في شهر مارس الماضي، احتضن نادي رياضي في منطقة الأشرفية بمدينة بيروت لقاء، حضرته وجوه أكاديمية وسياسية بارزة في الولايات المتحدة الأمريكية، إلى جانب قياديين في حركة حماس وحزب الله، وقياديين في الجماعتين الإسلاميتين بلبنان وباكستان، كان هذا اللقاء من تنظيم “منتدى حل النزاعات” الذي يديره “أليستر كروك”.

قبل ذلك اللقاء وبعده، تكررت التصريحات الأمريكية التي تكشف أهمية الحوار مع الإسلاميين في المنطقة العربية. ورد ذلك على لسان مسؤولين في الإدارة الأمريكية، في مقدمتهم وزيرة الخارجية “كونداليزا رايس”.

أما في أوربا، فقد صدرت عن الاتحاد الأوربي وثيقة، تدعو بوضوح إلى تكثيف الاتصال بالمجتمع المدني الإسلامي، واعتبار ذلك خطوة أساسية لتشجيع الانتقال الديمقراطي بالبلدان العربية والإسلامية. وفي 15 أبريل 2005 صرح السفير “جونتر مولاك”، المفوض المكلف بحوار الحضارات في وزارة الخارجية الألمانية، بأن هناك توافقا أوربيا يشبه الموقف الرسمي الأمريكي فيما يتعلق بالحوار مع القوى الإسلامية “المعتدلة”.

إن تقارب مضمون هذه الدعوات والتصريحات، بين الجانبين الأوربي والأمريكي، لم يمنع من ظهور ردود فعل متباينة في عالمنا العربي والإسلامي؛ فهناك من سارع إلى الترحيب بتلك الدعوة دون أدنى تحفظ، وهناك من هرول إلى إثبات حسن سيرته، بكشف موقفه المبدئي من الحوار، وآخرون عبروا عن رفضهم المطلق دون إخضاع الأمر لأي حساب موضوعي.

في مقابل هذه المواقف المتسرعة عبر بعض الإسلاميين؛ علماء ومفكرين وحركات إسلامية، عن مواقف متزنة.

إن المسارعة إلى الموقف المبدئي دون الحساب الموضوعي سذاجة لا تليق بحاملي المشروع الإسلامي. وإن الجري وراء الحسابات الواقعية دون اتجاه مرسوم ومواقف مبدئية خفة تضر بالإسلاميين وبمشروعهم.

الحساب الموضوعي في قضيتنا هذه  قضية الحوار- هو حساب الربح والخسارة في التعامل مع هذه الدعوة الأمريكية والأوربية للحوار، ولن يتأتى ذلك الحساب إلا بالوقوف عند السياق والدوافع.

الدعوة إلى الحوار: السياق والدوافعمن نافلة القول التأكيد على أن الولايات المتحدة وأوربا عرفتا منذ سنين، بل منذ عقود، دعوات وصيحات، تدعو إلى حوار الحضارات، وإلى دراسة الإسلام دراسة موضوعية، بعيدا كل البعد، عن تأثير الدعايات الصليبية والصهيونية. احتضن هذه الدعوات بعض المفكرين والمثقفين، كما احتضنتها مراكز للدراسات والبحوث. إلا أن الذي لوحظ ويلاحظ، هو ضعف سماع هذه الدعوات، وضعف تأثيرها في مقابل أطروحات أخرى، كأطروحة صراع الحضارات، ونهاية التاريخ، ولعل النفوذ الصهيوني القوي، في الدوائر السياسية والاقتصادية والثقافية،أهم أسباب ذلك . فالصهاينة بنفوذهم المتجذر منعوا ويمنعون كل نظرة محايدة للإسلام، وكل تقارب مع المسلمين، ومن تمام اليقظة الوعي بأنهم سيشكلون، في الحاضر والمستقبل، العقبة الكأداء في طريق الحوار بين الغرب والمسلمين.

جهود مشكورة لعقلاء الغرب. يقول الكاتب الألماني “فريتس شتيبات” في كتابه “الإسلام شريكا”: “إن أهم شيء يجب علينا أن نراعيه في تعاملنا مع “الأصوليين” الإسلاميين هو أن نتفهم الدوافع التي تحركهم تفهما عميقا، وأن نبين للمسلمين بوجه عام أننا نريد أن نفهمهم، لا أن نحاربهم”. جهود مشكورة تلك التي تدعو إلى فهم الإسلاميين فهما عميقا، لكن من السذاجة الظن، أن تلك الجهود المحاصرة وحدها، هي التي أنتجت هذه الدعوات الرسمية للحوار مع الإسلاميين.

