شكلت الحركة النقابية ولا زالت دعامة ورافعة أساسية لأي حركة تغييرية وذلك من خلال المشاركة في تأجيج الغضب اليومي والانخراط في تعبئة أعضائها، للتصدي للسياسات اللاوطنية التي هدفها ملء جيوب المحتكرين المتسلطين وتفقير المستضعفين وذلك من خلال تطبيق سياسة صندوق النقد الدولي الاستعمارية والحفاظ على مصالح المستكبرين.

وعلى غرار مثيلاتها في العالم، لم تخرج الحركة النقابية المغربية في بداياتها عن هذا الإطار، فقد مثلت قلعة لمقاومة الاحتلال الفرنسي من خلال انخراطها في التصدي لهذا الاستعمار اقتصاديا والمشاركة في المقاومة المسلحة ضده. كما كان لها دور مهم في الدفع بالحالة السياسية للبلاد في السنوات الأولى التي تلت “الاستقلال” من خلال الدعوة للإصلاح السياسي، الاجتماعي، والاقتصادي. وشكلت بذلك قوة اعتبارية يحسب لها ألف حساب مما دفع بالأحزاب آنذاك العمل لاحتوائها وجعلها تابعة لها، في المقابل عمل المخزن على تقزيم دورها ومحاصرتها تارة وتفريخ إطارات نقابية جديدة تارة أخرى.

لقد تحكمت جدلية السياسي والنقابي في فعل الحركة النقابية المغربية مما قيد تحركاتها وجعلها أسيرة مصالح سياسوية ظرفية، وقد تجلى ذلك بقوة في ذروة الصراع الحزبي الذي عرفه المغرب بين مكوناته السياسية، وانفجار التناقضات داخل جسمها، وبذلك انشقاقها، وإفراز نقابات تابعة لهذا الطرف أو ذاك مع كل انشقاق.

فبعد انفصال نقابة الاتحاد المغربي للشغل عن حزب الاستقلال أسس هذا الأخير نقابة الاتحاد العام للشغالين. ومع ظهور حزب الاتحاد الاشتراكي تأسست الكنفدرالية الديمقراطية للشغل كنقابة تابعة له آنذاك قبل تأسيسه للفيدرالية الديمقراطية للشغل على إثر الانشقاق الذي عرفه الحزب وظهور مجموعة من المكونات السياسية التي ورثت عنه الكنفدرالية الديمقراطية للشغل.

لقد أدى ذلك إلى جعل مصلحة العمال والفعل النقابي رهنا بالتقلبات السياسية ومنطق التوازنات والتحالفات بين الأحزاب فيما بينها، وبينها وبين المخزن. وبذلك أضحت النقابة أداة لتحقيق مكاسب سياسوية وانتخابوية عوض تحقيق امتيازات وحقوق لصالح العمال، وأصبح بذلك ظهورها وحضورها حضورا شكليا مرتبطا باستعراضات “فاتح ماي” كالأحزاب السياسية التي أصبح وجودها مقتصر على فترة الانتخابات، بينما يكتوي أبناء الشعب بقرارات وقوانين مخزنية  مدونة الشغل- قانون الصحافة  قانون الإرهاب ..

إن المطلوب اليوم من الحركة النقابية وضع وضعية العامل ومصالحه في سلم أولوياتها بعيدا عن المزايدات والانتهازية السياسية بحيث يكون موقعها وسط الطبقة العاملة وفي خدمتها وليست أداة في يد أي لون حزبي أو مخزني. إن التعدد النقابي الذي تعرفه الساحة يقتضي تأسيس جبهة نقابية موحدة وذلك بهدف إفشال مخطط المخزن الذي يقوم على سياسة فرق تسود وتمييع العمل النقابي. وبذلك جعل هذا التعدد نقطة قوة عوض أن يكون نقطة ضعف في جسم الحركة النقابية، يوحدها ميثاق على أرضية مطلبية نضالية يؤطر هذا التنوع ويدفع بمصلحة العمال، دون أن تفتقد هذه الإطارات النقابية خصوصيتها واستقلالها على اعتبار أن ما يجمعها -مصلحة العمال- أكثر مما يفرقها.

إن الحركة النقابية تحتاج إلى اعتماد سياسة نكران الذات والتخلي عن الأنانيات وجلوس الجميع لتنسيق العمل بعيدا عن أي وصاية خارجية.