادية وآلة إنتاجية، فإن النقابات عليها أن تتجاوز النظرة الرقمية للعامل كرصيد نضالي، والرؤية المادية لمجهوده العضلي بغية المزايدة على الأجور ، وتعميق التعامل مع العامل ككيان آدمي له احتياجات إنسانية وأخلاقية ومعرفية إلى جانب ضروراته المادية .

ثالثا : الأدوار المستقبلية للعمل النقابي .

يبقى العمل النقابي رغم التحديات المطروحة عليه، واجهة مهمة ينبغي على كل النزهاء والغيورين على مصير الإنسان والحريصين على سيادة العدالة والحرية والعيش الكريم الحفاظ على مكتسباته وتطوير أدائه ودعم مطالبه حتى يؤدي دوره الريادي.

النقابة تتأسس لتحقيق نوع من التوازن في العلاقة بين صاحب الشغل والعمال، ونظرا لأن العلاقات القائمة الآن استغلالية فعلى النقابات والاتحادات والكونفدراليات تكثيف العمل وتنسيق الجهود والاضطلاع بمهام التأطير والتعبئة والحث الدائم والتوعية في صفوف العمال المستضعفين، حتى يدركوا حقوقهم المشروعة ويطالبوا بها بمنطقية واتزان لكن بقوة ودون تنازل، يقول الأستاذ عبدالسلام ياسين: ” لا يقدر على استخلاص الحق إلا القوي ولا يستطيع القانون وحده أن يعطي الحق، لا سيما إن كان صاحبه صامتا خائفا، أو كان طالب الحق غير بصير بدقائق النصوص وأصول التعامل التي يتقنها الغريم فيحتال على القانون أو يراوغه. لذلك لابد من دعم النقابة ومساندتها لتدافع عن الحقوق الفردية والجماعية وتنتزعها ، لا فرق في ذلك بين أن يكون المشغل هو الدولة أو هو صاحب الاستثمار”(3).

وينبغي على العقل النقابي ابتكار وسائل ضغط جديدة بمقدورها إرغام الدولة وأصحاب رؤوس الأموال من اعتبار العامل، والتعامل معه على أساس الشراكة في الإنتاج، والدفع بالمستوى الاقتصادي للشركة والبلد في اتجاه الأحسن .

وإذا كانت الشركات المتعددة الجنسيات ورأس المال العابر للحدود قد أصبح واقعا يفرض نفسه، فإن عولمة النضال والدفاع عن قيم الخير والعدل والحرية من خلال التعاون بين المركزيات النقابية ليس فقط محليا أو إقليميا بل دوليا وعالميا، لمن شأنه التخفيف من النتائج القهرية لليبرالية الجديدة، ولعل في الحركة الاحتجاجية المدنية والسياسية الغربية المناهضة لحقائق العولمة المتوحشة، لمما يؤكد أن للتنظيم والتنسيق والمجابهة قوة حقيقية بمقدورها المفاوضة من مواقع قوية والتأسيس لتعاون دولي تجاري وصناعي يراعي بل يحرص على العيش الكريم لكل الشعوب.

في سياق الحديث عن الأدوار المستقبلية للنقابة يطرح الأستاذ عبدالسلام ياسين بعض الوظائف التي تنسجم مع قيم العدل ومعنى الإنسان “يجب أن تقوم النقابة تحت ظل دولة القرآن بغير المهام التي تقوم بها نقابات الشيوعيين من كونها أداة من أدوات الدولة. ويجب أن تسلك أسلوبا غير أسلوب الإضراب والعنف الذي تسلكه النقابات الرأسمالية. يجب أن يستبدل بالإضراب تنسيق ثلاثي بين ممثلي النقابة والدولة وأصحاب الشغل. ويجب أن تكون النقابة أسمى من وكالة همها الوحيد بيع قوة العضلات بأغلى الأثمان. وأرفع من أن تسمح بالفوضى وتشيع الحقد. نقابات تفاوض وضغط معنوي قانوني، لا نقابات رفض وإضراب وتخريب، وعلى الدولة أن تقدر المصلحة، وتحمي العسيف، لتلتقي بواجبها في الجمع بين مصلحة الأمة كلا ومصلحة المستضعفين عضوا حيويا في الأمة، تضيع الأمة بضياعه، وظلم العسيف خراب”(4).

النقابة في غد العدل ليست عدمية المطالب، بل هي طرف في علاقة تكاملية من أجل التنمية الشاملة، ففي ظل قانون فاعل ورأسمال متخلق، تضطلع النقابة بمهام التفاوض المعقول والتأطير القاصد والإشعاع البناء والمشاركة الفعلية في تنمية الاقتصاد واستقرار المجتمع .

الهوامش

1- ينص الفصل الثاني من ظهير 16 يوليوز 1957 بشأن تأسيس النقابات المهنية في فقرته الأولى: “يجوز أن تتأسس بكل حرية النقابات المهنية من طرف أشخاص يتعاطون مهنة واحدة يشبه بعضها بعض أو حرف يرتبط بعضها ببعض ومعدة لصنع مواد معينة أو يتعاطون مهنة واحدة”.

2- جاء في الفصل الثالث من الدستور المغربي في فقرته الأولى : ” الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية والجماعات المحلية والغرف المهنية تساهم في تنظيم المواطنين وتمثيلهم”. وفي الفقرة الأولى من الفصل الرابع عشر “حق الإضراب مضمون “.

3- الأستاذ عبد السلام ياسين، في الاقتصاد الضوابط الشرعية والبواعث الإيمانية ص185.

4- نفسه ص185-186.