يمكن أن نجمل الدوافع الأساسية لهذا النداء الغربي من أجل الحوار في العناصر الآتية:

أولا: ضمان أمن المواطن الأوربي والأمريكي. فبعد فشل استراتيجية العنف، التي شاركت فيها بعض الدول الأوربية بقيادة الولايات المتحدة، في حربها ضد ما يسمى بـ”الإرهاب”، وبعد فشل المراهنة على الحكام المتسلطين في القضاء على عوامل “التطرف”، تبينت ضرورة تغيير استراتيجية التعامل مع الإسلاميين، خاصة بعد أن تأكد في أكثر من بلد، الامتداد الشعبي، والسلوك السياسي المتزن، للإسلاميين “المعتدلين”.

ثانيا: تحسين صورة أوربا وأمريكا لدى المجتمعات الإسلامية، التي لم تزدها الحملة ضد ما يسمى بـ”الإرهاب” إلا تعاطفا مع الإسلاميين والتفافا حولهم، وعليه فإن التزلف للشعوب المسلمة لا يكون إلا عن طريق الإسلاميين.

يتأكد هذا الدافع خاصة بعد فشل العديد من المحاولات في تحسين صورة أوربا وأمريكا لدى المواطن العربي والمسلم. فهذه الأخيرة، ومنذ أحداث 11 شتنبر 2000، أنفقت ملايين الدولارات في دول عربية وإسلامية للتأثير على الشعوب، وللتخفيف من الكراهية لها، ومع ذلك تشير العديد من الاستطلاعات إلى أن الكراهية لأمريكا في ازدياد مطرد.

ثالثا: الرغبة في معرفة الحركات الإسلامية عن قرب، حيث يتأكد يوما بعد آخر تأثيرها الكبير في الشارع العربي والإسلامي، ويتبين كذب التقارير التي كانت تصفها بالكم المهمل، وبالحركات المنبوذة شعبيا.

رابعا: “مشروع الشرق الأوسط الكبير”، بما هو مشروع هيمنة سياسية واقتصادية وثقافية على المنطقة العربية، تهدده مقاومة شعبية شاملة بقيادة بعض القوى السياسية في مقدمتهم الإسلاميين، لذلك فإن إنجاح هذا المشروع يتطلب استدراج الإسلاميين، ليكونوا عامل تنزيل وليس عامل رفض.

هذه في اعتقادي العناصر الأساسية التي تلخص دوافع هذه الدعوات للحوار مع الإسلاميين، قد تحضر هذه الدوافع أو بعضها على الأقل بدرجة أكبر عند الولايات المتحدة الأمريكية بالمقارنة مع أوربا، وقد تتفاوت درجة هذه الدوافع بين بعض الباحثين الأكاديميين وبين رجال الحكم والسياسة، لكن السياق العام يؤكد أن هذه الدعوات لا تخرج، على الأقل في المرحلة الحالية، عن الإطار الذي تحدده العناصر السالفة الذكر.

إذن فالإسلاميون يكونون في أحسن الأحوال أمام رغبة في التعرف عليهم عن قرب، مما يؤكد عدم المراهنة على أية نتائج عملية للحوار في المدى القريب. خاصة ونحن نعلم أنه لا يزال “حوارا افتراضيا” لم ينطلق بعد.و سيكون إذا ما انطلق، بشكل جدي، حوارا للتعارف، قد يستغرق زمنا طويلا، وقد تشارك فيه أجيال من هنا وهناك. دون هذا الحوار، الذي لا شك سيشكل إذا تحقق منعطفا في تاريخ الإنسانية عقبات متعددة، في مقدمتها الرواسب النفسية الناتجة عن التحريفات الصليبية والصهيونية.

وفي أسوء الأحوال، سيكون الإسلاميون أمام استدراجهم لقبول مخططات الهيمنة الغربية والأمريكية، وأمام كسر شوكتهم، لكن بالحيلة والكيد هذه المرة، وليس بالعنف المباشر، الأمر الذي يطلب يقظة وجهودا لتصحيح المنطلقات، قبل خوض أي حوار.

وبين أحسن الأحوال وأسوئها، هي المصلحة الأمنية والاقتصادية لأمريكا وأوربا في التعامل مع الإسلاميين، وليس في ذلك من ضير إذا كانت مصلحة “الذات” لا تنفي مصلحة” الآخر”.

الإسلاميون والحوار على أساس المصلحةمن نافلة القول أيضا التأكيد على تشبث العديد من فصائل الحركة الإسلامية بالحوار، وذلك امتثالا لأمر الله عز وجل في كتابه العزيز، واتباعا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. يقول الله عز وجل: “ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين” (سورة النحل، الآية 125). الحوار من أهم أساليب الدعوة. لكن هذا الموقف المبدئي من الحوار لا يغني عن التحليل المتأني، والحساب الموضوعي، فمعرفة دواعي الدعوة إلى الحوار وأبعادها وحدودها ضرورية لحركية الموقف في إطار المرونة المسموح بها.

من بين الدوافع السالفة الذكر يمكن أن تشكل المصلحة أساسا للحوار، لذلك على الإسلاميين أن يطرحوا على هذه “المبادرات”، أو على الأقل هذه “الشعارات”، المرتبطة بالحوار عدة أسئلة منها: ما هي مصالح الآخر من الحوار؟ وما هي مصالحنا؟ وهل هي مصالح متعارضة تماما أم متوافقة تماما؟ أم أن من هذه المصالح ما هو متعارض، ومنها ما لا تعارض بشأنه؟

الأمن والاستقرار والاحترام المتبادل مصالح مشتركة بين مختلف الشعوب لذلك لا ضير من التعامل على أساس هذه المصالح، بل إن الإسلاميين ينبغي أن يكونوا من أكثر المتشبثين بها، لأن رسالة الإسلام، التي هي دعوة للعالم؛ رسالة رحمة وأخوة إنسانية، رسالة معرفة للخالق عز وجل، وتعارف بين الخلق. وكلما كان الاستقرار والأمن كلما كانت رسالة الإسلام في أعمق معانيها أسرع إلى النفاذ “فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف” سورة قريش، الآيات 3-4-5.

ثم هل تنتهي مصلحة الإسلاميين بدفع القمع الداخلي والخارجي عنهم؟ هل تنتهي بانتهاء إقصائهم وتهميشهم؟ هل تنتهي بإقامة الدولة الإسلامية؟ أما أن مصلحتهم من مصلحة دعوتهم؟

مصلحة الإسلاميين في الدنيا والآخرة ترتبط بدعوتهم الخالصة لله عز وجل، كي يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا “قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله…” سورة آل عمران، الآية 63.

دعوة إلى الله ممتدة في الزمن والمكان، ممتدة برفق ورحمة، ومتى كان الظلم والعدوان فهي دعوة لغير الله.

لذلك من الضروري جدا أن يتسع أفق الإسلاميين، ببسط أسس للتفاهم، ترتكز بالأساس إلى تغيير نظرة الأوربيين والأمريكيين للإسلام، وتنقية تلك النظرة من شوائب الدس والكيد والبهتان ،التي لحقتها عن طريق بعض المستشرقين والمتصهينين المتبحرين في فن التحريف.

و مصلحة الإسلاميين من مصلحة شعوبهم، مصلحة جماعية تراعي مختلف الطوائف والهيئات السياسية والمدنية. فقوة موقف الإسلاميين في حوارهم مع الغرب تتوقف إلى حد كبير على مدى نجاح الحوارات والمواثيق الوطنية داخل أوطانهم. ومتى كان الاستقواء بالآخر ضد أبناء الوطن فلا تسأل عن الدعوة والتغيير.

ثم ما هي حدود مصلحة أوربا وأمريكا؟ هل النفط العربي و”إسرائيل” يشكلان محددين أساسيين لتلك المصلحة كما ذهب لذلك تقرير التنمية الإنسانية لعام 2004؟

وآنذاك ليكن واضحا بلا مواربة، من قبل الإسلاميين، أن أي حوار على أساس هذه المصلحة غير المشروعة دينا وقانونا وعرفا، لن يتقدم خطوة إلى الأمام، بل لا يمكن أن يبدأ حتى يتقدم.

إن هذه المصلحة غير المشروعة هي التي تضر بالمصلحة المشروعة؛ الاستقرار والأمن والطمأنينة والاحترام المتبادل.

فمما يفسد استقرار وأمن وطمأنينة الشعوب العربية والإسلامية والشعوب الأوربية والأمريكية، على حد سواء، هذا الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، وذلك التدمير الأمريكي للعراق وأفغانستان…

ليكن واضحا كل الوضوح، أن دورة العنف؛ احتلال ونهب، فعداوة وكره، ففوضى وعنف. وأنه لا مستقبل لأي حوار ولا مصداقية له إلا بإنهاء مختلف أشكال الاحتلال…

لقد أغرقت هذه السطور في التحليل، مع أن الدعوة إلى الحوار من قبل الغرب، لم تتعد التصريحات والإشارات، إلا أن وعي ذلك لا يتعارض مع محاولة الاستشراف.